نشرة الاخبار

الخميس، يناير 25، 2007

مشكلة الدم مابين الحقائق والمسرحيات الرسمية






فى مشهد مسرحى توجه الدكتور حاتم الجبلى الى بنك الدم وقام بالتبرع بدمه لكسر حالة العزوف التى شهدتها ساحة التبرع بالدم فى مصر ... بعد الازمة ذات الطابع الاعلامى التى اثيرت حولة قضية اكياس الدم المخالفة للمواصفات
ورغم الرمزية الواضحة للاستعراض الذى قام به وزير الصحة المصرى ... والتى كان الهدف منها جذب عدد من المتبرعين بالدم لسد العجز فى احتياطى الدم والناتج عن الازمة حيث انخفضت نسبة المتبرعين الى 30% ، إلإأن المصريين استقبلوا هذا المشهد بعدم اكتراث.. نتيجة عدم الثقة فى كل اطراف رواية الصراع فيما يخص قضية اكياس الدم . والرواية بدأت مقدماتها فى يونيه عام 2005 فترة تولى الدكتور عوض تاج الدين وزارة الصحة قبل الوزير الحالى حاتم الجبلى .. ومما هو جدير بالذكر ان سوق المستلزمات الطبية فى مصر حتى هذا التاريخ كان حكراً على منتجات اجنبية بما فى ذلك اكياس الدم . وتقدمت شركة "هايدلينا " المملوكة للدكتور هانى سرور، نائب الحزب الوطنى بمجلس الشعب، إلى وزارة الصحة عام ،2005 لتوريد أكياس دم للوزارة لاستخدامها فى جمع ونقل الدم في المستشفيات وبنوك الدم التابعة للوزارة، وقامت الوزارة بتشكيل اللجنة الفنية العليا للدم، واعتمدت المواصفات الفنية لأكياس جمع الدم بأنواعها وأجهزة اعطاء الدم والفلاتر واستقر الرأى على قيام شركة "هايدلينا" للصناعات الطبية المتطورة بالتوريد ... بينمأ جاءت شركتى باكسترا وجى سى ام فى المراتب الثانية والثالثة على التوالى ، واصبحت هذه هى المرة الاولى التى تقوم فيها شركة مصرية بتوريد منتج مصرى فى هذا المجال .. وبدأت الشركة فى توريد الاكياس فى فبراير 2006 فترة تولى وزير الصحة الحالى منصبه .. حتى وردت أول شكوى من الاكياس من بنك الدم من مستشفى فاقوس العام و بنك دم منشية البكري وكانت الشكاوى بخصوص تسبب ابرة نقل الدم فى الآم للمتبرع ، وقصر طول الخرطوم بالشكل الذى لا يجعل المتبرع فى وضع مريح ، وصغر حجم الكيس بحيث يصعب وضع البيانات عليه .. واعتبرت وزارة الصحة هذه الشكاوى غير مهمة وتغاضت عن النظر فيها حتى تكررت الشكاوى من اكثر من جهة فبدأت وزارة الصحة اتخاذ الاجراءات ضد الشركة والتى تمثلت فى ايقاف التعامل بهذه الاكياس واستبدالها بأكياس مستوردة بواسطة الشركتين التاليتين فى المناقصة على نفقة الشركة الموردة " هايدلينا " .. وفى نفس الوقت بدأت معلومات تتسرب من وزارة الصحة ( على غير العادة ) لوسائل الاعلام حول هذه المشكلة وتحول الخطاب الاعلامى للقضية من اكياس غير مطابقة للمواصفات الى دم فاسد خاصة بعد قيام اكثر من جهة بتحليل اكياس الدم واثبات فساد الدم فيها وارجع الخطاب الاعلامى فساد الدم الى المخالفات فى الاكياس .. وفى خط ثالث تقدم النائب حيدر بغدادى ( المستقيل من الحزب الناصرى ) بإستجواب حول المشكلة مستنداً على تقرير منظمة الاغذية الاميركية والذى جاء فيه ملاحظات حول هذا المنتج من شركة "هايدلينا" وتبنت جبهة مضادة تزعمها الدكتور حمدى السيد نقيب الاطباء نظرية المؤامرة ، حيث رأت فى هذه التفجيرات الاعلامية المبالغ فيها ( من وجهة نظرهم ) . محاولة للنيل من الصناعة الوطنية فى هذا المجال الذى طالماً احتكرته شركات اجنبية عالمية .. وحمّل رجل الاعمال والنائب هانى سرور خصومه السياسيين مسئولية هذه الازمة حيث أكد أن الضجة التى اثيرت حول اكياس الدم انما هى نتاج حملة منظمة ومدبرة بإحكام بهدف تصفية حسابات سياسية وشخصية معه من جهة ، ومن جهة اخرى بهدف الانقضاض على الصناعة الوطنية المصرية فى هذا المجال التى اعتادت الاحتكارات الدولية السيطرة عليه . وكشف هانى سرور عن أن الابر التى اثيرت حولها الحملة انما هى ابر مستوردة من اكبر شركة عالمية " شركة كوفاك " وهى نفس الابر المستخدمة فى معظم أكياس الدم المتداولة .. ونفى ما اثير حول مخالفة طول الخرطوم وحجم الكيس حيث اشار الى مطابقاتهم للمواصفات القياسية وان حجم الكيس هو نفس حجم الكيس الذى تورده شركة باكستر الأن لوزارة الصحة. كما كشف ايضاً عن أن التقارير التى وردت من جامعة المنصورة انما هى تقارير عن عينات وردت للجامعة فى حالة سيئة نتيجة اهمال فى نقلها بقصد أو عن غير قصد وانه لديه تقارير من نفس الجامعة تفيد صلاحية اكياس الدم . نفى سرور ما صرح به وزير الصحة الدكتور حاتم الجبلى حول عدم وجود مواصفات قياسية فى مصر للمستلزمات الطبية واشار الى أن المواصفات موجودة فى مصر منذ عام 1992 وهى مأخوذة من المواصفات الاوربية ، وارجع هذه الحملة الى كونها حملة تستهدف نشاط الشركة التى ادخلت لاول مرة هذه الصناعة فى الشرق الاوسط عام 1989 ويقصد صناعة مستلزمات مرض الفشل الكلوى ويشير الى أن نشاط الشركة تطور حتى وصل الى اقامة مصنع فى شمال المانيا لانتاج الالياف المجوفة التىتستخدم فى صناعة الفلاتر وهى الصناعة الدقيقة التى كانت مقصورة من قبل على ثلاث شركات عالمية وهو ما اثار الاحتكارات العالمية فى هذا المجال فبدأوا فى تدبير ضربة قاصمة ليس فقط للشركة وانما للصناعة المصرية فى عقر دارها . وعن تقرير هيئة الاغذية الاميركية الذى استند اليه البعض فيصفه سرور بأنه تقرير للمتخصصين بهدف تطوير الانتاج وليس تقرير عدم صلاحية وان قرأته من غير المتخصصين انما يعطى انطباعاً غير حقيقى بوجود خروقات فى مواصفات المنتج ،كما انه تقرير لا ينطبق إلا على القانون الفيدرالى الامريكى والذى يختلف تماماً عن القانون الاوربى ويؤكد على أن هناك آلاف من هذه التقارير لشركات عالمية منها على سبيل المثال لا الحصر شركات فايزر – سكويب – نوفارتس – جلاكسو – بروكسل اند جيل – معهد كليفلاند لجراحة القلب – شركة بيبسى – شركة سيفتى فوودز وغيرها كما أن البعض من هذه الشركات والمتداول نشاطها فى مصر صدر بشأنها نشرات جمع المنتج من الاسواق وهى نشرة تصدر بحق المخالفات الجسيمة فى المنتج فى حين لم تصدر الهيئة أى نشرة فيما يخص منتجات شركة "هايدلينا" ويندهش سرور بأنه لم يصدر أى كلمة أو اشارة بحق الشركات الاجنبية والتى اكدت النشرة مخالفاتها الجسيمة للمواصفات بينما اثيرت هذه الضجة المريبة حول ما ورد من ملاحظات تقليدية وروتينية لمنتج محلى .. وهو ما يؤكد أن هناك استهدافاً للصناعة المصرية لصالح مستفيدين فى الخارج والداخل . وينتقد هانى سرور اداء وزارة الصحة الذى فجر القضية اعلامياً دون اللجؤ للطريق الطبيعى وهو مخاطبة الشركة بوجود مخالفات ( إن وجدت ) حتى أن المسئولين عن الرقابة والجودة بالشركة لم يعلموا بالامر إلا من الصحف . ومخاطبة أى شركة بوجود مخالفات فى المواصفات هو سلوك متبع فى المجتمع الصناعى لإعطاء فرصة للشركة بمراجعة منتجاتها هذا إذا ما افترض وجود مخالفات .. وهو ما لم تقم به وزارة الصحة مما اشعل ازمة حول قضية وهمية . وكاد الامر يقف حتى هذا الحد حتى ظهرت مستندات جديدة اربكت المواطنين المصريين وزادت من حالة فقدان الثقة فى كل الاطراف مما عزز موقف العزوف عن التبرع بالدم . المستند الاول صادر فى الثامن من يناير الجارى من إدارة العقود والمشتريات بالادارة المركزية للامانة العامة بوزارة الصحة والسكان يشير الى ضرورة سحب ابر "الفستيولا" اللازمة لمرضى الفشل الكلوى والموردة من قبل شركة "آر كريم" بموجب عقد بتاريخ 15/11/2006 وذلك لصعوبة تركيبها وتسببها فى نزيف بعد جلسات الغسيل الكلوى من موضع الابرة حيث انها تترك اثراً كبيراً مكان الوخز وبعض العيوب الاخرى. المستند الثانى من مستشفى قليوب الجديد ويدعم المستند الاول حيث يشير الى خطورة هذه الابر الموردة من قبل شركة "أر كريم" مما يعرض حياة المرضى للخطر. المستند الثالث ويشير الى إسناد توريد هذا النوع من الابر الى شركة "هايدلينا" التالية لشركة "آر كريم" فى المناقصة .. وهى نفس الشركة التى اثيرت حولها ازمة اكياس الدم المخالفة للمواصفات ، وهو ما يثير شكوكاً وتساؤلات حول طبيعة الحملة الاخيرة امثارة بشأنها . المستند الرابع من إدارة الصيدلة بمديرية الصحة والسكان بالغربية صادر فى نوفمبر الماضى أى من حوالى شهرين يطالب بالتحفظ على 13 مستحضراً صيدلانياً لمخالفاتهم للمواصفات منهم مستحضر جولدن كال – شراب انتاج شركة العبور رقم التشغيلة NR026 ، ومستحضر كلوريد صوديوم 0.9% انتاج شركة المتحدون رقم التشغيلة 60394 لعدم مطابقة العينة للخواص الطبيعية والصيدلية ، ومستحضر كيرنوب انتاج شركة ليدر فور جولدن لايف تشغيلة رقم 20 لكون المحلول غير رائق وغير مطابق كيمائياً .. الى آخر القائمة. المستند الخامس عبارة عن نشرة من التفتيش الصيدلى يفيد طلب سحب ما يوجد فى السوق المحلى والوحدات الحكومية من مستحضر كتافلام امبول من انتاج شركة نوفارتس تشغيلة رقم 141 لوجود شوائب بالامبولات ، دون تحقيق أو معلومات عن كيفية تداول هذا العقار بعيوبه فى سوق الدواء المصرى دون مراقبة . المستند السادس ايضاً من التفتيش الصيدلى يطلب ضبط وتحريز ما قد يوجد فى السوق المحلى والوحدات الحكومية من المستحضر كليكسان بمختلف تركيزاته وذلك بناء على طلب الشركة المنتجة الاجنبية ( سانوفى افنتس ) بسبب زيادة التركيز للمادة الفعالة عن الحد المسموح به فى السرنجة . والملاحظ ان قرار التفتيش الصيدلى جاء بعد تداول العقار فى السوق وبناء على طلب الشركة المنتجة دون أى دورة للرقابة الدوائية فى مصر .. ويرى الخبراء أن هذه الحقائق تشير الى خلل شديد فى الرقابة على المستحضرات الصيدلانية والمستلزمات الطبية المتداولة فى السوق المصرى وخاصة الشركات الاجنبية كما أن هذا الخلل يؤدى الى احتمال وجود مخالفات اكثر مما تم الكشف عنه فى السوق الدوائى المصرى . يذكر أن بنوك الدم المصرية تعانى من ازمات متكررة قبل المشكلة المثارة الاخيرة .. حيث كانت هذه البنوك تعتمد بجانب المتبرعين على الدم الذى يبعيه اصحاب الحاجة المالية ... إلا أن هذه الفئة سببت مشكلة صحية لأصابة غالبيتهم بأمراض الفقر مثل الانيميا وامراض أخرى .. والتى كانت تسبب مشاكل للمريض المنقول اليه الدم .. كما أن عادة بيع الدم انتشرت بين المدمنين الذين كانوا يلجأون لبيع دمائهم للحصول على ثمن المخدرات .. وفى الفترة الاخيرة اتخذت وزارة الصحة قراراً بوقف شراء الدم والاعتماد على المتبرعين .. وحتى التبرع فى وزارة الصحة فى السنوات الاخيرة لم يكن كله اختيارياً فقد كانت هناك وسائل للحصول على الدم مثل اجبار اهالى المرضى الذين يعالجون على نفقة الدولة على احضار ما بين خمسة وسبعة متبرعين مقابل اجراء جراحة لمريضهم بالاضافة الى وسائل اخرى .. ومن المشكلات المتكررة فى بنوك الدم عدم اجراء التحليلات اللازمة لدم المتبرع قبل نقله للمريض وهو ما سبب كثيراً من المشكلات اثناء نقل الدم للمرضى .. كل هذه الازمات تم تحميلها على مشكلة الاكياس المخالفة للمواصفات رغم وجودها قبل هذه الازمة . اثارت هذه المشكلة مشكلة قانونية أخرى حيث أن المورد لوزارة الصحة هو نفسه عضوا بمجلس الشعب المصرى بينما يحذر القانون المصرى النواب من أى تعامل تجارى مع الحكومة حرصاً على شفافية دورهم الرقابى .. وكشفت هذه المشكلة عن أن معظم اعضاء مجلس الشعب من رجال لاعمال لهم تعاملات تجارية مع الحكومة . ويثير بعض المراقبون شكوكاً حول أن هناك تعمد لاثارة هذه القضية فى هذا الوقت لابعاد التركيز عن مشكلة انفلونزا الطيور فى مصر والتى وصلت الى منحنى خطير بعد أن اعلنت منى محرز رئيس المعامل البيطرية بوزارة الزراعة أن مصر ثانى دولة فى العالم بعد فيتنام تحور فيها الفيروس المسبب للمرض بسبب عدم القدرة على تطبيق التدابير الوقائية بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية المحيطة بالمجتمع المصرى وبحيث اصبح لا يستجيب المريض لعقار التاميفلو المضاد للمرض مما أدى الى ارتفاع احتمال الوفاة للمصابين من 50% الى 100% وهو ما حدث مع آخر حالتين وفاة . يعيش الشارع المصرى كل هذه المتناقضات لا يحمل أى سلاح للمواجهة سوى العزوف عن أى مشاركة ايجابية سواء بالتبرع بالدم أو تطبيق القواعد السليمة لمواجهة الاوبئة ..فاقداً للثقة فى كل الاطراف . محمد منير

ليست هناك تعليقات: