نشرة الاخبار

الأربعاء، سبتمبر 28، 2016

وفى اختلاف المظلومين رحمة للظالمين (2)



محمد منير
فى المقال السابق تناولت الواقع المعاكس للمنطق فى مصر، وكيف وأن المظلومين والمقهورين يقدمون خلافاتهم فيما بينهم على الخلافات مع المستبد والظالم والناهب، وهى الحالة التى تشكل سياجا من الأمن والأمان لكل ظالم ومستبد، وقدمت نماذج لأدلة تاريخية على هذه الحالة خلال فترات تاريخية منذ بداية القرن الماضى حتى فترة حكم حسنى مبارك .

وفى النصف الثانى من الحقبة المباركية، زادت حدة المعارضة فى الشارع المصرى بفعل ضغط الشارع الذى عانى ويلات الفساد والاستغلال والانهيار الاقتصادى الذى لم تطل آثاره سوى الفقراء، بالإضافة إلى الانهيار الصحى والثقافى.. ورغم ذلك سبقت الخلافات بين نخب المعارضة وبعضها الخلافات مع النظام، وأصبحت مصالح الفقراء وهمومهم أدوات لا يدار بها الخلاف مع النظام بقدر ما تستخدم كذرائع وتبريرات للخلافات بين المعارضة، والتى وصلت إلى حد نفي كل منهم للآخر، والتحالف مع النظام الفاسد لتحقيق انتصار على الفرق الأخرى!! .
وعلى سبيل المثال لا الحصر، الخلاف بين بعض فرق اليسار بسبب تقسيمه إلى يسار ينتمى للمعارضة الشرعية، وتزعمها آنذاك حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدى، ويسار معارض غير شرعى، وفى مقدمته بعض الاتجاهات الشيوعية، ووصل حد الخلاف إلى أن اليسار الشرعى كان يتولى عن السلطة مهمة الهجوم على كل تحركات اليسار غير السلطوي (أو غير الشرعى من وجهة نظرة)، والتى وصلت إلى حد المساهمة فى إجهاض أنشطته الجماهيرية فى الشارع وأى فعاليات يقومون بها، وحصارهم على المستوى العام والخاص، بل وصل أحيانا إلى حد الوشاية بهم عند السلطة. وظهرت هذه الحالة العدائية بوضوح ضد الاتجاهات اليسارية الشبابية التى كانت تحاول جاهدة تعديل المسار، وتوجيه الصراع إلى صراع مع النظام الفاسد، والتعبير عن هموم الفقراء والمقهورين، ولم تقف هذه الحالة عند اليسار فقط، بل امتدت إلى بعض الأحزاب اليمينية والليبرالية، ولعل أبرزها الخلاف الذى حدث فى حزب الوفد، وأسفر عن اشتباكات مسلحة بين أعضائه وحرق مقر الحزب.
كما أن الاتجاهات السياسية ذات الصبغة الدينية لم تكن بعيدة عن هذه الحالة، رغم التماسك النسبى فى تشكيلاتها، وكان أوضحها الخلاف بين جماعة الإخوان وبعض الجماعات الإسلامية الأخرى، والتى كانت جماعة الإخوان ترى فيها نوعًا من التطرف والمبالغة والمغالاة فى مشهد مشابه للخلاف بين اليسار الشرعى التجمعى واليسار الرديكالى الشيوعى .

أما فى الإطار العام فاتسعت هوة الخلاف بشكل مبالغ فيه بين المعارضة المدنية والمعارضة ذات المرجعية الدينية، وبلغت حالة العدائية بينهما إلى حد استخدام العلاقات مع السلطة فى الصراع، وهو ما دفع الجوانب ذات الملمح المتوازن من كل الاتجاهات إلى محاولة التقرب من السلطة. وأتذكر أنه فى كثير من الفعاليات التى كانت تنظم لمواجهة قرار اقتصادى ظالم أو قرار ضد الحريات، كان تأثير هذه الفعاليات ينهار بسبب الخلافات بين قوى المعارضة على رفع شعاراتها الخاصة، وينتهى الأمر بمرور قرارات النظام الفساد من بين الخلافات بين المعارضة.
ووصل الخلاف بين المعارضة إلى حد التنظير للعداء بينهم، والذى وصل بأحد قيادات اليسار الرسمى إلى تبرير التحالف مع السلطة وتقديم الخلاف مع الاتجاهات ذات المرجعية الدينية بمبرر أن الأول سارق، والثانى قاتل، والتحالف مع السارق ضد القاتل أمر مشروع!!!

ما علينا.. امتدت هذه الحالة إلى ما بعد الهبة الثورية عام 2011، والتى قادها الشعب لعدة أيام متجاوزًا كل القيادات النخبوية، وعندما استقر الأمر، وبدأت التشكيلات السياسية السابقة فى محاولة اللحاق بركاب الثورة أو القفز عليه، انتقلت هذه الأمراض برمتها إلى الدائرة الثورية، فأصابتها بعطب وعطل أعاد النظام السابق إلى مركزه، وألحق الضرر الشديد بالشعب الآمل فى الثورة، والذى دفع الثمن حياة ودماء الآلاف من الحالمين بالحرية، والذين ذبحوا بفعل الخلاف فيما بينهم .

بعد تنحى مبارك مباشرة، بدأت خطة الدولة العميقة لتدمير الحالة الثورية، وتحول ميدان التحرير الذى كان ساحة للتوحد الشعبى إلى ساحة للصراع بين الاتجاهات المختلفة، سواء بفعل الموروث السابق، أو بفعل مظاهر الصراع والفرقة الجديدة التى بثتها أجهزة الدولة العميقة من تقسيم الثورة إلى فئات عمرية، وخلق صراع بين جيل الشباب والأجيال الأخرى. وفى هذه الفترة شهد ميدان التحرير حالة من العشوائية والغوغائية، وتعرض الكثير من الرموز السياسية من كل الاتجاهات إلى الطرد والإهانة، بينما كان عملاء الدولة العميقة منتشرين فى الشارع، بحجة دعم الثورة والمشاركة فيها، وفى الواقع كانوا يبثون كل دوافع الخلاف والوقيعة والفرقة، وأتذكر أحد القيادات الصحفية وثيقة الصالة بأقوى الأجهزة الأمنية فى مصر لم يترك مقاهى الميدان ووسط البلد للحظة، وظل يلتقى مع الشباب، ويحرضهم على رفض كل الاتجاهات السياسية وزيادة الفعاليات فى الشارع من أجل الثأر للشهداء، وتأجيل أى مطالب سياسية من المجلس العسكرى، الذى كان يدير المرحلة، لبعد الثأر!
وكان هذا الشخص واحدًا من أهم المتسببين فى الشكل المرتبك فى أحداث محمد محمود وماسبيرو، والتى راح ضحيتها عشرات من الشباب، ونجحت خطة الدولة العميقة، وقسمت الشارع إلى فرق متناحرة تختلف فيما بينها على الموقف من القتل والغشم مقابل غض النظر عن القاتل الحقيقى، والذى زاد بطشه وعنفه بشكل مبالغ فيه فى هذه الفترة .

وبحركة مناورة شديدة المرونة، لعبت أجهزة الدولة العميقة بالأحداث، مستخدمة حالة الخلل بين الفرق المتناحرة، واستولت على السلطة تحت غطاء شعبى مخدوع بفعل الخوف من الفوضى والحرب الأهلية التى لوحت بها الدولة العميقة، ونجحت فى إيهام الشعب بإمكانية حدوثها، واستولى العسكر على الحكم بإجراءات دموية ذات ديكور شعبى، فى رابعة والنهضة، وهى الدموية التى امتدت من محمد محمود والتحرير وماسبيرو إلى رابعة والنهضة. واستمرت سياسة تكسير رموز المعارضة برموز المعارضة بمعنى ضرب المعارضة بالمعارضة لتخرج السلطة الغاشمة الباطشة الفاسدة سالمة .

العجيب أن الشعب الذى يدفع الثمن الآن، يقف وسط ساحة محاطة بالفقر والجوع والمرض وانهيار الأمل، ويناقش الخلافات حول المذابح، ويكيل الاتهامات بعضه لبعض، ويغض النظر بشكل كامل عن مواجهة الفاعل والقاتل والناهب والمستبد..

ولهذا فالنظام الفاسد مستمر ليس بفعل قوته، ولكن بفعل الخلاف والفرقة بين المحكومين بالحديد والنار، وتقديم الثانوى على الأساسى.. فى اختلافنا رحمة بالفاسدين والقتلة.

الاثنين، ديسمبر 07، 2015

الوحل الأحمر !

هشام لاشين

لاأعرف ماذا حدث.. كل مااذكره هو صوت اقدام مدججة بأحذية تقرع طرقات الشارع الممتد في خطوات منتظمة بليدة حتي ظننتها دهرا .. كان ذلك في الصباح الباكر وسط أصوات قادمة من بعيد تبدو مثل التعليمات الصارمة التي لاتحتمل المناقشة .. وعلي الأسطح المجاورة لمباني قديمة صفراء شاحبة كانوا يختبئون خلف أطباق تتلصص علينا من كل مكان..الوجوه لاتكاد أن تراها بينما يعم السواد كل شيئ رغم الوقت المبكر وحرارة بدأت تلفح الوجوه..إنكسار الشمس علي أعمدة الجسر الحديدية كان يوحي بسخونة في وجهي وإحتقان في مفاصلي.. إستسلمت لترهاتي وشعرت ببعض الونس حين وجدت صهريجا بشريا يتفكك في الإتجاه المقابل ليصبح كتلا تشع تدفقا وتحدي.. الأجواء تلطفت  بنسيم قبل أن تعود السخونة في كل الجنبات.. الأن أتذكر أصوات قرعات طبول تشبه تلك التي كنا نراها في أفلامنا التاريخية القديمة..شعرت بقشعريرة وتهيجا في أحشائي بفعل حموضة كانت تأتيني من وقت لأخر ولم ينفع معها الزانتاك أو ذلك السائل المستورد الذي لاأذكر إسمه الأن..قرأت الفاتحة وأية الكرسي ثم إنطلقت .. كانت صرخاتي كفيلة بأن تهزم شيئا غامضا بداخلي يدغدغني مثل وسوسة الشياطين لأهدأ وأركن وأعود.. ثم صارت الصرخة صرخات تتفاعل في جو هستيري مشحون بالغضب علي كل الزمن الذي ضاع وأنا لاأفهم جوهر الحياة.. فحين تزيد الضوضاء ويعلو الراقصون والراقصات خشبة المسرح تتبعثر الأفكار.. قالها إحسان عبد القدوس.. لاأستطيع أن أفكر وأنا أرقص.. وقد رقصنا كثيرا ولم نستطع أن نفكر أو نتفهم لماذا جبل الناس علي كل هذا العصيان الأخلاقي والتشتت الذهني.. كان الرقص علي الشاشات شديد المهارة وكلما إزداد التصفيق وسخونة الصراخ كلما إحتدم التمايل وغاب الوعي أكثر.. الأن توقف الرقص في جنباتي ليجتاحني تأمل كشف لي عن مرارة مابعدها مرارة.. تزداد السخونة في وجهي وأندفع في لوم مسموع أكثر فأكثر.. لماذا أنتم هكذا ولماذا تتثاقل اصوات الاقدام وتغوص في الوحل الأحمر بكل هذه الجرأة والصفاقة واللامبالاة؟ رأسي يكاد ينفجر؟ ماهو سر الطاغوت وماهو حجم الصفاقة في  داخل قابيل حين واتته كل الجسارة ليقتل هابيل.بينما الأخير مستسلما في رومانسية يقينية تاركا أخوه يجهز عليه وهو مبتسما..ولماذا عجز عن مواراة سوءة أخيه؟ هل لأنه جبان بطبعه أم مجرم بالسليقة؟ أم عاجز عن أبسط مقومات الشرف والإنسانية.. حينئذ سقطت.. ربما من الإعياء فكرا.. أو إنصهارا من حرارة الجو ولهيب العويل.. لاأذكر.. المهم أنني وجدت نفسي أطير ولااري من يحملني.. الحشرجة تتهدج في بلعومي وأنا أطير قبل أن أستقر في مكان شديد البرودة.. بدأت روحي تهدأ ونفسي تعوم في أنهار من اللبن والعسل.. ولاأعرف حتي الأن هل أنا ميت أم حي.. لكن الشيئ الوحيد المؤكد أنني ولدت من جديد فقاتلي لازال مرعوبا من لحظة حساب قادمة لامحالة أما أنا فهادئ النفس مستقر البال واليقين يلفني من كل الجهات!!

لماذا تكرهوننا

 
اسامه منصورالصاوي
كان ذالك سؤال من زميلتي الحسناء في العمل فيرونا ونحن نجلس سويا في الطابق الثاني والثلاثون من برج ماو تسي تونج في نهار مشمس معلنا نهايات الصيف وبدايات ارهاصات الشتاء ومن عادة الموظفين في البلاد المتقدمه عدم الحديث اثناء العمل الافي مواضيع التي تخص العمل ولكن هال زميلتي وهالني ايضا تلك المشاهد المروعه لتلك الطائرات وهي تدخل في الابراج في الحادي عشر من سبتمبر جعلتني لااستطيع الكلام وجعلت زميلتي تنهال علي بملايين الاسئله  وانا لااستطيع ان اهديء من روعها ولاحتي اجابة اي اسؤال الاانني بعد اعتراف مجموعة من المسلمين بانهم المنفذيين لهذه الجريمه بدات استجمع قواي محاولا ان ارد علي تلك الاتهامات الملقاه علي الاسلام وعلي المسلمين الاان السؤال الصعب الذي لم استطع تمريره علي عقلي وتفكيري
لماذا تكرهوننا؟ لماذا تكرهوننا؟لماذاتكرهوننا؟
فوجدتني اقول وقد اضيق حلقي
نكرهكم لماذا     لماذا نكرهكم
نكرهكم
الاتعلمي ان المرحوم ابي كان يعمل سائقا لسياره ماركة بيجو مضي علي تصنيعها سنين طوال كنت اجلس  الي جواره وهوه يحكي لي عن مهارة الصانع الفرنسي وكيف لهذه السياره ان تتحمل مصاعب الطريق ومرتفعاته ومنخفضاته وامي التي كانت تحكي لي ان  ابي اشتري لها مكواه المانيه من بورسعيد في عقب تحويلها الي  منطقه حره كيف تتحمل كل السقطات من علي المنضده
وحتي اخي الذي لازال يحتفظ بقميصه الشارلي الايطالي وبنطاله الجينز الامريكي كل هذا مع تمنيات كل هؤلاء من ان يعيشو عيشة الرغد التي يعيشها الاوربيين والامريكان حتي كنا ونحن اطفال صغار نخرج الي الطريق العام ننتظرتلك الباصات التي تحمل السياح الاجانب زوي البشره الحمراء وهم عائدون من زيارة المناطق الاثريه في صان الحجربجوار بلدتنا حتي كبرنا وتفتحت اعيننا علي قراءة التاريخ الاوربي والامريكي وحلمت يوما برجل مثل واشنطن اوتشرشل اوايزن هاور اوديجول وكنا نتفحص سيرهم واخبارهم وحروبهم كيف خاضوها حتي انني اننكببت خمسة شهور في قصرثقافة بلدتنا علي كتاب وصف مصر لعلماء الحملة  الفرنسيه في كافة المجالات اتفحصه واقراءه وامني النفس ان يكون في بلادي علماء مثل علماؤكم وان اري التقدم الذي وصلتم اليه بعد الثورة الصناعيه وبعد الحرب العالميه كيف نهضتم وكونتم امما قويه اقتصاديه وثقافيه واجتماعيه وكنت احلم ان تساعدوننا في ننقل هذه التجربه الديمقراطيه العظيمه الي بلادنا لننعم بها
ولكن فيرونا قدرالله لي انااعمل في بلادكم وان اعيش فيها وانعم داخلها بتلك الخيرات وان اترقي في اعلي الدرجات حتي صرت معكي اعمل في احدي كبري الشركات العالميه في فرعها في هونج كونج  ولكن ماان فهمت بلادكم عرفت الحقيقة المره
انتم تاخذون منا ولاتعطوننا
وتاخذون احلي مافينا وتحمون حكامنا اسواء مافينا
صاحت في فيرونا بصوت عالي
لاافهم لاافهم
فقلت يازميلتي تلك هي المشكله
ان بلادكم صديقة لبلادنا اعزالصداقه تستوردون منا المواد الخام وتصدرون لنا ارديء البضايع وصبرنا
تستوردون منا الموادالخام تاخذونها بابخس الاثمان وتوردون لنابقاياها بابهظ الاثمان وصبرنا
تاتون لبلادنا من غير تاشيرة دخول ونريد ان ندخل بلادكم نظل اعوام نقف علي سفارة بلادكم وترفضون اعطاءنا تاشيرة دخول وصبرنا
تعطوننا كل يوم دروس في الديمقرطيه
في التعدديه
في حرية الراي والراي الاخر
في تداول السلطه والمساواه وفي العدل
وانتم اكبررعاة الاستبداد في بلادنا واكبرداعمين للحكام في بلادنا واكبرداعمي الحروب في بلادنا وايضاصبرنا
حتي بلغت الحلقوم واعتديتم علي العرض والدين فانفرط عقدالشباب ياخذ بثار من يعتقد انه دفاعا عن عرضه ودينه
فصرخت في وجهي وقالت انت تدافع عن من فعل ذالك ببلادنا
فقلت لها لا لا معاذ الله

 انا اوضح انكم بصنيعكم صنعتم من فعل هذا ببلادكم لاردعلي سؤالكي لماذا تكرهوننا؟

الأحد، ديسمبر 06، 2015

عسكر وحراميه وشعب

محمد منير
بجانب العاب طفولتنا الشعبية "السيجا والسبع طوبات وعنكب وبلتج" ، تميزت لعبة " عسكر وحراميه " ، وكلها ألعاب استمدت فكرتها وأدواتها من الواقع المحيط .
     ومن خلال لعبة " عسكر وحراميه " كانت المشاهد متشابهة وشبه متكررة حيث تجرى القرعة على طريقة " كلوا بامية " ليتم تحديد فريقين فريق حراميه وفريق عسكر ، وبعدها تبدأ الحراميه فى الاختباء ويبحث عنهم العسكر حتى يمسكوا بهم وتنتهى اللعبة ، ومتعة هذه اللع
بة كانت إما فى براعة الحراميه فى الاختفاء وحيرة العسكر وإما فى ذكاء العسكر وقدرتهم على ضبط الحراميه فى أسرع وقت ، وكان هذا هو الانطباع السائد فى ذلك الوقت عن العسكر أو الشرطة والذى عبرت عنه حتى الأعمال الفنية فى المسلسلات مثل " القط الأسود " ، و " هارب من الأيام " ، ومثل المسلسلات الأجنبية التى كانت منتشرة فى مصر آنذاك مثل حلقات " هتشكوك " ، وأقصد أن ما كان شائع عن العسكر أو الشرطة فى الوجدان الشعبى فى ذلك الوقت  هو أن أدواتهم الرئيسية فى حفظ الأمن والتعامل مع الآخرين هى البراعة فى التحرى وحل الالغاز بعيداً عن أى عنف .
 وما حدث فى إحدى المرات التى كنا نلعب فيها " عسكر وحرامية " أن قام أحد زملائنا فى فريق العسكر وكان اسمه وحيد  بضرب زميلنا الآخر فى معسكر الحراميه  ضربا مبرحا وهو يخرجه من  مخبأه حتى سالت دمائه  ، واسرعنا بتخليص زميلنا " فار " ( وكان هذا هو اسمه ) من يد وحيد وسألناه لماذا فعل هذا فأجاب ببساطة " بألعب صح ما هو الحرامى لازم ينضرب جامد " ، ويبدو أن تحولا مجتمعيا قد حدث فى هذه الفترة لم ندركه نحن فى لعبتنا وأدركه وحيد الذى أصبح فيما بعد ضابط شرطة .
الشاهد أن ثقافة العنف لا تمثل ثقافة منفصلة عن طبيعة الشعب المصرى بل أصبحت جزءا من تكوينه ومن منطقه فى تفسير شذوذ العنف ، فتجد كثيرا من المصريين يتقبلون فكرة تعذيب مواطن حتى الموت بمجرد أن يعلموا انه تاجر مخدرات أو سارق أو منحرف بأى صورة ، وكأن التعذيب والموت هما العقوبة الوحيدة لمواجهة أى نوع من الانحراف .
والحقيقة أن المصريين لم يدركوا أن الأدوات تنتقل بحرفيتها مع حاملها لو تغير دوره وهدفه ، ومع تغير شعار الشرطة من " الشرطة فى خدمة الشعب " الى شعار " الشرطة فى خدمة القانون " ومع تغير الطبيعة الطبقية للشعب المصرى وانقسامه الى سادة أثرياء وعبيد فقراء أصبح الهدف الرئيسى للدولة هو توفير الحماية للأغنياء من تطلعات ومحاولات الفقراء الحصول على حقوقهم ، وبالتالى تحول القانون الى أداة فى يد الدولة لتنفيذ سياستها وهو ماترتب عليه تحول دور الشرطة التى تخدم القانون من حماية الشعب من المنحرفين الى حماية الأغنياء والسلطة من المعارضين لهم من الشعب ، وتم ذلك بالطبع بنفس أدوات العنف والتعذيب والقتل فشهدت الأقسام والسجون والشوارع مئات من حوادث العنف السلطوى ضد المعارضين للنظام وللطبقات المهيمنة .

توقع البعض بعد الانتفاضة المصرية فى 2011 أن يرتدع رجال الشرطة ويتوقفوا عن التعذيب ويطوروا أدواتهم ويعودوا لدورهم فى خدمة الشعب ،وربما حدث هذا فى فترة زمنية قليلة بعد 2011 وكان بمثابة هدنة أوالتقاط  انفاس وبعدها عادت الشرطة الى عادتها القديمة من تعذيب وسحل وقتل المعارضين ، ولا عجب فالإنتفاضة الشعبية فى 2011 ربما لقنت الشرطة درسا ولكنها أبقت عليها دون أن تدرك انه مهما كانت قوة هذا الدرس فإن هذا الجهاز الشرطى لن يتخلى عن أدواته وأهدافه التى نشأ من أجلها ، وأن الحل الوحيد أن يكون التغيير جذرى وليس قشرى .. ياترى المعنى وصل ؟ 

السبت، نوفمبر 28، 2015

المماليك


محمد منير
قدر عسكر المماليك أن يحملوا مصير "سيزيف"، فما أن يصعدوا بالصخرة أعلى الجبل حتى يسقطوا بحملهم الى أسفل ليبدأوا الرحلة من البداية.

والأزمة القدرية للمماليك لا تنبع من مصدر خارجى، فهى نتاج ذاتى تنطلق من بينهم لتستهدفهم فهم يـتأمرون مجتمعين وينافقون ويكذبون ويحرقون وينهبون، وما أن يصعدوا ويستقروا حتى ينقلبوا على بعض ويبدأوا رحلة الانهيار. وهكذا تظل أزمتهم مابين الصعود والهبوط.

وللأسف مأساة المماليك لا تقف عند حدودهم فتمتد نيرانها وآثارها المدمرة فى الصعود والهبوط لتدمر وتسحق شعوب سلمت مصيرها للمماليك بفعل الانسحاق والدونية والجهل وربما بفعل الإرث التاريخى المنهار، وتمتد مأساة المماليك لتحرق شعوب وضعت مصيرها بين أياديهم.

جلب السلطان قلاوون المماليك ليكونوا له جندا وسلاحا فتاكا يحميه من منافسيه على السلطة. ومنذ بداية الاستعانة بالمماليك وعوامل المؤامرة تسرى بينهم فقد بدا المماليك منذ نشأتهم منقسمين فيما بينهم بسبب تفضيل السلطان لفصيل منهم على حساب فصيل آخر، وأقصد تفضيله للمماليك الشراكسة على حساب المماليك الأتراك، وهو ما جعل المؤامرة جزءاً من تكوينهم.

وتمر الأزمنة وبعد مائة عام يصعد أحد المماليك المقربين من السلطان إلى منصب "أتابك العسكر"، ويستغل فرصة الشيخوخة التى دبت فى الجسد الواهى للدولة وصغر سن وريث السلطان وضعفه ويستولى أتابك العسكر "برقوق" على الحكم ويكون أول المماليك الذين يصعدون لحكم الشعب المصرى والذى بارك صعوده منشداً الاستقرار والآمان، والذى لم يتحقق بشكله المثالى منذ ذلك التاريخ. ويظل المماليك فى صعود وهبوط على كرسى الحكم وتتحدد معاركهم على حكم الشعب المصرى بطبيعية المؤامرات بينهم، بينما المصريون يقفون فى موقع المشاهد، وأكثر مواقفهم الإيجابية لم تتعد التأييد والمباركة والتى وصلت فى أعلى مستوياتها فى عهد المملوك محمد على بعد أن ذاق المصريون طعم الجهاد ضد الفرنجة "الفرنسيين" ليطردوهم ويسلموا البلاد مرة أخرى للماليك!

ويحكم محمد على بنفس روح المؤامرة ويتخلص من منافسيه من المماليك، وبعدها من أصحاب الفضل عليه من القيادات الشعبية ليبدأ بعد وصوله الى نقطة القمة فى بدء رحلة الانهيار بفعل لعنة "سيزيف الأبدية " التى تلاحق المماليك، فتنقلب عليه مؤامرات القوى الدولية الاستعمارية الصاعدة مدعومة ببقايا مؤامرات المماليك السابقين. وينحصر حكم أسرة محمد على فى دائرة مغلقة تابعة للقوى الاستعمارية الجديدة.

 والشاهد أن الروح والمحدد الأول فى كل هذه الصراعات كان المؤامرة بين قيادات العسكر بينما لا وجود لأى أثر أو اعتبار للشعب، ولهذا فلا عجب أنه بعد انهيار المشروع الاستعمارى بعد الحرب العالمية الثانية وتحرر الدول المستعمرة، أن تظل ثقافة الحكم فى مصر تحت تأثير ثقافة المؤامرات المملوكية والانسحاق تحت أقدام حكم العسكر من أجل الحد الأدنى من الأمن والآمان.


ففى بلادنا لايوجد أى تراكم لثقافة الحكم الشعبى، وتتواتر حكومات وأنظمة العسكر المستمدة فلسفتها من حكم المماليك وتحمل معها أيضا مأساة المماليك التى تنعكس فى مؤامرات الصعود للحكم  لتبدأ بعدها رحلة الهبوط ، فيهبط مملوك ويصعد آخر ويخوض نفس الرحلة الحكم الملعونة التى تدمر المصريين فى صعودها وهبوطها ولتذكرهم دوما بذنبهم الأزلى الذى حملوه منذ أن قرروا الجلوس فى موقع المشاهد لمعارك  المتنافسين على حكمهم.  وما أبشع أن تكون مملوكاً لمملوك، إنها مأساة المصريين.

السبت، أكتوبر 24، 2015

العقلاء وورثة الأغبياء


محمد منير
انتهت الجولة الأولى من المرحلة الأولى من انتخابات البرلمان المصرى 2015 على مشهد عزوف شديد من الناخبين عن الإدلاء بأصواتهم فى هذه الإنتخابات التى تعد بمثابة مسرحية رديئة الإخراج تشارك فيها مصر فى المهرجان العالمى للديمقراطية.
العازفون ليسوا سواء، فأبناء الشعب منهم مدفوعون باليأس وعدم الثقة وعدم الاقتناع واستسخاف بالنص المسرحى والاخراج والممثلين، أما عزوف قطاع من النخبة فسببه احتجاجهم على عدم إشراكهم فى هذه المسخرة السياسية وتجاهلهم، والجوهران يختلفان بالطبع.
تتداول مواقع التواصل الإجتماعى خبرا منسوباً لأحد المصادر رفيعة المستوى فى مؤسسة الرئاسة حول تلقى الرئيس عبد الفتاح السيسى تقريرا مطولاً حذر من تزايد درجة الغضب بين دوائر سياسية عديدة شاركت في تحالف 30 يونيو الذى أطاح بحكم جماعة الإخوان وفتح الباب أمام وصول السيسى إلى مقعد الرئاسة.
وأشار المصدر الرئاسى رفيع المستوى إلى وجود تيارات داخل معسكر 30 يونيو، تشمل من ساهم فى تمويل التحركات السياسية، التى مهدت للإطاحة بحكم جماعة الإخوان، ويرى أنه يستحق المشاركة فى صناعة القرار لأنه قام بمقامرة كبيرة. وهناك تيار الشباب الذى وجد على الأرض وتقدم الصفوف ويشعر اليوم أنه تم التغرير به، وبصرف النظر عن تشكيك البعض فى مواقع التواصل الاجتماعى كمصدر موثوق فيه للمعلومات، إلا أن التقرير يحمل صفة المنطقية لأنه يعكس حالة موجودة بالفعل لا يستطيع أحد اغفالها.
الغالبية من النخبة ومنهم المعارضون لسياسة الدولة يتعاملون دائما بقانون الالتزام بالحركة تحت مظلة الدولة، وإن شرعيتهم وشرعية وجودهم إنما هى محددة بسقف أزلى يرتفع وينخفض طبقا لمحددات النظام، وإذا عزفوا عن المشاركة فى أى فاعليات للنظام فإن جوهر اختلافهم ومحتواه يختلفان عن جوهر ومحتوى اختلاف البسطاء من الشعب، وعزوف هؤلاء عن المشاركة فى انتخابات البرلمان إنما هو نوع من الاحتجاج على عدم إشراكهم فى المسرحية وتفضيل ممثلين آخرين عليهم، وهو نوع من الاحتجاج الذى يحمل مرارة العبد الذى قدم الكثير لسيده ولم يوف الثمن.

بعض المتمنطقين يتساءلون "لماذا لاتعمل النخبة المعارضة لحسابها وتخرج من دائرة العمل لحساب السلطة إلى عالم المنافسة معها ؟"
الحقيقة أن النخبة المعارضة تعمل طبقا لقاعدة ورثتها عن السابقين وهى "هذا ما وجدنا عليه أباءنا "، وأصبح لديهم قيم وقواعد ثابته تلزمهم بالعمل تحت مظلة النظام. أما السلف الطالح فربما له أسبابه الذى جعلته يسن هذه السنة، ربما تعرض لضغوط أو قهر أو مغريات ألزمته بالخضوع لمظلة الأنظمة ووضع مبررات وقوانين لهذا الخضوع تحول بفعل الزمن لقوانين التزم بها شر خلف لأسوأ سلف، وهذا كله يتلخص فى كلمة واحدة هى " القطيع".
ولتوضيح كلمة القطيع أو معناها استرشد بتجربة القرود الخمسة، ومفادها أن علماء أحضروا خمسة قرود ووضعوهم فى قفص به صندوق معلق فوقه ثمر موز، فكان إن قفز قرد وأحضر الموز يقوم العلماء برش الأربعة قرود بماء بارد، وعندما كان أى قرد يكرر التصرف كان العلماء يرشون القرود الباقية بالماء البارد، حتى ربطت القرود بين الحصول على الموز والعقوبة، فبدأوا يضربون أى قرد يحاول الحصول على الموز، فقام العلماء بسحب قرد من الخمسة قرود ووضع قرد آخر لم يعاصر الأحداث وعندما حاول إحضار الموز ضربه الأربعة قرود فأذعن لرغبتهم، وعندما أدخل العلماء قرداً جديداً وكرر نفس التصرف ضربته القرود الأربعة واشترك معهم فى الضرب القرد الذى أذعن دون أن يعرف السبب وراء ذلك، ولما تم استبدال القرود كلها تباعا بقرود لم تعاصر تجربة رش الماء البارد، ظلت القرود الجديدة على سلوك ضرب أى قرد يحاول إحضار الموز دون معرفة سبب هذا السلوك العدوانى!

هذا هو الفرق بين من يعمل عقله وبين من يسير وراء قيم القطيع