نشرة الاخبار

الثلاثاء، فبراير 06، 2007

التعذيب ....يا حفيظ (3)0

بقلم : سعد هجرس
مهم جدا أن يتم فتح ملفات التعذيب المسكوت
عنها منذ سنوات لأن هذه جريمة بشعة لا تسقط بالتقادم 0
لكن الأهم الآن أن تفكر الجماعة الوطنية في المستقبل، من أجل تجفيف منابع هذه الظاهرة المروعة التي تمثل أخطر صور انتهاك آدمية البشر واغتيال حقوق الإنسان وقتل مشاعر الانتماء الوطني، ناهيك عن تدمير الديمقراطية وقطع الطريق أمام تطورها بصورة صحية وجادة0
وكما رأينا في المقال السابق فإن المسئولية لا تقع فقط علي وزارة الداخلية، رغم أنها من أهم الاطراف 0
فهناك مسئولية علي الهيئة التشريعية من أجل تلافي الثغرات الموجودة حاليا في التشريعات المصرية، التي أشرنا إلي بعضها من قبل0
ونأمل أن تتضافر جهود المنظمات والجمعيات والشخصيات المعنية بحقوق الإنسان من أجل إعداد مشروع متكامل بهذا الصدد، وشن حملة واسعة النطاق لخلق رأي عام مساند وضاغط أدبيا وسياسيا0
الأمر الثاني هو أن المسألة لم تعد شكاوي فردية علي النحو الذي يراه اللواء أحمد ضياء مساعد وزير الداخلية للشئون القانونية، وإنما نحن إزاء »ظاهرة« تتحدث عنها تقارير منظمات دولية ملء السمع والبصر مثل »هيومان رايتس ووتش« و»منظمة العفو الدولية« ولجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة.. وهذه المنظمات لا يمكن اتهامها بـ »الكيد« السياسي للحزب الوطني وحكومته لأنها باختصار ليست طرفا في الصراعات السياسية المحلية، فضلا عن أنها أكبر من أن تكون مخلب قط لمنظمات محلية صغيرة الحجم والتأثير داخليا، فما بالك بأن يكون لها أي تأثير علي الصعيد الدولي0
وتقارير مثل هذه المنظمات الدولية لا يمكن التذرع بالصمت إزاء ما تتضمنه من وقائع، فإما أن يتم الرد عليها بحقائق موثقة أو الاعتراف بما هو حقيقي فيها والتعهد باتخاذ اللازم نحو إصلاحه واجتثاث جذوره دون لف أو دوران0
ويلفت النظر بهذا الخصوص إلي أن التقارير الدولية المتعلقة بالتعذيب لم تعد مقتصرة علي الجهات المشار إليها آنفا، بل وصلت مؤخرا إلي وكالات استخبارات أجنبية، أهمها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية التي قالت إن الأجهزة الأمريكية سلمت مواطنين مصريين إلي السلطات المصرية للقيام بانتزاع اعترافات تحت التعذيب منهم بشأن تورطهم في نشاطات »إرهابية«0
هذه التقارير بالغة الخطورة، وتم نشرها في سائر وسائل الإعلام الدولية، ومع ذلك لم يتم الرد عليها بأي صورة من الصور، الأمر الذي يعطي الحق لأي شخص بأن يصدقها، ويصدق كل القصص المروعة عن السجون السرية التي أصبحت تنتشر في أنحاء شتي من هذا العالم، وتجري فيها انتهاكات بشعة لحقوق الإنسان ويجري فيها تعذيب وحشي لخلق الله وهو أمر مرفوض حتي لو كان هؤلاء من ألد خصومنا فكريا وسياسيا0
ثم إن رئيس وزراء مصر الدكتور أحمد نظيف ذاته هو الذي أدلي بتصريحاته لصحيفة »نيويورك تايمز« قال فيها إن تجدد العمليات الإرهابية في سيناء يمكن أن يكون نتيجة التجاوزات الأمنية والتوسع في دائرة الاشتباه إثر أول عملية0
هذا الكلام عندما يأتي علي لسان أكبر رأس في الحكومة المصرية يعني أن الأمور أكبر من أن تكون مجرد حالات فردية كما قال اللواء أحمد ضياء الدين، وأنها تحتاج بالتالي إلي معالجة مختلفة0
والمعالجة المختلفة ربما تتطلب تشكيل لجنة تحقيق »قومية«، علي غرار اللجان التي تشكلها البلدان المتقدمة لتقصي الحقيقة والتحقيق »السياسي« ـ وليس القانوني ـ في الأمور الكبري التي تؤرق المجتمع0
وقضية التعذيب، بتراثها الفظيع منذ بداية قيام الدولة المركزية علي ضفاف نهر النيل حتي اليوم، هي واحدة من هذه القضايا التي تحتاج إلي لجنة تتألف من حكماء هذه الأمة، وتنأي بنفسها عن الصراعات الصغيرة المماحكات الحزبية الآنية والإحن السياسية، وتغوص في أعماق هذه الظاهرة وتضع يدها علي جذورها الدفينة، وبعد تشخيصها الموضوعي لهذا الداء المزمن تقترح له الدواء الفعال، الذي يجب أن يكون المجتمع مستعدا لدفع فاتورته.0
والفاتورة لها بنود كثيرة، منها علي سبيل المثال ذلك النموذج اللافت للنظر الذي تبلور في المملكة المغربية حيث تم تحقيق واسع في قضايا التعذيب التي جرت في عهود سابقة، وإدانة هذا التعذيب سياسيا، واعتذار الدولة عنه، رغم أن الإدارة الحالية لم تكن مسئولة عنه بأية صورة من الصور، وتعويض من تضرروا من هذه السياسة الوحشية أو تعويض أهل من قضي نحبه منهم0
وبهذا فتح الحكم صفحة جديدة بيضاء مع الشعب ومع الطبقة السياسية0
هذا علي الجانب السياسي، أما التعذيب الذي يقع لأسباب غير سياسية ـ وأهم صوره إساءة معاملة المواطنين في أقسام الشرطة أو الكمائن ـ فإنه يمكن ابتكار صيغ مختلفة منها إشراك منظمات وجمعيات حقوق الإنسان في التفتيش علي هذه الأماكن ومراقبة مجريات الأمور بها0
وطالما أن وزارة الداخلية ليس لديها ما تخفيه مما يحدث في هذه الأقسام والمراكز فماذا يضيرها لو سمحت لوسائل الإعلام بالدخول إليها وإجراء مقابلاتها وتحقيقاتها دون موانع؟!
وألم يكن من الأفيد ـ مثلا ـ التصريح للزميلة هويدا طه الصحفية بقناة الجزيرة بدخول أقسام الشرطة والسماح لها بإجراء مقابلات مع الضباط وضباط الصف والجنود والمحتجزين، بدلا مما حدث، طالما أنه ليست هناك مخالفات أو انتهاكات لحقوق الإنسان، كما يقول اللواء أحمد ضياء الدين مساعد وزير الداخلية؟!
إن العالم قد تغير، والخطاب الذي كان يصلح بالأمس لم يعد يصلح اليوم0
صحيح أن التعذيب مرفوض ومدان أمس واليوم وغدا بيد أن كثيرا من ممارسات الماضي ـ وفي مقدمتها التعذيب ـ لم يعد ممكنا أن تمر اليوم، سواء لأن هناك ثقافة جديدة، وعالمية الطابع، تكونت وأصبح من قبيل المستحيل التناطح بالرأس معها، وسواء لأن ما كان ممكنا إخفاؤه من قبل أصبح من الصعوبة بمكان إبقاؤه طي الكتمان لفترة طويلة بفضل ثورة وسائل الاتصال وثورة المعلومات التي فضحت جرائم سجن أبو غريب الحصين ونقلت وقائع إعدام الرئيس العراقي صدام حسين، وأصبح جهاز تليفون محمول مزود بكاميرا في يد مواطن عادي أو فرد من أفراد الشرطة قادرا علي نقل ما يحدث في كهف بالقطب الشمالي إلي العالم بأسره في غضون ثوان معدودات0
وطالما أن مساعد وزير الداخلية للشئون القانونية وافق علي الجلوس مع اثنين من نشطاء حقوق الإنسان أمام شاشات التليفزيون وتحاور معهما.. وهذا تطور مهم ويحسب لوزارة الداخلية0
وطالما أن وزارة الداخلية تدين ممارسة التعذيب، وتتنصل ممن يقوم به حتي لو كان من ضباطها أو جنودها، شأنها في ذلك شأن منظمات وجمعيات حقوق الإنسان المحلية والأجنبية.. فإن ذلك يجعلنا نطالبها بما هو أكثر من مطالبة كل »فرد« لديه شكوي بأن يطرق باب اللواء أحمد ضياء الدين0
hagrassaad@hotmail.com

ليست هناك تعليقات: