نشرة الاخبار

الأحد، ديسمبر 09، 2007

أزمة الدواء ... ثلاث مشاهد ومعنى واحد

محمد منير
منذ سنوات حاولت إحدى شركات الدواء الدولية فرض قرار على الدكتور اسماعيل سلام وزير الصحة المصرى آنذاك بشراء كمية من دواء لمقاومة الايدز تفوق احتياجات مصر. وساندهم فى الضغط على الوزير فى ذلك الوقت شخصيات إعلامية وادبية وعلمية مرموقه ورغم ذلك رفض سلام الاستجابة لهذه الضغوط وغيرها من ضغوط العديد من شركات الدواء الخاصة والمتعددة واضعاً المصلحة العامة فى المقدمة ..... وغادر سلام المنصب فجأة!
المشهد الثانى بعده بعدة سنوات عندما نظمت شركات الدواء الخاصة والمتعددة الجنسية مؤتمراً بفندق ماريوت لممارسة ضغوط على وزير الصحة محمد عوض تاج الدين لإصدار قراراً بتحرير أسعار الدواء على منتجاتهم، وعدم إخضاعها للتسعير بحجة ارتفاع أسعار المواد الخام وسعر العملة ومارسوا كل أنواع الضغوط آنذاك مهددين بوقف انتاجهم للدواء. ورفض تاج الدين الضغوط وأصر على تسعير الدواء باعتباره سلعة استراتيجية تختص بصحة المصريين، ولا يجب إخضاعها لمعايير العرض والطلب. وبعدها أصدرت إحدى الجهات الدبلوماسية الاميركية تقريراً عبر السفارة الاميركية بجاردن سيتى، جاء فيه أن العلاقات المصرية التجارية المصرية الاميركية لا يمكن لها أن تستقيم فى ظل وجود وزير مثل "تاج الدين" .... وغادر "تاج الدين" المنصب فجأة! .
المشهد الثالث الوزير حاتم الجبلى وفريق عمله يبررون أحقية الشركات الدوائية لرفع أسعار الدواء بارتفاع أسعار الخامات الدوائية ويقدمون تسهيلات غير مسبوقة للشركات الخاصة والمتعددة وتعقيدات غير معهودة للشركات الحكومية العامة ...ولم يغادر الجبلى المنصب فجأة!
ماعلينا ... لا نستطيع أن نقول أن الصراع فى سوق الدواء وليد للمرحلة الجبلية فى وزارة الصحة لاننا بذلك نكون مجحفين .... فأزمة الصراع فى السوق الدوائى والتى تجلت فى تقويض قدرة وإضعاف الشركات العامة ( الضامن الوحيد لتوافر الدواء وتوازن سعره وجودته) وليدة المتغير الاقتصادى الناجم عن توجه جديد فى السياسة المصرية خاصة والسياسة العالمية عامة. هذا التوجه حمل أسماء كثيرة منها العالمية والعولمة والنظام العالمى الجديد وغيرها، وهى ايضاً أزمة ناتجة عن الخلط بين مفهوم السلعة الأستهلاكية والمستهدف تحريرها وإخضاعها لمعايير السوق وفقا للنظام العالمى الجديد وبين مفهوم السلعة الاستراتيجية والتى ترتبط بأمن البلاد وقوتها ومنها الدواء والسلاح .. هذا الخلط الذى أدى الى تطبيق معايير السوق الاستهلاكى على السلع الاستراتيجية وما استتبع ذلك من كوارث.
إذاً الوزراء السابقون كانوا يشغلون مناصبهم ويباشرون عملهم فى ظل نفس السياسات الموجودة الآن فما هو الفرق فى الأوضاع؟ الفرق أن السابقين لم يكونوا تروساً جامداً فى آلة يطبقون سياسات أو يحملون أسفاراً وإنما كانوا يحملون رؤية مجتمعية لطبيعة عملهم.... حقاً لم يناهضوا السياسات الجديدة ولم يرفضوا مفاهيم العلومة ولكنهم كانوا يرتدون "برقع الخشا " وهو الذى حولهم الى مقاومين للهجوم العنيف على سوق الدواء والصناعة الدوائية . الدكتور الجبلى أكثر وضوحاً وربما أكثر سفورا ... هاجم أداء المستشفيات العامة وخللها ( الذى نعترف به ) للترويج للمستشفيات الخاصة؛ يعترف بأحقية الشركات الخاصة برفع أسعارها لارتفاع المواد الخام، بينما يرفض تحريك أسعار أدوية الشركات الحكومية ومنها أدوية بقروش ولم يتحرك سعرها منذ أعوام طويلة بحجة الحفاظ على توازن السوق ومصلحة المريض الفقير، لا يساهم بأى جهد فى تطوير الشركات العامة بحجة انها تابعة لوزارة قطاع الأعمال وليس وزارته وهى الحقيقة التى دائماً تسقط من ذاكرته عند افتتاحه لشركة خاصة أو متعددة الجنسيات أو عندما يصرح بتسجيل دواء جديد لهذه الشركات أو عند إقرار التسعيرات المدللة للشركات الخاصة والاجنبية...المجحفة للشركات العامة .
ما أقوله لا يعنى أننى لا سمح الله ضد سياسات تحرير السوق أو ضد القطاع الخاص .. ولكن ما أعنيه هو أن العالم كله ـ رأسماليا كان أو غير ذلك ـ يفرق بين قواعد التعامل مع السلع الاستهلاكية وخضوعها لمعايير السوق وقواعد التعامل مع السلع الاستراتيجية وخضوعها لمعايير الامن القومى. العالم كله يفرق فى التعامل بين علبة السمن وعلبة الدواء .
آخر ما صرح به المتحدث الرسمى لوزارة الصحة وهو رجل فاضل قال " ليس من مصلحة الشركات رفع أسعار منتجاتها من الدواء لأن هذا سيؤثر على مبيعاتها" .. مقولة الدكتور عبد الرحمن شاهين المتحدث الرسمى – واؤكد مرة أخرى أنه رجل فاضل (ربنا يكفينا شر مخالفة ميثاق الشرف الصحفى ) - فكرتنى بعبارة كان يقولها لى عم "أبو المجد" بتاع الترمس الله يرحمه، كان يقول لى " تبيع رخيص .. تبيع كتير .. تكسب ياما " .. لكن للأسف يا دكتور – وأنت رجل فاضل - الناس ممكن ماتتعاطاش الترمس لو سعره زاد ، لكن لازم تحصل على الدواء!.

ليست هناك تعليقات: