نشرة الاخبار

الثلاثاء، نوفمبر 29، 2016

الوطنية الكاذبة وحروب السيوف الخشبية



تم نشره على موقع الجزيرة نت فى 28 نوفمبر 2016

محمد منير
الديماجوجية هى أسلوب للاستحواذ على قناعة الآخرين من خلال استنفار مخاوفهم وهواجسهم، وأدواتها التقليدية والمستدامة هى كل ما يتيح استثارة مشاعر المواطنين ومخاوفهم وقلقهم سواء كانت هذه الأدوات تتعلق بالخطاب أو الحماسة أو بالدعاية المستندة على المبالغة فى النعرات القومية والفلكلورية.
هذا تماما ما يحيط بالمشهد السياسى فى مصر والذى يقوده نظام يحترف عملية النصب الديماجوجى على شعبه، من خلال خلق معارك وهمية خيالية وتمثيلية يجذب حولها المشاعر والأحاسيس الوطنية، ويستنفر كل حواس المواطنين ليستحوذ عليها، ويوجهها بعيدًا عن كل المشكلات الحقيقية المحيطة بهم، والناجمة عن استغلال النظام الحاكم وعزوفة عن تطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية، وانحيازه إلى الفئات المستظلة بمظلة الفساد والاستغلال والقمع.
المجتمع المصرى محاط بمشكلات اقتصادية مبالغ فيها، حيث زاد معدل الفقر زيادة مبالغ فيها، وانتشر المرض، وارتفعت تكاليف العلاج، وانتشر الجهل والأامية فى جانب واحد، وهو الفريق الذى يضم الطبقات الشعبية التى تعيش بعيدا عن دوائر السلطة والإعلام والمال، وفى الوقت الذى تتسع فيه دائرة الفقر وتزداد جيوش الفقراء، تتسع بشكل مبالغ فيه دائرة الثراء الفاحش وتنحصر فى دائرة ضيقة تحتوى على فريق رجال المال والاستثمار الوهمى والفساد والإعلام الموجه والسلطة بكل أنواعها، ولكى يضمن المستغلون استمرارهم فى احتكار مصادر الثراء من دماء وعرق الفريق الأول لابد من ضمان تخدير كل مواطن السخط والتمرد والرفض لهذا الوضع المختل، وهذا لا يكون إلا بعمليتى سلب وتوليد.
 سلب كل القيم الإنسانية التى تقف إلى جانب العدل والمساواة والرحمة والتمرد على الظلم والثورة، ولهذا تتجه الرموز المفروضة على الإعلام والمعبرة عن فريق الاستغلال إلى الاستهزاء والتسخيف من كل ما يحمل فكرا أو أيدولوجية أو قيما إنسانية جماعية أو نقابية، وهذا ما يفسر الانقضاض المنظم على النقابات المهنية فى مصر، وفى مقدمتها نقابتى الصحفيين والأطباء، بعد تدمير النقابات العمالية، وحجب الموضوعات الجادة من الظهور الإعلامى سواء بالنشر أو البث الفضائى، والانقضاض على المواهب المتميزة فى مجال الثقافة والأدب والعلم والإعلاء من أصحاب الإمكانيات الرديئة، وإبرازهم فى وسائل الإعلام.
ثم تأتى مرحلة التوليد بخلق مناخ تطلعى للشباب من خلال الإعلام الذى يركز على عوالم الأثرياء وجنات النعيم التى يعيشون فيها والموائد الفاخرة وعروض الأزياء وكل مظاهر الترف والأبهة، وربطها بالقيم العملية بهدف تحقيق حلم الثراء السريع، وتوليد قيم وطنية وهمية تستنفر مشاعر المواطنين وأحداث مصطنعة لجذب عواطف أصحاب المعاناة فى الفريق الأول، وتحويل سخطهم وآلامهم وتمردهم إلى حالة ثانوية بجانب المخاطر "المصطنعة" التى تحيط بالوطن.. فتجد الصحف تنفرد مناشيتاتها بعبارات وطنية دفاعا عن جيش مصر ضد فيلم وثائقى يكشف فساد المؤسسة العسكرية، فى حين يسقط الجنود شهداء بالعشرات فى سيناء دون أن تتناول الصحف والوسائل الإعلامية أسباب هذه المأساة التى لايدفع ثمنها إلا الجنود البسطاء .. انهيار اقتصادى غير خفى وانهيار صحى وارتفاع فى الأسعار واختلالات أمنية وفوضى فى حين ينتفض الإعلام ضد الشعارات الوهمية حول الوحدة الوطنية من أجل درء مخاطر وهمية على الوطن ومؤامرات دولية غير معلومة المصدر!!

وهذه الحالة من النظام الديماجوجى، والذى يتخذ من الوطن والوطنية راية يستتر بها أثناء تجريفه لخيرات الوطن تستلزم التخلص من المثقفين والنخب الواعية لمؤامراتها بتشوهيهم أو حصارهم وكما قال جوزيف جوبلز وزير الدعاية السياسية فى حكومة هتلر وأبرع ديماجوجى فى العصر الحديث "كلما سمعت كلمة مثقف أو ثقافة تحسست مسدسي"، وكانت نهايته ونهاية قائده النازى "هتلر" الموت منتحرين، فإرادة الشعوب لا تهزمها الديماجوجية والمشاعر الوطنية خالية المحتوى.

الاثنين، نوفمبر 21، 2016

من التطور الانثروبولوجى للصحافة



رئيس التحرير التنفيذى 


على رأس هيكل الصفات الوظيفية فى الصحافة ، وظيفة رئيس التحرير ومهامة الاشراف على كل تفاصيل هيئة  التحرير وتنفيذ السياسة العامة للجريدة والسياسة الصحفية فقط، وهو صاحب القرار التنفيذي بشأن المادة الصحفية والعمل اليومي.
وفى السنوات القليلة الماضية ومع اقتحام رجال الأعمال المصريين  ، بطبائعهم وصفاتهم الفاسدة ، مجال الصحافة بإعتبارها هيئة داعمة لاستثماراتهم  و مهمة للتمكين والإحتكار ، ظهرت وظيفة رئيس التحرير التنفيذى وهى وظيفة ما بين رئيس التحرير ومدير التحرير .
 وفى معظم الصحف الخاصة ( إلا من رحم ربى ) يتم اختيار اصحاب هذه الوظيفة من الشخصيات التى لها صفات خاصة تمكنها من تنفيذ مقتضيات هذه الوظيفة الجديدة والتى هى شبيهة بمهام الماشطة والبلانة غير الشرعية والتى تكشط الداعرة وتهيئها  ليلا لكى تبسط الزبائن وتعود بالربح الأوفر على القواد الأكبر المستثمر فى المنظومة  ، وفى النهار تخرج لتتحدث فى الفضائيات عن الشرف والمهنية والكفاءة والوطنية .

الجمعة، نوفمبر 18، 2016

الحكاية الأولى : ابن العباس



سلسلة حكايات أيامنا 

محمد منير 

                       
فى كل طابونة أو مغلأ أو جرن أو طاحونة عيل بيض بيبقى ابن صاحب المكان مؤهلاته الأساسية انه ابن صاحب المحل والرزالة والبضينه ، وغالبا مايتقى العاملون فى المكان شره إما بالابتعاد عنه أو أخذه فى المخزن الخلفى واغتصابة لكسر عينه .
لكن الحكاية فى محلنا اختلفت قليلا فالعيل الرزل لم يكن ابن صاحب المحل كان لقيطاً واستقضاه المعلم تعلب من طابونة صغيرة جنبنا كان شغال فيها تباع ، لما المعلم تعلب شاف فى الواد حركنة ونشاط وحبة مرقعة مسكه مشرف على المكان ، ولم تمض عدة اسابيع حتى اكتشف التعلب ان الزبون حمار ومالوش ف الشغلانة قام كرشه بالشالوط .
المرقوع خرج من هنا وجرى قعد على حجر العباس فتوة العزبة وصاحب الكلمة الآمرة الناهية على البيسى عمدة البلد ، والواد لأنه حليوه وصاحب تفاحتين على الخدين حلى فى عين العباس واتبناه ، وفى يوم قاعد العباس مع الحيلة اللى اتبناه قعدة ميزاج فقاله اتمنى عليا ياوله ، الواد ماكدبش خبر وقاله انه عايز يشتغل رئيس المحل بتاعنا عند التعلب عشان ينتقم منه ، العباس ماكدبش خبر وسحب الواد ودخل المحل دخلة بلطجى رعبت التعلب اللى انحنى عند رجلين العباس وصرخ اؤمر يا سيد المعلمين .. العباس قال انا عايز الواد ابنى يبقى الكل فى الكل هنا ،  رد التعلب اؤامرك يابو المعلمين ، ومن يومها وابن العباس شغال لعب فى المحل يجيى 3 ايام فى الاسبوع يقعد 3 ساعات يرازى فى ده ويشتم ده ويتعلوق على ده ويؤمر التعلب انه يخصم من الواد ده وينقل الواد ده والتعلب ينفذ فورا خشية ان يشتكى ابن العباس للعباس ، لحد ما شيطان ابن العباس لعب فى دماغه ووزه يلعب مع القطر اللى اول ما ابن العباس اتمرقع معاه قام شيطه شلوط فى طيزه وقلم على قفاه ، خدها ابن العباس فى جنبه وجرى على التعلب يحلف عليه اغلظ الايمانات انه لو ما فصلش القطر حيشتكى للعباس ، التعلب مصالحه كتير مع العباس بص للقطر وقاله قدر موقفى .. القطر ضحك وقاله الطابونة بتاعتك متلزمنيش الطابونة اللى على اول الإمة فيها معلم مسيطر وما بيخافش من العباس ، وضحك القطر وقال للتعلب بس خد بالك لا الواد يعملك سلسلة مفاتيح ويتعايق بيك ع الناصية هههه هأواو .. والى حلقة جديدة .

الثلاثاء، نوفمبر 15، 2016

الشعب يريد إسقاط النظام - تغيير لا احتجاج

الشعب يريد إسقاط النظام 

محمد منير

 مضى يوم الفزّاعة الوهمية.. مضى يوم 11/11 الذى لم يتوقع له أى مواطن اختلافا عن أى يوم آخر.. هو شبيه بهذه الأيام التى يتحدث عنها المنجمون باعتبارها أيام نهاية الدنيا، تلفت نظر البعض واهتمامهم وربما حواراتهم وتمضى وينساها الناس.
المنجمون يهدفون بالنبؤات الدعاية لأنفسهم، ولكن ماذا أراد المروجون لـ11/ 11؟ لا أريد التوقف كثيرا هنا، فهم ببساطة أرادوا خلق حالة استنفارية وفزاعة لتمهيد المناخ لاستقبال القرارات الاقتصادية المجحفة والتى انهارت بالجنيه المصرى، ورفعت أسعار الوقود والسلع الأساسية، وكلها شروط للبنك الدولى للموافقة على منح النظام المصرى قرضا كبيرا يضاف للقروض المقيدة للسيادة المصرية ووضعها فى مصاف الدول المحتلة، وبالطبع ستذهب هذه القروض حيث ذهبت القروض السابقة، وربما يذهب النظام إلى الجحيم وتبقى مصر المديونة مثلما حدث فى بداية القرن التاسع عشر، وانتهى بالاحتلال البريطانى وهيمنة الأجانب.
وبدا الشعب كمن التقم الطعم الذى ألقاه جهاز إعلامى ساذج، وامتنعوا عن النزول للاحتجاج على القرارات الاقتصادية المجحفة، والحقيقة أن الشعب كان مدركا منذ البداية أن الترويج لـ11/11 والترويج للمواجهة الشديدة له هو بمثابة خلق حالة وهمية تفزع أى شخص وتبعده عن التفكير فى تنظيم أى فعاليات احتجاجية ضد القرارات الاقتصادية، وكان الشعب أيضا متأكدا أن الحكومة والنظام بوضعهما الحالى مهما كان بطشهما لا يستطيعان مواجهة أى فعاليات احتجاجية فى الشارع المحتقن، ورغم ذلك بدا الشعب وكأنه التقم الطعم ولم ينظم أى فعالية احتجاجية ضد القرارات الاقتصادية المجحفة وضد الوضع المتردى والفساد.. لماذا؟ الأمر ببساطة أن الوجدان الشعبى أدرك بفطرة جماعية أن الحالة المزرية التى يمر بها الوطن تجاوزت مرحلة الاحتجاجات وتجاوزت هدف الحصول على مكاسب جزئية، أدرك الشعب أن أى فعاليات لابد أن تستهدف إسقاط النظام وتغيير الخريطة الاقتصادية والطبقية للوطن، وهذا أمر يستلزم جاهزية مختلفة عن ما تحتاجه الحركات الاحتجاجية، ولهذا لم يهتم الشعب بتنظيم أى فعاليات احتجاجية على القرارات الاقتصادية ولم يتجاوب مع دعوة 11/11 وتوهم النظام أن الشعب التقم الطعم، والحقيقة أن النظام أوقع نفسه فى مأزق الكبير عندما أكمل حلقة الحتمية الثورية والتغيير بالقرارات الاقتصادية الأخيرة، وأصبحت الثورة وتغيير النظام فرض عين على الشعب يجب أن يستعد له سياسيًّا ومعنويًّا وماديًّا .. وهذا هو الموضوع ومربط الفرس وليس 11/11 .
كيف نستعد لخوض الثورة الحتمية وإحداث حركة تغيير جذرية وإسقاط النظام؟مشروع ثورة 25 يناير 2011 سبقه تمهيدات طويلة شكلت الظرف الموضوعى وهو استكمال حلقة حتمية تغيير النظام بتفشى الفساد والقمع والانهيار الاقتصادى والاجتماعى، وشكلت الظرف الذاتى لطلائع التغيير أو النخبة التى أدارت حوارات وتحالفات وحدتها كقوة واحدة قادت حركة التغيير، وبدأ مشروع الثورة ولكنه لم يكتمل لطبيعة النخبة التى قادت الثورة حيث كانت نشأتها عبر 30 عاماً فى مناخ سياسى أصابها بالتشوه، وهو ما جعلها فريسة سهلة لمناورات الدولة العميقة التى انقضت على مشروع الثورة وأطاحت به.
الوضع الحالى يؤكد اكتمال الظرف الموضوعى للتغيير، وذلك باكتمال حلقة الفساد والمحسوبية وازدياد ثروات رجال الأعمال وازدياد الفقراء فقرا، وعودة القمع الأمنى وانهيار الاقتصاد، ولكن الظرف الذاتى لقوى التغيير مازال ناقصا، فقوى قيادة الفئات والطبقات أصحاب المصلحة فى التغيير متشرذمة منفصلة عن بعض لا تعرف تشكيلات واضحة تدير من خلالها أى حوار، وإن كانت تحمل داخلها تطورًا إيجابيًّا فى أنها اكتسبت مناعة ضد التشوهات التى أصابت نخبة قيادة 25 يناير 2011 فهى نخبة جديدة تحصنت بفعل ما أصاب نخبة ثورة يناير، كما أنها مازالت تملك تراكمات الحركات الجماهيرية خلال الفترة المباركية والتى لم تُستهلك بعد ثورة 2011 .
مهمة واحدة الآن منوطة بها قيادة حركة التغيير، وهى تجميع شظاياها وخلاياها فى أشكال واضحة وإدارة أكبر قدر ممكن من الحوارات المجتمعية لتشكيل جبهة تحرير واضحة تعبر عن هموم الوطن، وتقود حركة التغيير وإسقاط النظام.
كل الديمقراطية للشعب، كل التفانى للوطن.

الأربعاء، سبتمبر 28، 2016

وفى اختلاف المظلومين رحمة للظالمين (2)



محمد منير
فى المقال السابق تناولت الواقع المعاكس للمنطق فى مصر، وكيف وأن المظلومين والمقهورين يقدمون خلافاتهم فيما بينهم على الخلافات مع المستبد والظالم والناهب، وهى الحالة التى تشكل سياجا من الأمن والأمان لكل ظالم ومستبد، وقدمت نماذج لأدلة تاريخية على هذه الحالة خلال فترات تاريخية منذ بداية القرن الماضى حتى فترة حكم حسنى مبارك .

وفى النصف الثانى من الحقبة المباركية، زادت حدة المعارضة فى الشارع المصرى بفعل ضغط الشارع الذى عانى ويلات الفساد والاستغلال والانهيار الاقتصادى الذى لم تطل آثاره سوى الفقراء، بالإضافة إلى الانهيار الصحى والثقافى.. ورغم ذلك سبقت الخلافات بين نخب المعارضة وبعضها الخلافات مع النظام، وأصبحت مصالح الفقراء وهمومهم أدوات لا يدار بها الخلاف مع النظام بقدر ما تستخدم كذرائع وتبريرات للخلافات بين المعارضة، والتى وصلت إلى حد نفي كل منهم للآخر، والتحالف مع النظام الفاسد لتحقيق انتصار على الفرق الأخرى!! .
وعلى سبيل المثال لا الحصر، الخلاف بين بعض فرق اليسار بسبب تقسيمه إلى يسار ينتمى للمعارضة الشرعية، وتزعمها آنذاك حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدى، ويسار معارض غير شرعى، وفى مقدمته بعض الاتجاهات الشيوعية، ووصل حد الخلاف إلى أن اليسار الشرعى كان يتولى عن السلطة مهمة الهجوم على كل تحركات اليسار غير السلطوي (أو غير الشرعى من وجهة نظرة)، والتى وصلت إلى حد المساهمة فى إجهاض أنشطته الجماهيرية فى الشارع وأى فعاليات يقومون بها، وحصارهم على المستوى العام والخاص، بل وصل أحيانا إلى حد الوشاية بهم عند السلطة. وظهرت هذه الحالة العدائية بوضوح ضد الاتجاهات اليسارية الشبابية التى كانت تحاول جاهدة تعديل المسار، وتوجيه الصراع إلى صراع مع النظام الفاسد، والتعبير عن هموم الفقراء والمقهورين، ولم تقف هذه الحالة عند اليسار فقط، بل امتدت إلى بعض الأحزاب اليمينية والليبرالية، ولعل أبرزها الخلاف الذى حدث فى حزب الوفد، وأسفر عن اشتباكات مسلحة بين أعضائه وحرق مقر الحزب.
كما أن الاتجاهات السياسية ذات الصبغة الدينية لم تكن بعيدة عن هذه الحالة، رغم التماسك النسبى فى تشكيلاتها، وكان أوضحها الخلاف بين جماعة الإخوان وبعض الجماعات الإسلامية الأخرى، والتى كانت جماعة الإخوان ترى فيها نوعًا من التطرف والمبالغة والمغالاة فى مشهد مشابه للخلاف بين اليسار الشرعى التجمعى واليسار الرديكالى الشيوعى .

أما فى الإطار العام فاتسعت هوة الخلاف بشكل مبالغ فيه بين المعارضة المدنية والمعارضة ذات المرجعية الدينية، وبلغت حالة العدائية بينهما إلى حد استخدام العلاقات مع السلطة فى الصراع، وهو ما دفع الجوانب ذات الملمح المتوازن من كل الاتجاهات إلى محاولة التقرب من السلطة. وأتذكر أنه فى كثير من الفعاليات التى كانت تنظم لمواجهة قرار اقتصادى ظالم أو قرار ضد الحريات، كان تأثير هذه الفعاليات ينهار بسبب الخلافات بين قوى المعارضة على رفع شعاراتها الخاصة، وينتهى الأمر بمرور قرارات النظام الفساد من بين الخلافات بين المعارضة.
ووصل الخلاف بين المعارضة إلى حد التنظير للعداء بينهم، والذى وصل بأحد قيادات اليسار الرسمى إلى تبرير التحالف مع السلطة وتقديم الخلاف مع الاتجاهات ذات المرجعية الدينية بمبرر أن الأول سارق، والثانى قاتل، والتحالف مع السارق ضد القاتل أمر مشروع!!!

ما علينا.. امتدت هذه الحالة إلى ما بعد الهبة الثورية عام 2011، والتى قادها الشعب لعدة أيام متجاوزًا كل القيادات النخبوية، وعندما استقر الأمر، وبدأت التشكيلات السياسية السابقة فى محاولة اللحاق بركاب الثورة أو القفز عليه، انتقلت هذه الأمراض برمتها إلى الدائرة الثورية، فأصابتها بعطب وعطل أعاد النظام السابق إلى مركزه، وألحق الضرر الشديد بالشعب الآمل فى الثورة، والذى دفع الثمن حياة ودماء الآلاف من الحالمين بالحرية، والذين ذبحوا بفعل الخلاف فيما بينهم .

بعد تنحى مبارك مباشرة، بدأت خطة الدولة العميقة لتدمير الحالة الثورية، وتحول ميدان التحرير الذى كان ساحة للتوحد الشعبى إلى ساحة للصراع بين الاتجاهات المختلفة، سواء بفعل الموروث السابق، أو بفعل مظاهر الصراع والفرقة الجديدة التى بثتها أجهزة الدولة العميقة من تقسيم الثورة إلى فئات عمرية، وخلق صراع بين جيل الشباب والأجيال الأخرى. وفى هذه الفترة شهد ميدان التحرير حالة من العشوائية والغوغائية، وتعرض الكثير من الرموز السياسية من كل الاتجاهات إلى الطرد والإهانة، بينما كان عملاء الدولة العميقة منتشرين فى الشارع، بحجة دعم الثورة والمشاركة فيها، وفى الواقع كانوا يبثون كل دوافع الخلاف والوقيعة والفرقة، وأتذكر أحد القيادات الصحفية وثيقة الصالة بأقوى الأجهزة الأمنية فى مصر لم يترك مقاهى الميدان ووسط البلد للحظة، وظل يلتقى مع الشباب، ويحرضهم على رفض كل الاتجاهات السياسية وزيادة الفعاليات فى الشارع من أجل الثأر للشهداء، وتأجيل أى مطالب سياسية من المجلس العسكرى، الذى كان يدير المرحلة، لبعد الثأر!
وكان هذا الشخص واحدًا من أهم المتسببين فى الشكل المرتبك فى أحداث محمد محمود وماسبيرو، والتى راح ضحيتها عشرات من الشباب، ونجحت خطة الدولة العميقة، وقسمت الشارع إلى فرق متناحرة تختلف فيما بينها على الموقف من القتل والغشم مقابل غض النظر عن القاتل الحقيقى، والذى زاد بطشه وعنفه بشكل مبالغ فيه فى هذه الفترة .

وبحركة مناورة شديدة المرونة، لعبت أجهزة الدولة العميقة بالأحداث، مستخدمة حالة الخلل بين الفرق المتناحرة، واستولت على السلطة تحت غطاء شعبى مخدوع بفعل الخوف من الفوضى والحرب الأهلية التى لوحت بها الدولة العميقة، ونجحت فى إيهام الشعب بإمكانية حدوثها، واستولى العسكر على الحكم بإجراءات دموية ذات ديكور شعبى، فى رابعة والنهضة، وهى الدموية التى امتدت من محمد محمود والتحرير وماسبيرو إلى رابعة والنهضة. واستمرت سياسة تكسير رموز المعارضة برموز المعارضة بمعنى ضرب المعارضة بالمعارضة لتخرج السلطة الغاشمة الباطشة الفاسدة سالمة .

العجيب أن الشعب الذى يدفع الثمن الآن، يقف وسط ساحة محاطة بالفقر والجوع والمرض وانهيار الأمل، ويناقش الخلافات حول المذابح، ويكيل الاتهامات بعضه لبعض، ويغض النظر بشكل كامل عن مواجهة الفاعل والقاتل والناهب والمستبد..

ولهذا فالنظام الفاسد مستمر ليس بفعل قوته، ولكن بفعل الخلاف والفرقة بين المحكومين بالحديد والنار، وتقديم الثانوى على الأساسى.. فى اختلافنا رحمة بالفاسدين والقتلة.

الاثنين، ديسمبر 07، 2015

الوحل الأحمر !

هشام لاشين

لاأعرف ماذا حدث.. كل مااذكره هو صوت اقدام مدججة بأحذية تقرع طرقات الشارع الممتد في خطوات منتظمة بليدة حتي ظننتها دهرا .. كان ذلك في الصباح الباكر وسط أصوات قادمة من بعيد تبدو مثل التعليمات الصارمة التي لاتحتمل المناقشة .. وعلي الأسطح المجاورة لمباني قديمة صفراء شاحبة كانوا يختبئون خلف أطباق تتلصص علينا من كل مكان..الوجوه لاتكاد أن تراها بينما يعم السواد كل شيئ رغم الوقت المبكر وحرارة بدأت تلفح الوجوه..إنكسار الشمس علي أعمدة الجسر الحديدية كان يوحي بسخونة في وجهي وإحتقان في مفاصلي.. إستسلمت لترهاتي وشعرت ببعض الونس حين وجدت صهريجا بشريا يتفكك في الإتجاه المقابل ليصبح كتلا تشع تدفقا وتحدي.. الأجواء تلطفت  بنسيم قبل أن تعود السخونة في كل الجنبات.. الأن أتذكر أصوات قرعات طبول تشبه تلك التي كنا نراها في أفلامنا التاريخية القديمة..شعرت بقشعريرة وتهيجا في أحشائي بفعل حموضة كانت تأتيني من وقت لأخر ولم ينفع معها الزانتاك أو ذلك السائل المستورد الذي لاأذكر إسمه الأن..قرأت الفاتحة وأية الكرسي ثم إنطلقت .. كانت صرخاتي كفيلة بأن تهزم شيئا غامضا بداخلي يدغدغني مثل وسوسة الشياطين لأهدأ وأركن وأعود.. ثم صارت الصرخة صرخات تتفاعل في جو هستيري مشحون بالغضب علي كل الزمن الذي ضاع وأنا لاأفهم جوهر الحياة.. فحين تزيد الضوضاء ويعلو الراقصون والراقصات خشبة المسرح تتبعثر الأفكار.. قالها إحسان عبد القدوس.. لاأستطيع أن أفكر وأنا أرقص.. وقد رقصنا كثيرا ولم نستطع أن نفكر أو نتفهم لماذا جبل الناس علي كل هذا العصيان الأخلاقي والتشتت الذهني.. كان الرقص علي الشاشات شديد المهارة وكلما إزداد التصفيق وسخونة الصراخ كلما إحتدم التمايل وغاب الوعي أكثر.. الأن توقف الرقص في جنباتي ليجتاحني تأمل كشف لي عن مرارة مابعدها مرارة.. تزداد السخونة في وجهي وأندفع في لوم مسموع أكثر فأكثر.. لماذا أنتم هكذا ولماذا تتثاقل اصوات الاقدام وتغوص في الوحل الأحمر بكل هذه الجرأة والصفاقة واللامبالاة؟ رأسي يكاد ينفجر؟ ماهو سر الطاغوت وماهو حجم الصفاقة في  داخل قابيل حين واتته كل الجسارة ليقتل هابيل.بينما الأخير مستسلما في رومانسية يقينية تاركا أخوه يجهز عليه وهو مبتسما..ولماذا عجز عن مواراة سوءة أخيه؟ هل لأنه جبان بطبعه أم مجرم بالسليقة؟ أم عاجز عن أبسط مقومات الشرف والإنسانية.. حينئذ سقطت.. ربما من الإعياء فكرا.. أو إنصهارا من حرارة الجو ولهيب العويل.. لاأذكر.. المهم أنني وجدت نفسي أطير ولااري من يحملني.. الحشرجة تتهدج في بلعومي وأنا أطير قبل أن أستقر في مكان شديد البرودة.. بدأت روحي تهدأ ونفسي تعوم في أنهار من اللبن والعسل.. ولاأعرف حتي الأن هل أنا ميت أم حي.. لكن الشيئ الوحيد المؤكد أنني ولدت من جديد فقاتلي لازال مرعوبا من لحظة حساب قادمة لامحالة أما أنا فهادئ النفس مستقر البال واليقين يلفني من كل الجهات!!