نشرة الاخبار

الأربعاء، يناير 31، 2007

جلال الغزالى



بقلم سعد هجرس
أستأذن القارئ فى أن أدير ظهرى اليوم لقضايا الساعة الساخنة وأن أرجئ الحديث عنها إجلالاً واحتراماً لـ "جلال الغزالى" والوقوف حداداً عليه ووضع باقة ورد على قبره.0
ويشجعنى على ذلك أن الغالبية العظمى من القراء ستسأل باستغراب : .. ومن يكون جلال الغزالى؟! 0
والسؤال مشروع والاجابة عليه محزنة، على الأقل من زاوية أن الذاكرة الجمعية أصبحت مثقوبة، بحيث أن كثيراً من أفضل أبناء هذه الأمة يسقطون فى بئر النسيان أمام زحف الغثاثة والسطحية والفهلوة والجهل النشيط. 0
وجلال الغزالى أحد هؤلاء المنسيين منذ سنين رغم أنه – لمن لا يعرف – واحد من أهم رواد الدراما التليفزيونية فى الستينات، نذكر منهم فتحى زكى ودنيا البابا ومحفوظ عبدالرحمن ورأفت الميهى ومصطفى محرم وفيصل ندا. 0
وقدم أكثر من مائتى عمل درامى من أشهرها المسلسل الشهير "العصابة" إخراج إبراهيم الصحن، و"الرجل ذو الخمسة وجوه"، والفيلم التليفزيونى "الكتاب ذو الغلاف الجميل" اخراج ابراهيم الشقنقيرى ، ومجموعة من السهرات أبيض وأسود إخراج اسماعيل عبدالحافظ من بينها "الناس والوحش" ، و"يوم الحادث" و"ربما" ، وسهرة "ناس مش للبيع" إخراج محمد فاضل، و"ليلة زواج آخر الأبناء" إخراج محمد الشال، وكان من الاعمال التجريبية الرائدة فى ذلك الحين حيث لم يكن به سوى شخصيتين لا ثالث لهما. وسباعية "العمر سبعة أيام" إخراج مجيدة نجم وغيرها الكثير والكثير. 0
ثم جاءت الكارثة مع مسلسل "رأس القط" اخراج اسماعيل عبدالحافظ. وهو عمل درامى بالغ الأهمية سواء من الناحية الفنية أو من الناحية الفكرية لأنه كان بمثابة تشريح لبدايات "الانفتاح" وتنبأ فيه جلال الغزالى بكثير مما حدث فى مصر بعد ذلك.0
هذا العمل المهم تعرض لوشاية وتحريض لجهات الأمن وصلت إلى وزير الداخلية وقتها اللواء النبوى اسماعيل، وبدون الدخول فى تفاصيل فان هذا العمل قد اختفى فى ظروف غامضة ولم ير النور أبداً.0
والأدهى والأمر أن جلال الغزالى تعرض للاعتقال بعدها عام 1978.0
وبعد خروجه من المعتقل توقف عن الكتابة تماماً، لسبب بسيط هو أنه قد قيل له من بعض كبار المسئولين عن الدراما التليفزيونية وقتها أنه حتى لو كتب "بسم الله الرحمن الرحيم" فان الرقابة لن تسمح بعرضه!0
وبالفعل استمر الحظر على أى عمل عليه اسم جلال الغزالى وإسماعيل عبدالحافظ سنوات طويلة. وحتى بعد رفع هذا الحظر نتيجة جهود ومساعى قيادات مستنيرة مثل تماضر توفيق ويوسف عثمان توقف قلم هذا السيناريست الاستثنائى عن الكتابة رغم إلحاح يوسف عثمان نائب رئيس التليفزيون السابق الذى لم يكل أو يمل من تكرار المحاولة إلى أن اتفق معه منذ ستة أشهر فقط على كتابة عمل درامى كبير عن "إخوان الصفا".. لكن هذا المشروع الفنى لم يتم .. فقد سبق السيف العذل .. ورحل جلال الغزالى فى صمت ولم يحضر جنازته وعزاءه سوى الرجل المحترم يوسف عثمان، ونقيب السينمائيين ممدوح الليثى ونقيب الممثلين أشرف زكى، وسوى اثنين من كتاب السيناريو الكبار أسامة أنور عكاشة وكرم النجار، وسوى شيخ المخرجين اسماعيل عبدالحافظ، وعدد من أصدقائه وزملائه ومحبيه!0
وهكذا .. ورى التراب جلال الغزالى الذى مات فى صمت بعد أن ملأ الدنيا فنا جميلا فى الستينيات والسبعينيات وشق – مع كوكبة تعد على الأصابع – طريقاً فسيحا للدراما التليفزيونية الجميلة.0
وهى لم تكن مجرد دراما تليفزيونية جميلة وإنما كانت دراما تليفزيونية "معجونة" فى الفكر النقدى المستنير والرؤية السياسية الوطنية ومجدولة بعشق الحرية والديموقراطية واحترام آدمية الانسان والوقوف بالمرصاد للاستبداد والاستغلال والفساد والجهل والظلامية ومحاولات تكميم الأفواه وتكبيل العقول.0
وهذا ينقلنا إلى البعد الآخر لجلال الغزالى، ونعنى به انشغاله بالسياسة بالتوازى مع انغماسه فى الدراما والفن.0
وكانت السياسة هى السبب فى التعارف المباشر بينى وبين "جلال" الذى لعب دوراً مهماً فى مكافحة التطبيع وفى عرقلة محاولات بيع استوديوهات التليفزيون المصرى لمستثمر خليجى فى السبعينات، فضلاً عن معارك سياسية اكثر من أن تعد أو تحصى.0
هذه التجربة السياسية العريضة لها مالها وعليها ما عليها، لكنها تبقى حلقة فى سلسلة الكفاح الوطنى والديموقراطى والاجتماعى والتنويرى، التى لم تنقطع أبداً حتى فى أحلك الأوقات وأكثرها سواداً.0
بيد أن علاقة جلال الغزالى بالسياسة تبقى موضوعاً غنياً ومليئاً بالتفاصيل والتشابكات والتقاطعات التى تحتاج إلى معالجة مستقلة .. اذا كان فى العمر بقية.0
ويكفينى اليوم .. بهذه الكلمات المختصرة جداً .. أن أنعى للمصريين هذا الكاتب المناضل المحترم الرائد وأن أضع على قبره باقة ورد .. وأن أطلب من السيدة الفاضلة سوزان حسن أن يخصص التليفزيون المصرى حلقة أو أكثر من حلقات برامجه للاحتفاء بذكراه وتكريمه بالصورة التى تليق به وإعادة إذاعة بعض اعماله الدرامية المهمة .. إذا لم تكن قد مسحت شرائطها وتم تسجيل مباريات كرة القدم عليها مثلما حدث مع كثير من الاعمال الابداعية.0
وطبت حياً .. وميتاً يا جلال.0

hagrassaad@hotmail.com

ليست هناك تعليقات: