نشرة الاخبار

الاثنين، ديسمبر 03، 2007

معركة السلم

شوقي عقل
نشر فى جريده العربى 2/12/2007
في سبعينيات القرن الماضي، فصل مجلس الشعب كمال الدين حسين عضو مجلس قيادة الثورة، والنائب عن دائرة بنها. وبخلو المقعد استدعى الأمر إجراء انتخابات جديدة في الدائرة التي فصل نائبها لملء المقعد الشاغر، واستدعى الأمر أيضا اجتماع عاجل للمجلس وصياغة قانون وتقديمه ومناقشته والموافقة عليه خلال بضع ساعات. كان القانون المستعجل المخصوص، ينص على عدم جواز قيام عضو مفصول (لم يذكر اسمه!) بالترشح مرة ثانية. كانوا يخشون عودة المعارض كمال الدين حسين مرة أخرى إلى المجلس الذي يضم أربعمائة وأربعة وأربعين عضوا. استكثروا على مصر أن يضم مجلسها النيابي معارضا واحدا، كان العضو المذكور قد أرسل رسالة للسادات من كلمتين تقول (اتق الله!)يذكر التاريخ لنا أمثلة كثيرة مشابهة، فقيصر ألمانيا، لم يتحمل معارضة اثنين من أعضاء البوندستاج حين أطلق شرارة الحرب العالمية الأولى، هما روزا لوكسمبورغ وكارل ليبنكخت، رغم موافقة الأغلبية الساحقة على قراره، وأخرجا من المجلس حيث قتلا بأعقاب البنادق. ولقي المهدي بن بركة ميتة قاسية على يد أوفقير جلاد ملك المغرب الحسن الثاني، وهو المعارض المنفي البعيد عن وطنه، تحت سمع وبصر المخابرات الفرنسية، التي كانت دوما الوجه الحقيقي القاسي لفرنسا الاستعمارية، رغم طلاوة الواقف المعلنة. لكنه حال الديكتاتوريات العرجاء، بوجهيها القاسي القبيح إذا ما التفتت إلى الداخل، والخانع المستجدي إذا ما لاقت ولي نعمتها في الخارج، والتي لا تتحمل، وفي يدها صولجان السلطة وجبروتها، فردا واحدا معارضا. يمتد سلم نقابة الصحفيين حوالي عشرين مترا طولا وحوالي خمسة أمتار عرضا، أي ما يقارب مائة متر مربع مساحة. والنظام الذي يحكم أرض المليون كيلومتر مربع وشعب السبعين مليون ضاق بالسلم الضئيل، وضاق بوقفة بعض أفراد من مثقفي الأمة عليه، معارضين لسياساته، كاشفين ما يراد بمصر، وما آل إليه حالها المؤسي وهي ما هي عليه، فكانت معركة انتخابات النقابة، وكان الحشد الأمني المكثف داخلها يوم الانتخابات وليلها. وكانت الوعود المبذولة من مرشح النظام وممثلي هيئته، ممن يجاهرون بعلاقتهم الوثيقة بأجهزة الأمن، وإنهم إنما هم ممثلين لتلك الأجهزة في الصحف، وليسوا كما يفترض بهم أن يكونوا ممثلين لصحفهم لدى تلك الجهات. وهو موقف يتسم بالاتساق مع الزمن الحالي، زمن دستور اقتحام بيوت الناس ونواياهم. وعلى الهواء مباشرة جرت معركة الاستيلاء على السلم، والاحتفال بالانتصار على بعض أفراد من مثقفي الأمة. وكان المطلوب بشدة رأس أحدهم، إذ قام بطعن أكبر رؤوس الفساد في مؤسسته، والفساد في المحروسة هو المؤسسة وهو القاعدة، والنزاهة هي الاستثناء، فتربص به أعوان الفاسد الأكبر، وتكتلوا عليه. هزم أحمد النجار في معركة السلم، ومعه آخرون ممن كانت عليهم عين أهل الظلام، ليدفع ثمن وقفته ضد الفساد في مؤسسته، وهو عضو مجلس الإدارة الممثل للعاملين، فكان جدير بمقعده بحق، فكسب مكانة وخسر مكانا. كان مطلبهم أن يقدموا للنقابة وجها جديدا، خاليا من المعارضين، مستسلما قابلا، مصفقا منافقا، وسلما هادئا لا يستدعي وقوف كتائب الأمن ولواءاته أمامه. ويخلص مثلث الحرية في مصر من معقل آخر من معاقله، بعد أن هدأت حركة القضاة وسكنت، راضين أو مرغمين، ليعود للمحروسة وجهها الخانع الكئيب، بلا حتى رتوش هامش الحرية، التي أضاءت لحظات في ليلها الطويل، من على السلم الضئيل الحجم، كبير القيمة، بفعل رجال أحبوا مصر فأحبتهم. ولينطلق الفساد مطلق الفعل والسراح، فقد انتصرت جيوشه، وتم الاستيلاء على سلم النقابة، وأضيفت الغنيمة إلى باقي أرض المحروسة، وهنيئا لشعبها انتصار أركان حكمه في معركة السلم، في عهد لم يشهد فيه إلا الهزائم والانكسار

**************************************************************
تحية وباقة ورد من صحافة الجميع لزميلنا أحمد النجار الذى ضرب أروع مثل فى الشرف وفضل كلمة الحق على النجاح الملوث

ليست هناك تعليقات: