نشرة الاخبار

الاثنين، فبراير 12، 2007

فتح وحماس والبديل الثالث الفلسطينى

بقلم :عبد العال الباقورى
التطورات والأحداث السياسية في مصر، في منتصف التسعينات من القرن الماضي، طرحت فكرة ‘’البديل الثالث’’. وقد طرحها ‘’حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي’’، في وقت اشتد فيه ساعد الإرهاب المتستر بالدين في مواجهة سيطرة الحكومة وحزبها الوطني، بحيث بدأ ميزان الصراع وكأنه يدور بين فريقين فقط. عندئذ تقدم ‘’حزب التجمع’’ ليكوِّن فكراً وسياسة وممارسة ‘’البديل الثالث’’ الذي ليس وسطاً بين متنازعين بل قوة لها سند واقعي وسياسي. في الفترة نفسها تقريباً، طُرحت فكرة البديل الثالث أيضاً - ولو بصياغة مختلفة - في الوسط الفلسطيني خصوصاً بين قوى اليسار، وعماد الجبهتان الشعبية والديمقراطية.0
لن أخوض هنا في تفصيلات الفكرة وتفريعاتها، سواء مصرياً أو فلسطينياً، ولا كيف أخذت صيغاً مختلفة أحياناً باسم التنسيق بين قوى اليسار أو وحدة قوى اليسار.0
واللافت للنظر هنا هو أوجه التشابه بين الطرحين في مصر وفلسطين، حيث أن الدعوة إلى الوحدة أو التنسيق كانت تعني قوى كانت موحدة أصلاً، ولكنها تفرقت نتيجة لاختلافات في الرؤى والاجتهادات. في مصر انصرف معنى البديل الثالث إلى تنسيق بين ‘’حزب التجمع’’ والحزب الناصري، وكانا أصلاً موحدين منذ نشأة الأحزاب في العام 1976 والأمر نفسه بالنسبة للجبهتين الشعبية والديمقراطية.
ومع أن فكرة البديل الثالث تراجعت في مصر إلى حد كبير نتيجة لتراجع الإرهاب وكسر شوكته وكذلك تراجع التطرف الديني، إلا أن الفكرة ظلت مطروحة فلسطينياً، ولم تقف عند حد التنسيق بين الشعبية والديمقراطية بل امتدت لتشمل قوى يسارية أخرى مثل ‘’حزب الشعب’’ و’’فدا’’ و’’جبهة النضال الشعبي’’، وإن ظل الحنين إلى تلاقي الشعبية والديمقراطية هو حجر الأساس الذي يبنى فوقه البديل الثالث. وجرت في هذا الشأن لقاءات واتصالات متعددة، كان للمرء نصيب من المشاركة فيها مع الصديق عبدالقادر ياسين المؤرخ الفلسطيني المعروف، وذلك بناء على دعوة كريمة من سياسيين وحزبيين في قطاع غزة، كانت لهم كتابات واجتهادات في هذا الشأن.0
وامتدت الدعوة من غزة إلى دمشق عبر القاهرة، ولقيت حماساً وتشجيعاً ومؤازرة من قوى متعددة، وتضّمن ذلك حوارات مع قيادة كل من الجبهتين الشعبية والديمقراطية، كان من بينها حوار موسع مع الأمين العام للجبهة الديمقراطية نايف حواتمة، وصدر الحوار في كتيب بعنوان ‘’الانتفاضة: الصراع العربي - الإسرائيلي إلى أين؟. وكانت مقدمة الكتاب التي بدأتها في دمشق وأكملتها في القاهرة، بعنوان ‘’في ظلال الانتفاضة: هدف قديم ومهمة عاجلة’’، وأشرت للدعوة إلى إحياء ‘’التنسيق’’ أو ‘’الوحدة’’ بينهما. ولم تكن هذه المحاولة حرثاً في البحر بدليل أنه تلاها كثير من أوجه التلاقي بين الجبهتين، وهو تلاق لايزال مستمراً، وإن كان لم يرقَ إلى المستوى الذي كنا نأمله. ولعل هذا ما أشرت إليه في مقدمة الكتاب المشار إليه بقولي ‘’قد يبدو غريباً - بالنسبة لي ولغيري - أن ‘’الجبهتين’’ لم تحققا ما تتفقان عليه، وما عليه تلتقيان. هل هي ‘’البيروقراطية الحزبية’’ أو الميل إلى ‘’المحافظة’’ على ما هو قائم خصوصاً وأن زيادة التنسيق والتقدم على هذا الدرب قد تؤدي إلى خلل من ‘’مواقع مكتسبة’’ هنا أو هناك، من هذه الجبهة أو تلكومرَّت الأيام. ولم ننسَ الدعوى. ولم يتحقق الحلم، وإن بقي أملاً وهدفاً وغاية، وفكرة يلح عليها كثيرون في كثيرٍ مما يكتبون. وقد تجلى هذا خصوصاً عبر العام الماضي الذي شهد ولادة حكومة ‘’حماس’’ وما ترتب على قيامها من نتائج خاصة في مجال الصراع مع حركة ‘’فتح’’، وهو الصراع الذي انقلب إلى اشتباكات مسلحة سقط فيها عدد كبير من الشهداء والجرحى، وفي ذلك ذهبت سدى النداءات والتوصيات التي أصدرتها لجان مثل لجنة المتابعة العليا. وهذه النداءات والبيانات برز من بينها -خصوصاً- ما صدر عن الجبهتين الشعبية والديمقراطية وحركة الجهاد الإسلامي، ما يشكل نواة لما أسميناه ‘’البديل الثالث’’ وهو هنا بديل ذو ملامح وسمات فلسطينية، بمعنى أنه تجاوز الحديث عن التنسيق والتوحيد اليساري، إذ ضم اليسار مع حركة الجهاد الإسلامي. نحن هنا إزاء فرز معين، فرز له خصوصية القضية الفلسطينية التي لاتزال قادرة على جمع ‘’الأضداد’’ ليصير ‘’البديل الثالث’’ أشبه بجبهة وطنية، فيه مرونة الجبهة وقوتها. قد يتساءل البعض: كيف يمكن الجمع بين جبهتين يساريتين وتنظيم ذو بُعد ديني؟. 0
في حركات التحرر الوطني هذا أمر وارد، لأن ‘’العمل المشترك’’ كفيل بإزالة كثير من الخلافات أو تجنيبها والقفز فوقها، كما أنه كفيل بخلق تقارب في المواقف والسياسات. هنا، وفي مثل هذه الحالة المحددة، حالة فض الاشتباك المسلح بين ‘’فتح’’ و’’حماس’’ فإن ‘’الحوار والوحدة هما طريق الخلاص والانتصار’’ حسب تعبير ورد في بيان صادر عن الثلاثي: الجبهتين وحركة الجهاد، في الثاني من فبراير/ شباط الجاريأكد البيان أن الأطراف الثلاثة ‘’تطالب بعودة الطرفين للمكتب المشترك المنبثق عن لجنة المتابعة العليا لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار والاستجابة للرعاية المصرية بالتهدئة. إن الأطراف الثلاثة تحذر الجميع أن استمرار الصدامات المسلحة الدموية هو طريق الحرب الأهلية، طريق الهاوية المدمرة للقضية الوطنية الفلسطينية.0
"إن هذه الكلمات ليست مجرد شعارات، لأنها حددت مواقف عملية، أثبتت نفسها في أرض الواقع الذي شهد حالات تحول فيها مقاتلون وأعضاء ‘’حركة الجهاد’’ إلى قوة فصل بين المتنازعين والمتقاتلين من أبناء ‘’فتح’’ و’’حماس’’، بحيث أصبحنا أمام مشهد شبيه بما شهدته الثورة الجزائرية غداة انتصارها، حيث جرت اشتباكات بين ‘’الإخوة والأعداء’’، وهنا تقدمت الجماهير الجزائرية وهي تردد ‘’سبع سنوات بركات’’ أي كافية، بما سقط فيها من شهداء على أيدي الفرنسيين، ومن ثم لا يجب إهدار الدم الفلسطيني بالأيدي الفلسطينية، ولا يرتفع سلاح فلسطيني في مواجهة سلاح فلسطيني آخر، فكل البنادق توجَّه ضد العدو.0
ولعل هذا يكسب ‘’البديل الثالث الفلسطيني’’ خصوصية، فهو بديل سياسي وليس بديلاً أيديولوجياً، وهو بديل مرن يتخذ هيئته وتكوينه تبعاً للمشكلات التي يتصدى لها، فيمكن أن يضم هذا البديل الأطراف الثلاثة المذكورة، ويمكن أن يخرج أحدها من الإطار التنظيمي ذي الطابع الجبهوي، ويمكن أن تضاف إليه فصائل أخرى.0
هذا البديل يشبه ‘’جبهة وطنية’’ مفتوحة ومرنة إلى أبعد الحدود، بحيث تضيق وتتسع تبعاً للقضايا التي تعالجها. ومن يراجع مجموعة البيانات التي صدرت من الجبهتين مع الجهاد الإسلامي يجد ملامح برنامج يغطي مرحلة مقبلة عن طريق حكومة وحدة وطنية تشارك فيها جميع القوى، مع إعادة بناء منظمة التحرير، أما حل الأزمة بين ‘’فتح’’ و’’حماس’’ فيكمن في الاتفاق على أن اللجوء إلى العنف المسلح هو خط أحمر وجريمة يجب أن يدفع ثمنها كل من يقدم عليها. وهذا يعني أن ‘’البديل الثالث’’، وهو في الحالة التي تواجهنا بديل ثلاثي الأضلاع، يتصف بحرية الدخول والخروج بعيداً عن أي جمود في السياسة وفي الممارسة. إن هذا البديل الثالث هو الذي يخلق البدائل، التي تفض الاشتباك بين أي فصيلين فلسطينيين، خصوصاً إذا كان هذا الاشتباك من النوع الذي يؤثر على تحقيق الأهداف الوطنية.0
ومثل هذا البديل متغير وليس ثابتاً في تكوينه، وهو قادر على أن يقدم الرأي والاجتهاد الذي يصون الوحدة الوطنية، ويحميها من أي خروج عليها. ولعل بروز هذا البديل يكون وسيلة وأداة لإحياء منظمة التحرير الفلسطينية، ووسيلة وأداة لصد الأخطار التي تتربص بالنضال الفلسطيني خصوصاً في مرحلة ما بعد التحرير، لأن الخطر الأكبر في اشتباكات ‘’فتح’’ و’’حماس’’ الدامية سيظهر - إذا استمر التدهور الذي نعيشه - في مرحلة ما بعد التحرير.0
إن الحاجة ماسة فلسطينياً إلى بديل ثالث قوي وقادر على الإسهام بدور فاعل في تسوية الخلافات ووقف الاشتباكات، التي فشلت وساطات عربية متعددة في وقفها.0

ليست هناك تعليقات: