نشرة الاخبار

الجمعة، يناير 12، 2007

قصة طاغية


د. إيمان يحيى
ظن أنه سيعيش خالداً أبداً ، فإذا بيد المنون تختطفه على حين غرة . صابر مراد نيازوف طاغية من نوع خاص ، تذكرنا ملامحه بنماذج مألوفة للديكتاتورية في عالمنا العربي والإسلامي . تفصح سيرة حياته ، بل وأحداث ما بعد موته . عن جوهر ومكنون " الاستبداد الشرقي " . ذلك الاستبداد الذي وضع بصماته على أغلب سنوات تاريخنا العربي . كان الخلفاء الراشدين خلفاء لرسول الله ، ثم جاء بعدهم من جعل نفسه خليفة لله وظل له على أرضه . تحول تاريخنا الإسلامي إلى طريق ذي اتجاه واحد : من الشورى إلى الاستبداد ، ومن الحاكم الإنسان إلى سلطان نصف إله ! . كان " نيازوف " حاكم تركمانستان نموذجاً كاريكاتورياً فظاً للاستبداد الشرقي ، ولعل قصته الطريفة تجعلنا نتأمل في جوانب كاريكاتورية من حياتنا السياسية المعاصرة
ابو التركمان
لعل " تركمان باشا " ، أو " أبو التركمان " كما أطلق على نفسه الطاغية ، هو أحد الرؤساء القلائل التي أودت بحياتهم ثورة من نوع جديد ، هي " ثورة الفياجرا " . كان – رحمة الله عليه – من محبي الفتيات الصغيرات ، وكان ذلك معروفاً ومنشوراً في الجرائد الروسية . وعندما واتته المنية ، تناثرت الشائعات بأن العقار ذي اللون " الأزرق " ، كان سبباً في نهاية حياة رجل جرت الدماء " الزرقاء " أيضاً في عروقه . وسبحان الله فقد جاءت نهاية الديكتاتور على يد " ثورة عقار " وليس " ثورة شعب "
مات " نيازوف " في عمر مبكر نسبياً ، هو السادسة والستون عاماً ، خاصة وأن أغلب زعماء الدول السوفيتية السابقة ، يمتد ربيع شبابهم إلى العقد الثامن . خلا كرسي الحكم دون أن يمهله القدر كي يرتب من يرثه . استولى على السلطة ابنه غير الشرعي " بردي محمدوف " نائب رئيس الوزراء ووزير الصحة بينما ظل ابنه الشرعي في أوروبا يرعى مصالح العائلة في تجارة الغاز واستيراد الكحوليات والتبغ . لم يكن له نائب ، فقد ظن أنه خارج الزمن ، وفوق الطبيعة . تتردد الأنباء والتكهنات حول أن مؤسسات الأمن والاستخبارات الداخلية هي التي تدير الأحداث ، وأن ابنه غير الشرعي مجرد رمز لمرحلة انتقالية ، يقفز بعدها إلى السلطة جنرال من قيادات أجهزة القهر والاستبداد .
كانت عبقرية " نيازوف " فذة كغيره من المستبدين . ألف كتاباً باسم "روح نامة" أي كتاب الروح ، وضع فيه حسب قوله ما أغفلته الكتب السماوية عن القيم الروحية . فرضه على المدارس والجامعات ورياض الأطفال ، ووعد من يقراه مرتين بتبوء منزلة روحية وصوفية خاصة . أقام لنفسه تمثالاً ضخماً في قلب " عشق آباد " عاصمة ملكه ، يزن أربعين طناً من الذهب . علق بعض الخبثاء على تمثاله قائلين أنه " ديكتاتور شريف " ترك أمواله ذهباً لشعبه بعد موته ولم ينقلها عبر الحدود ! ، لكن الحقيقة كانت لهم بالمرصاد . كان الديكتاتور يستولي على أموال تصدير الغاز ليضعها في حسابات خاصة باسمه في " دويتش بنك " في ألمانيا . تركمانستان دولة صغيرة تعوم على بحيرة ضخمة من الغاز . عدد سكانها ثمانية مليون نسمة وحسب . كان بإمكان حاكمها السابق أن يجعلهم من الأثرياء ، ولكن إرادته شاءت لهم أن يكونوا من أفقر الفقراء ، حيث لا يزيد دخل الفرد الواحد منهم عن دولار واحد في اليوم
حتى لبن الاطفال
لم تقتصر عبقرية " نيازوف " على تأليف الكتب والاقتصاد ، بل تعدت المجالين لتصبح صورته البهية على أوراق البنكنوت وطوابع البريد وعلى جدران الشوارع والغرف والمكاتب . أطلق اسمه الميمون على " معجون للحلاقة " ، أصبح الطريقة الوحيدة لحلاقة الذقون في البلاد . لم يسلم " الشمام " منه ، فكان أفخر الأنواع وأفخمها وأحلاها من تلك الفاكهة باسمه . لم تترك صورته مكاناً في تركمانستان إلا وزينته ، حتى علب لبن الأطفال وضعوا عليها وجهه . ظن أن وجهه دائم ونسى قول الله تعالى " كل من عليها فان ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " .
أنفق سنوات عمره الأخيرة على تحقيق حلمين أو مشروعين ، عدهما سبيلين لتحقيق رفاهية شعبه . استطاع تحقيق أحدهما ألا وهو بناء قصر من الجليد في عاصمته !، أما المشروع الآخر الذي لم يمهله القدر لتحقيقه ، هو إنشاء حديقة حيوان ضخمة في صحراء بلاده الجرداء تعيش فيها طيور " البطريق " التي كان يعشق صورتها الفقيد . ترك نيازوف عائلة " شرعية " ثرية مكونة من زوجة روسية وابن وابنة ، وشعباً فقيراً لا يجد ما يقتاته تساءلت وأنا أتأمل في قصته وحكايته . كم " نيازوف " قد شهدته شعوبنا المسكينة ؟ ، وكم عائلة " شرعية " و " غير شرعية " قد تسلطت على ثروات بعض بلداننا ؟ . وكم صورة فوتوغرافية لحكامنا قد تسربت لتلتصق على علب ألبان أطفالنا ولتظهر في أضغاث كوابيس أحلامنا ؟. كم مشروع وهمي تم تبديد ثرواتنا عليه ؟. كم ؟ وكم ؟ وكم ؟ . أسئلة كثيرة تطرحها علينا قصة طاغية شرقي

ليست هناك تعليقات: