نشرة الاخبار

السبت، مارس 10، 2007

المادة الثانية.. ليست مقدسة


بقلم: سعد هجرس

أصبح من يطالب بإعادة النظر فى المادة الثانية من الدستور التى تنص على أن مبادئ الشريعة الاسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع كمن يسبح ضد التيار، أو من يقدم على مغامرة غير مضمونة العواقب0
وأسباب هذا المأزق متعددة من بينها أن هذه المادة تكاد أن تكون القاسم المشترك الوحيد بين الحزب الوطنى الحاكم وبين جماعة الاخوان المسلمين التى تطلق عليها الحكومة لقب الجماعة المحظورة رغم ذلك الاتفاق اللافت للنظر والمثير للدهشة حول تبنى هذه المادة خاصة وأن هذه المادة تعطى المسوغ «الدستورى» لـ «وجود» الجماعة «المحظورة»! 0
وبالتالى فإن من يطالب باعادة النظر فى المادة الثانية إنما يضع نفسه فى مواجهة الحكومة والجماعة معًا0
وبين مطرقة حزب الحكومة وسندان الجماعة المحظورة يكاد العلمانيون - ليبراليون ويساريون - أن يكونوا فى مهمة مستحيلة خاصة وأن قضية اعادة الثانية فى حد ذاتها توفر لخصومهم أرضية خصبة للعب على عواطف الناس البسطاء ودغدغة مشاعرهم الدينية، وتصوير كل من تسول له نفسه الاقتراب من المادة الثانية كما لو كان كافرًا أو زنديقًا والعياذ بالله0
حتى الدكتور عصام العريان أحد القيادات الأكثر اعتدالاً ومرونة لجماعة الاخوان قال بحدة غير معهودة فيه «إن أى حديث عن تعارض الشريعة الاسلامية مع حقوق المواطنة افتراءات وأكاذيب».
هذا الخطاب الخشن الغريب على دماثة الدكتور عصام العريان يغلق أبواب الحوار الهادئ بوصفه الآراء المخالفة له بانها «افتراءات» و«أكاذيب»0
وأنا شخصيًا أحد اولئك الذين يرون أن المادة الثانية تنطوى على مشاكل فيما يخص مبدأ المواطنة، ولا أرى فى ذلك الزعم «افتراء» أو «كذبًا» على أحد0
وطالما اننا نتحدث عن الدستور فاننا نسعى فى حقيقة الأمر إلى عقد اجتماعى جديد يقوم بالضرورة على «التوافق» المجتمعى وبدون ذلك التوافق لا نكون بصدد دستور ديمقراطى وإنما بصدد - إملاءات - 0 -
والعلمانيون - ليبراليون ويساريون - لديهم حجج كثيرة تسوغ المطالبة بفصل الدين عن السياسة دون أن يكون فى ذلك انتقاص من شأن الدين أو تطاول عليه0
وهذا الفصل يستوجب الكف عن الحديث من دين «رسمى» للدولة فالدول ليس لها دين باعتبارها كيانًا اعتباريًا، والدول لن تبعث يوم القيامة، والاقرار بوجود دين «رسمى» يمكن أن يفسر بأن الأديان الأخرى غير رسمية0
كما أن هذا الفصل بين الدين والدولة يستلزم أيضًا اعادة النظر فى نص المادة الثانية فكما جاء فى بيان أخير لمركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان فان «الدستور لم ينص على وجود مصادر أخرى للتشريع سوى مبادئ الشريعة الاسلامية، وهو ما يعد - حسب نص البيان - انتكاسة خطيرة لمبدأ المواطنة والدولة المدنية ويميل بمصر ناحية الدولة الدينية»0
وتجربة ربع قرن من تعديل المادة الثانية - كما يقول البيان ذاته - «أثبتت انها كانت عاملا أساسيًا فى تراجع دور الدولة الحيادى تجاه مواطنيها، كما جرى توظيف هذا النص لاشاعة مناخ التطرف وكبت الحريات والحجر على البحث العلمى والابداع0
ومع أن الغاء المادة الثانية هو الحل الأمثل من وجهة نظر كاتب هذه السطور - فان ضرورات «التوافق» - التى هى الأساس كما قلنا فى صياغة دستور يحظى بتراضى مختلف طبقات وفئات المجتمع - تجعلنا ننادى بـ «حل وسط» بحيث لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم0
هذا الحل الوسط ينادى بالابقاء على المادة الأولى والمادة ا لثانية لكن مع نقلهما من صلب الدستور إلى ديباجته، مع تعديلهما بحيث يتم استبدال مسألة دين الدولة الرسمى بصيغة تقر واقع الحال وهو أن مصر دولة أغلبية سكانها من المسلمين، ويتم تعديل الصيغة التى تنص على أن مبادئ الشريعة الاسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع بصيغة أخرى تقول ان مقاصد الشريعة الاسلامية والشرائع السماوية الأخرى ومواثيق وعهود حقوق الانسان هى المصدر الرئيسى للتشريع0
بهذا التعديل نبقى على «الشريعة الاسلامية» لارضاء الاخوان والحكومة، ونهدئ مخاوف غير المسلمين باضافة الشرائع السماوية الأخرى ومواثيق حقوق الانسان0
وليس هذا مجرد حل توفيقى بل انه من الناحية الموضوعية حل يؤدى إلى رفع التناقض بين مواد الدستور وبعضها البعض فى ظل الوضع الراهن0
هذا أحد الاجتهادات لكيفية التعامل مع هذه القضية الشائكة، وليس من الإنصاف قطع الطريق على كل من لديه اجتهاد بمنهج الدكتور عصام العريان الذى يذهب إلى انه «كان أحرى بهذا الجمع - المطالب بتعديل المادة الثانية - أن يتصدوا للفساد والاستبداد والتسلط والقمع الذى يمارسه النظام من إهدار لحقوق الأغلبية والأقلية بدلا من التصدى للشريعة»0
والاحجاف فى هذا الرأى أن التصدى ليس للشريعة - كما قلنا - وإنما هو للخلط بين ما هو مطلق وما هو نسبى بين ما هو دينى وما هو دنيوى0
وأن الاهتمام بهذه القضية لا يعنى تأييد «الفساد والاستبداد والتسلط والقمع الذى يمارسه النظام» وإنما هو بالأحرى يعنى النضال ضد نوعين من الاستبداد، الاستبداد السياسى، والاستبداد الدينى اللذين يلتقيان معًا فى نهاية المطاف0
وكما نرى فانه ليس من باب الصدفة أن يتفق الخصمان اللدودان الحزب الوطنى والجماعة الاخوانية على تقديس المادة الثانية! 0

ليست هناك تعليقات: