نشرة الاخبار

الأحد، فبراير 18، 2007

بين اليسار واليمين

بقلم د. إيمان يحى
بدأت حركة ''الإحياء الديني'' أو بالأحرى ''ثورة الأفغاني'' على يد جمال الدين، وتلقف راية الحركة من بعده وبطريقة إصلاحية تلميذه محمد عبده. لكن محمد رشيد رضا نكص بها ناحية ''السلفية''، وجاء من بعده تلميذه حسن البنا ليأخذها ناحية ''اليمين'' بمعناه السياسي والاجتماعي. ثم جاء من بعد كل هؤلاء، سيد قطب ليحولها في الفترة الأخيرة من حياته إلى تيار إرهابي وتكفيري، يصم المسلمين بالجاهلية ويخرجهم عن الملة. لم يكن غريباً، إذاً، أن ينبري السلفيون ورموز ''الإخوان المسلمين'' في كتاباتهم في صحفهم للهجوم على ''الأفغاني'' و''محمد عبده''، يتهمونهما بالماسونية تارة، وبالإلحاد تارة أخرى، وبالعمالة للغرب في أحيان كثيرة. لكن الغريب أن نجد بعض من هاجموا الأفغاني بالأمس، يتدثرون اليوم بثيابه، رافعين شعار ''الجامعة الإسلامية'' بغير محتواه الحقيقي، داعين إلى عودة الخلافة. يحاول ''اليمين'' أن يشد عباءة الأفغاني ناحيته ليداري مساوئه وعورات سياساته، ولكن الحقيقة والواقع يصدمان كل تلك المحاولات اليائسة والبائسة.إذا كان هدف المتاجرين بالإسلام إقامة حكومة دينية تحت مبدأ ''الحاكمية لله'' الذي صاغه ''المودودي''، فإن الأفغاني يرى أن الأمة مصدر السلطات. رفض حسن البنا الأحزاب والدستور والحياة النيابية، بينما أكد الأفغاني ''حكم الشعب بأهله''.هم من الجامدين، وهو من أصحاب التجديد. هم طائفيون، وهو ثائر على الطوائف. هم يعادون المسيحيين وأهل الكتاب، وهو يتخذهم تلاميذ ينشرون دعوته إلى الثورة على الاستبداد والاستعمار. العقل عنده هو الأساس، والنص عندهم هو المنطلق والمنتهى. لا يفهمون ما ورد في الأثر من أن ''لا دين لمن لا عقل له''.كان الرجل منفتحاً بحق، ومن يرصد التطور التاريخي لفكره وأعماله، يجده يطور ويحسن من آرائه. بدأ في كتابه ''الرد على الدهريين'' مخاصماً للاشتراكية وانتهى في خاطراته، بعد أن عاش في أوروبا وحاور مفكريها، مؤيداً لها. هو ينحاز إلى العمال والفلاحين فيقول ''لولا الزرع ولولا الضرع، لما كان سرف الأغنياء ولا ترف الأمراء، موقف الزراع والصناع من الحضارة أنفع من موقف الإمارة، رأينا شعباً يعيش من دون ملك، ولكن ما رأينا ملكاً يعيش من دون شعب(1).يقول في خاطراته إن الاشتراكية.. هي التي ستؤدي حقاً مهضوماً لأكثرية من الشعب العامل[2]. لكن الاشتراكية عند الأفغاني منبعها الإسلام كثقافة ودين، وهي مرتبطة بالبداوة. يشير الرجل إلى الإخاء الذي عقده رسول الله بين المهاجرين والأنصار، ويرى أن الدولة العربية الإسلامية الأولى في عهد النبي وخليفتيه أبو بكر وعمر كانت بمثابة تجربة اشتراكية. ''أول من عمل بالاشتراكية بعد التدين بالإسلام، هم أكابر الخلفاء من الصحابة، وأعظم المحرضين على العمل بالاشتراكية كذلك من أكابر الصحابة أيضاً(3)".يرى الأفغاني أن البداوة أحد أصول الاشتراكية في الإسلام. ''الاشتراكية في الإسلام.. ملتصقة في خلق أهله عندما كانوا أهل بداوة وجاهلية[4]''. إنها اشتراكية نابعة من ثقافة مجتمع، حتى ولو كان جاهلياً، عندما ذبح حاتم الطائي فرسه لإطعام امرأة وأطفالها الجياع. ألم يتبرع طلحة الطلحات بسيفه وفرسه ورمحه وجهز ألف فارس. اشتراكية الأفغاني تبدو في معظم مقولاته ذات طبيعة أخلاقية ودينية فقهية، يدلل عليها بسيرة أبو بكر وعمر رضي الله عنهما[5]. لكننا نجد له تحليلاً علمياً وطبقياً واضحاً لنشوء الطبقات وصراعها في فترة حكم عثمان بن عفان رضي الله عنه. يحدثنا الأفغاني بأستاذية فائقة ''في زمن قصير من خلافة عثمان تغيرت الحالة الروحية في الأمة تغييراً محسوساً، وأشد ما كان منها ظهوراً في سيرته وسيرة العمال (الولاة) والأمراء وذوي القربى من الخليفة، وأرباب الثروة بصورة صار يمكن معها الحس بوجود طبقة تدعى ''أمراء''، وطبقة أشراف، وأخرى أهل ثروة وثراء وبذخ، وانفصل عن تلك الطبقات طبقة العمال وأبناء المجاهدين، ومن كان على شاكلتهم من أرباب الحمية السابقة في تأسيس الملك الإسلامي وفتوحاته، ونشر الدعوة، وصار يعوزهم المال الذي يتطلبه طراز الحياة، والذي أحدثته الحضارة الإسلامية، إذ كانوا مع جريهم وسعيهم وراء تدارك معاشهم لا يستطيعون اللحاق بالمنتمين إلى العمال ورجال الدولة، وقد فشت العزة والأثرة والاستطالة، وتوافرت مهيئات الترف في حاشية الأمراء وأهل عصبيتهم وفي العمال (الولاة) وبمن استعملوه وولوه من الأعمال.. إلخ، فنتج عن مجموع تلك المظاهر التي أحدثها وجود الطبقات المتميزة عن طبقة العاملين والمستضعفين من المسلمين، تكون طبقة أخرى أخذت تتحسس بشيء من الظلم وتتحفز للمطالبة بحقهم المكتسب من مورد النص. ومن سيرتي الخليفة الأول والثاني أبي بكر وعمر، وكان أول من تنبه لهذا الخطر الذي يتهدد الملك والجامعة الإسلامية الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري(6).وعلى رغم أن تصور الأفغاني عن الاشتراكية، يجعله متحفظاً على الاشتراكية الغربية، إذا جاز التعبير، إلا أنه يقف موقفاً واضحاً تجاه المتسربلين بالدين الذين يكفرون مناصري الاشتراكية ويخرجونهم من الملة. يجيب الثائر العظيم على سؤال لأحد مجالسيه عن تكفير مشايخ الإسلام للاشتراكية، بأن الاشتراكية وإن قل ناصروها اليوم فإنها ستسود العالم عندما يعم العلم الصحيح ويشعر البشر بأنهم إخوة، وأن التفاضل بالأنفع للمجموع وليس بالسلطان السياسي أو المالي أو العسكر وإنما يحتاج الأمر إلى الشجاعة والبسالة والجهر بالحق كما قال المسيح ''بيتي بيت الصلاة يدعى، وأنتم جعلتموه مغارة للصوص( 7 ) " .مفهوم ''الجامعة الإسلامية'' لدى الأفغاني يختلف اختلافاً جذرياً عما يدعو إليه ''اليمين الإسلامي''. إنه يدعو إلى وحدة أشبه بكومنولث للأقطار الإسلامية ويوجه نقداً لاذعاً للسلطان العثماني، داعياً إلى لا مركزية الحكم في أقطار الدول العثمانية. دعا إلى تحويل ولايات الدولة العثمانية إلى خديويات ، لكن السلطان عبدالحميد قد أبى(8) الجامعة الإسلامية لدى الأفغاني أداة لوحدة المضطهدين في الشرق في مواجهة المستعمر الغاصب، ولكنها لدى ''الإخوان المسلمين'' أداة لفرض استبداد شرقي لجماعة مستبدة. كان الأفغاني هو الذي أطلق شعار ''مصر للمصريين'' عبر الحزب الوطني الحر وجماعة حلوان، ذلك الشعار الذي رفعته ثورة أحمد عرابي ضد استبداد الخديوي والأتراك والشركس. أين هذا الشعار الذي صكه جمال الدين ومقولة مرشد الإخوان الحالي لإحدى الصحف المصرية ''طز في مصر'' أو تصريح أمين سر الجماعة محمود عزت بترحيبه أن يحكم مصر ماليزي؟ الأفغاني منهم براء و''جامعته الإسلامية'' لا تخرج أمثالهم بأية حال.الأفغاني يدعو إلى السلم العالمي ويقول ''الحرب.. من أقبح ما عمله ويعمله الإنسان في الأرض[9]''، ويتحدث عن المستفيدين من إشعالها من دون سبب شرعي وهم إما ''ملك مسرف مغرور'' أو ''أفراد يغتنمون فرصة الحرب ليكنزوا من ورائها الذهب والفضة( 1 ) .يشير الأفغاني إلى أن علماء العالم من أمثال نيوتن ودارون، لو وقفوا صفوفاً للاقتتال مكان جنود جيوشهم، لما فعلوا[11]. لم يكن غريباً بعد موقفه هذا أن يقرر مجلس السلام العالمي إحياء ذكراه كداعية للسلام في العام .1954 أين دعوته إلى السلام ممن ينادون بالحرب المقدسة التي لا تذر نصرانياً أو كتابياً؟ أين دعوته من دعوة بن لادن والظواهري وحماقة تنظيمات العنف والإرهاب؟إذا جاز للثورة ولليسار في منطقتنا العربية أن تنتسب، لكان الأفغاني هو الأحق بأن يكون أباً لهما. ولعل محنة ''اليسار العربي'' تتمثل في تركة أبوة شرعية متمثلة في ثائر عظيم كالأفغاني، أبوة ونسب تعطيه وجهاً وملامح قومية عربية وإسلامية مميزة
مصادر : 0
[1]،[2]،[3]،[4] الأعمال الكاملة للأفغاني، ج,1 ص.107 الخاطرات ص.234[5]
خاطرات الأفغاني، ص,11 ص175-.190[6]
الأعمال الكاملة للأفغاني، الرد على الدهريين ص.201 ,200 ج,1 ص.112 ,111[7]،[8] جمال الدين الأفغاني - حسن حنفي ص.113[9] الأعمال الكاملة للأفغاني، الخاطرات، ص,81 ج,1 ص.147[01] الخاطرات ص.153 ,149 ,148[11]
الأعمال الكاملة للأفغاني، الخاطرات ص155 ,154ج.149 ,1

ليست هناك تعليقات: