نشرة الاخبار

الجمعة، فبراير 02، 2007

التعذيب .... يا حفيظ ( 1 ) 0



بقلم - سعد هجرس:0
انتابتنى مشاعر متباينة أثناء مشاهدتى، مشدوها، مساء الأحد الماضى لحلقة مثيرة من برنامج "على الهواء" الذى يقدمه الزميل جمال عنايت على قناة الصفوة بشبكة "أوربت" ويرأس فريق اعداده الزميل محمود نافع0
وكان موضوع الحلقة عن التعذيب.. ياحفيظ!!0
ولم يكن الحديث عن التعذيب بصورة مجردة، وانما عن التعذيب فى مصر بصورة محددة0
لذلك كانت الدهشة هى الشعور الأول الذى سيطر على تفكيرى للوهلة الأولى عندما استمعت إلى المقدمة الموضوعية - والمثيرة - التى افتتح بها جمال عنايت برنامجه الرصين0
وسبب هذه الدهشة هو ان موضوع التعذيب فى مقدمة الموضوعات "المسكوت عنها" منذ سنوات وعقود، بل فى مقدمة الموضوعات المحظور الاقتراب منها بأى صورة من الصور. وعندما بدأ الحديث عن هذه الظاهرة المرعبة فى بعض وسائل الإعلام، فإن ذلك كان يجري على استحياء، وفى قنوات أجنبية أوبعيدة عن الأراضى المصرية ودون وجود أى ممثل للحكومة المصرية0
فى برنامج "على الهواء" الذى يتم بثه من مدينة الانتاج الإعلامى بالقرب من العاصمة المصرية، كان الوضع مختلفا: أثنان من ممثلى منظمات حقوق الإنسان، بهى الدين حسن، ومحسن البهنسى يجلسان فى نفس الاستديو وعلى نفس المائدة مع اللواء أحمد ضياء الدين مساعد وزير الداخلية للشئون القانونية0
والاثنان - ومن قبلهما جمال عنايت - يواجهان المسئول الأمنى الكبير بوقائع وأرقام وحقائق وشكاوى وتقارير كثيرة أكثر من الهم على القلب تتعلق بهذه الظاهرة المشينة0
وكان الطبيعى - والمتوقع - ان يدافع الرجل عن وزارته وينفى عنها تواطؤها أو تورطها فى هذا المستنقع الكريه. ويؤكد ان سياسة الداخلية الرسمية هى رفض انتهاك القانون أو انتهاك حقوق الإنسان، ويبدى استعداده لتلقى أى شكاوى بهذا الصدد، وترحيبا باستقبال أى مواطن لديه أى شكوى متعلقة بالتعذيب على يد جهة من جهات الشرطة0
ورغم تشبث اللواء أحمد ضياء الدين بافكار ان يكون التعذيب ظاهرة، أو انها تمارس بصورة منهجية، وتأكيده بالمقابل انها "أحداث فردية"0
رغم ذلك فان هناك جديدا فى الأمر، لا يجب اغفال أهميته ومغزاه، يتمثل فى حضور مسئول رفيع المستوى من وزارة الداخلية لمناقشة علنية مذاعة على الهواء مكرسة لبحث هذه المصيبة المروعة، واعترافه بتورط عدد من رجال الشرطة فى تعذيب مواطنين، وتأكيده ان الداخلية لم تتساهل مع هؤلاء الأفراد بل اوقعت بهم العقاب المناسب0
وبالطبع فان هذه الاجابة لا تشفى غليل أولئك الذين أوقعهم حظهم العاثر فى أيدى وحوش بشرية سولت لهم نفوسهم المريضة انتهاك آدمية مواطنين مصريين0
لكنها مع ذلك تظل نقطة بداية مهمة وجودها ليس كعدمها، كما انه يمكن البناء عليها من أجل بحث أكثر جذرية لتلك الظاهرة السلبية التى كانت حتى الأمس القريب فى عداد المحظورات والمحرمات التى لا يجب الاقتراب منها أو فتح ملفاتها0
ومن أجل تطوير النقاش بهذا الصدد والوصول به إلى نتائج عملية تزيل هذه الوصمة من جبين مصر.. أود ان اسجل النقاط التالية:000
أولا: التنويه بان التعذيب يقصد به اى عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه فى انه ارتكبه، هو او شخص ثالث أو تخويفه، أو ارغامه، هو أو أى شخص ثالث، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأى سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمى أو أى شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية0
باختصار.. تشمل جريمة التعذيب كل ابتزاز نفسى أو إيلام عضوي يقع على شخص ما بهدف التهديد أو الترويج او الحصول على معلومات0
وليس هذا التعريف من عندياتنا وانما هو التعريف المعتمد لدى المنظمات الدولية المعنية، والذى ينطبق على كل بلدان العالم بما فيها مصر0
ثانيا: التعذيب له تاريخ طويل ومؤلم للبشرية، ويقول تقرير لاحدى المنظمات المعنية ان استخدام التعذيب بغرض الحصول على المعلومات والاعترافات يعود إلى تاريخ مصر القديمة، كذلك استخدام التعذيب فى كل من اليونان وروما، وفى أوروبا شاع استخدام التعذيب فى فترة التغييرات الحادة، ويروى لنا التقرير، أساليب بشعة لاستجواب المتهمين تضم اهدارا جسيما لحرياتهم وكراماتهم الإنسانية، من بينها ما كان يحدث فى العصور الوسطى من اخضاع المتهمين لاختبارات عسيرة لبيان "حكم الله" فى شأنهم كأن تقيد به المتهم اليمنى حتى قدمه اليسرى ثم يلقي فى ماء النهر، فإذا غرق كان ذلك "برهانا الهيا" على إدانته أما إذا طفا على سطح الماء انقذه الرب لبراءته وفى عهد لويس الرابع عشر صدر أمر ملكى سنة 1670 يقر العرف السائد فى فرنسا بان يستجوب المتهم ثلاث مرات قبل التعذيب، وأثناء التعذيب وبعد التعذيب وكان التعذيب فى نظر الناس آنذاك أمرا عاديا وكانوا يسمونه بـ وقد احتاج الأمر إلى دهور طويلة نزلت خلالها رسالات من السماء واندلعت ثورات على الأرض " الاستجواب القضائى " 0
ونشبت حروب ضروس واقيمت حضارات وامبراطوريات كبرى واندثرت أخرى، احتاج الأمر كل ذلك من أجل اقرار حقوق الإنسان وحرياته، ومن ضمنها حقه فى احترام كرامته الإنسانية وسلامة جسده وقواه العقلية والنفسية0
ثالثا: هذا الكلام الذى نقلناه عن موقع "التعذيب فى مصر" ينقلنا من العام إلى الخاص، وبهذا الصدد تضعنا تقارير المنظمات الدولية أمام صورة مفزعة0
خذ مثلا تقرير منظمة "هيومان رايتس ووتش" التى اصبحت واحدة من أهم منظمات حقوق الإنسان فى العالم، يقول بالنص "لقد أصبح التعذيب ظاهرة مستمرة واسعة النطاق فى مصر، إذ دأبت قوات الأمن والشرطة على تعذيب المعتقلين أو إساءة معاملتهم خصوصا فى أثناء التحقيقات وفى معظم الحالات يقوم المسئولون بتعذيب المعتقلين للحصول على معلومات أو لانتزاع اعترافات منهم، الأمر الذى يفضى أحيانا إلى الوفاة وفى بعض الحالات يتخذ المسئولون تعذيب المعتقلين أداة للعقاب أو التخويف أو الاذلال، كما تقوم الشرطة باعتقال ذويهم وتعذيبهم للحصول على معلومات أواعترافات من أقربائهم أو اجبار أقربائهم المطلوبين على تسليم أنفسهم"0
ويمضى التقرير ابعد عن ذلك ليقول بالنص ايضا إذا كان التعذيب فى مصر يستخدم عادة ضد المعارضين السياسيين فقد صار متفشيا كالوباء خلال السنوات الأخيرة حيث يكابده عدد كبير من المواطنين العاديين الذين يجدون أنفسهم فى الحبس فى أقسام الشرطة كمشتبه فيهم أو فى إطار تحقيقات جنائية ولا تحقق السلطات المصرية فى الغالبية العظمى من ادعاءات التعذيب علي الرغم من ان القانونين المصرى والدولى يلزمانها بإجراء مثل هذا التحقيق. أما فى الحالات القليلة التى تم فيها تحريك الدعوى القضائية ضد بعض الضباط بسبب التعذيب أو سوء المعاملة فكثيرا ما كانت التهم هينة والعقوبات غير كافية بدرجة لا تتناسب مع الجرم، وقد أدى غياب المحاسبة العلنية والشفافية على هذا النحو إلى ترسيخ مناخ يشعر فيه الجناة بأنهم بمنأى عن العقاب"0
هذا جزء من تقرير منظمة دولية مهمة يقول عكس ما أكده اللواء أحمد ضياء الدين من أننا إزاء حالات فردية يتم الحساب على مرتكبيها، بل نحن إزاء "ظاهرة" فكاد ان تكون "وباء" لا يبتلى به السياسيون فقط وانما المواطنون العاديون ايضا0
وان القليل من المتورطين فى هذه الظاهرة المشينة هم الذين يحاكمون، وإذا حوكموا فان التهم تكون هينة والعقوبات غير كافية0
ومع ذلك فان كلام مساعد وزير الداخلية اللواء أحمد ضياء الدين يظل مهما ويظل الجدل البناء معه مطلوبا من أجل التوصل إلى نتائج عملية لوأد هذه المممارسات غير الإنسانية التى تلحق العار بمصر بأسرها وتسحق روح الأمة حتى ان وقعت لعدد محدود من أبنائها.. فما بالك إذا كان ضحاياها بالمئات والألوف!!؟
وللحديث بقية0
hagrassaad@hotmail.com

ليست هناك تعليقات: