نشرة الاخبار

السبت، فبراير 03، 2007

التعذيب .... يا حفيظ (2 ) 0


بقلم .. سعد هجرس
رأينا فى المقال السابق أن منظمة مهمة
ومرموقة على الصعيد العالمى، هى منظمة "هيومان رايتس ووتش"، تختلف مع تقارير وزارة الداخلية ، والتى تؤكد أن التعذيب ليس ظاهرة وإنما حالات فردية ويتم مساءلة المتورطين فيها من رجال الشرطة.على النقيض من ذلك تقول تقارير "هيومان رايتس ووتش" ان التعذيب "أصبح ظاهرة مستمرة، واسعة النطاق، فى مصر، إذ دأبت قوات الأمن والشرطة على تعذيب المعتقلين أو إساءة معاملتهم خصوصاً فى أثناء التحقيقات. وفى معظم الحالات يقوم المسئولون بتعذيب المعتقلين للحصول على معلومات او لانتزاع اعترافات منهم، الأمر الذى يفضى أحياناً إلى الوفاة – وفى بعض الحالات يتخذ المسئولون تعذيب المعتقلين أداة للعقاب او التخويف أو الإذلال، كما تقوم الشرطة باعتقال ذويهم وتعذيبهم للحصول على معلومات أو اعترافات من أقربائهم أو إجبار أقربائهم المطلوبين على تسليم انفسهم".وأضاف التقرير أن التعذيب الذى كان يستخدم عادة ضد المعارضين السياسيين قد صار متفشياً كالوباء خلال السنوات الأخيرة ووصل إلى المواطنين العاديين الذين اكتووا بناره فى أقسام الشرطة وغيرها من أماكن الحبس وحالات الاشتباه.وتتضمن وسائل التعذيب – كما جاء فى تقرير هيومان رايتس ووتش –الضرب بالأيدى والأقدام والأحزمة والعصى والأسلاك الكهربائية والتعليق فى أوضاع ملتوية ومؤلمة مع الضرب واستخدام الصدمات الكهربية والتهديد بالاغتصاب والعنف الجنسى.وكأن هذه الممارسات "المحلية" لم تكن كافية، فأضاف لها تقرير المنظمة العالمية أبعاداً "خارجية" جديدة تمثلت فى قيام "بلدان عديدة فى السنوات الأخيرة، منها الولايات المتحدة والسويد، بتسليم أشخاص مطلوبين من الحكومة المصرية بسبب جرائم مزعومة تتعلق بالأمن، أو ساعدت فى إيداعهم فى الحبس لدى السلطات المصرية". أى باختصار أن هذه الحكومات الأجنبية – وبالذات الأمريكية – قد سلمت هؤلاء المشتبه فيهم إلى السلطات المصرية للقيام بتعذيبهم وانتزاع الاعترافات منهم بالنيابة عن الأجهزة الأمريكية!والصورتان متناقضتان تماماً، الصورة التى تقدمها منظمات حقوق الإنسان المصرية والأجنبية ، والصورة التى تقدمها وزارة الداخلية المصرية.وليس لدى شخصياً اى مانع من تصديق صورة وزارة الداخلية، التى تنفى أن يكون هناك وحوش آدمية خارجة على القانون فى صفوفها، وإذا حدث وظهر أمثال هؤلاء البرابرة فإنما هم مجرد حالات فردية يتم مساءلتها وردعها.لكن بما أن الصورة الشائعة – داخلياً وخارجيا – مختلفة تماماً عن هذا التقييم الذى تصر عليه وزارة الداخلية، فأننا نصبح إزاء وضع يصعب معه أخذ هذه الصورة على علاتها.ويزيد من صعوبة هضم نظرية اللواء أحمد ضياء الدين مساعد وزير الداخلية للشئون القانونية، أنه قد صدرت عام 2006 أحكام قضائية بلغ عددها 66 حكماً فى قضايا أقامتها جمعية حقوق الانسان لمساعدة السجناء لصالح عدد من المواطنين الذين تعرضوا للاعتقال والتعذيب على يد ضباط وزارة الداخلية دون سند قانونى او محاكمة عادلة، كما أن هناك ألف قضية مماثلة سيتم النظر فيها خلال عام 2007. وهو الأمر الذى جعل محمد داودى مدير الوحدة القانونية بجمعية حقوق الانسان لمساعدة السجناء يستنتج أن حصول الجمعية على هذا الكم من أحكام التعويضات خلال عام واحد يفند إدعاءات مسئولى وزارة الداخلية بان مصر خالية تماماً من التعذيب وأن حالات التعذيب التى يتم الكشف عنها مجرد حالات فردية ناتجة عن أخطاء فردية لبعض الضباط وان السجون خالية من المعتقلين.وليست المسألة منحصرة فى تصريحات لنشطاء جمعيات حقوق الانسان المحلية والأجنبية بل إن رئيس الوزراء الدكتور احمد نظيف ذاته أدى بتصريحات لصحيفة "نيويورك تايمز" الامريكية فى أعقاب العملية الإرهابية الثانية فى سيناء، قال فيها أن التوسع فى الاشتباه وفظاظة الملاحقة الأمنية يمكن أن تكون مسئولة عن تجدد الإرهاب!هذه الفجوة الواسعة بين التقديرات المتباينة لحجم ظاهرة التعذيب فى مصر تستدعى ما هو أكثر من ترحيب اللواء أحمد ضياء الدين باستقبال أى صاحب شكوى، وهو أمر طيب ، لكنه لا يكفى.ما هو المطلوب إذن؟المطلوب كثير وهو مطلوب من جهات متعددة وليس من وزارة الداخلية وحدها.ولنبدأ أولاً بالجانب التشريعى.بهذا الصدد ترى "هيومان رايتس ووتش" ان مصر طرف في المعاهدات الرئيسية لحقوق الإنسان التي تتناول التعذيب، ومن بينها على وجه الخصوص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (اتفاقية مناهضة التعذيب). ومن ثم فإن مصر ملزمة إلزاماً صارماً بتحريم أي شكل من أشكال التعذيب أو سوء المعاملة وباتخاذ تدابير إيجابية لحماية ضحايا التعذيب بإجراء تحقيقات وافية ونزيهة وفورية في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة وتوجيه التهم الجنائية متى استدعى الأمر ذلك. إلا أن مصر لم توقع على البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي ينص على وضع آلية لتلقي الشكاوى الفردية. كما وضعت مصر تحفظات على المادتين 21 و22 من اتفاقية مناهضة التعذيب، اللتين تؤكدان على حق الدول الأطراف في الاتفاقية في رفع شكاوى متعلقة بالتعذيب ضد غيرها من الدول، وعلى حق ضحايا التعذيب في رفع مظالمهم مباشرة إلى اللجنة المشرفة على مراقبة الالتزام بالاتفاقية.وتنص المادة 42 من الدستور المصري على ضرورة معاملة أي معتقل "بما يحفظ عليه كرامة الإنسان"، وتحظر "إيذاءه بدنياً أو معنوياً". كما أن قانون العقوبات المصري يعتبر التعذيب جريمة جنائية، ولو أن تعريف جريمة التعذيب فيه لا يرقى إلى مستوى التعريف الوارد في المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب. فالمادة 126 من قانون العقوبات، مثلاً، تقصر التعذيب على الأذى الجسدي، ولا تتوافر أركانه إلا عندما يكون الضحية "متهما" وعندما يستخدم التعذيب لإكراهه على الاعتراف. ولئن كانت الاعترافات هي الهدف من التعذيب في الكثير من الأحوال، فإن هذا التعريف الضيق يستبعد دون مبرر وجيه حالات الأذى النفسي أو الذهني، والحالات التي يتم فيها تعذيب شخص آخر غير "المتهم"، أو لأغراض غير الحصول على الاعتراف.وللحديث بقية.
hagrassaad@hotmail.com

ليست هناك تعليقات: