نشرة الاخبار

الخميس، يناير 17، 2008

الاسى

شوقي عقل


سأل ابنته للمرة الثالثة منذ عاد الى المنزل
ما قالتش رايحة فين؟
لأ يا بابا
كانت البنت الصغيرة ترتعش، قبضة يده تقبض بقوة على كتفها، خافت ان تقول له انها تتألم، اخذت دموعها تتساقط بهدوء ، في ركن الغرفة الصغيرة كان اخويها الصغيرين جالسين صامتين، حين رأى علاء الصغير اخته تبكي اخذ يبكي هو الاخر، التفت الاب اليه ثم سألها بغضب
بتعيطي ليه؟
اصل ايدك بتوجعني
ترك كتفها، انزل يده الى جانبه، جذبها اليه وقبلها على وجنتها
معلهش، ماخدتش بالي
قالت البنت من خلال دموعها
معلهش، مش بتوجعني قوي، اعملك العشا؟
نظر الرجل الى الولدين بثبات ورد ببطء
لا، مش جعان قوليلي، ماتخافيش، قالتلك ايه؟
والله زي ما قلتلك، بلاش تمسكني، قالت انها مش حا ترجع الا لما تشوفلك حل في مصروف البيت ومصروف المدرسة
بس كده؟
قالت انها ماتقدرش تفضل تعيش تتخانق معاك على طول
قال حسن اخوها الاصغر مسترضيا
بلاش يابابا المدرسة، اقدر اشتغل واجيب فلوس معاك
نظر اليه الاب قليلا، عاد وسألها ثانية
ونزلت مع عم سيد؟
ايوه
قالتها ونظرت الي الارض
اعادت ثانية
اعملك عشا؟
لأ، ماليش نفس

اشعل سيجارة اخرى، كانت سيجارته الاخيرة مازالت مشتعلة بالمنفضة، نظر الي الولدين نظرة ثابتة، اخذ الصغير يبكي، صاح به ان يصمت، لكنه اخذ يبكي بصوت اعلى، صاح قائلا انه يريد ان يذهب لامه
كانت زينة ترقبه، قامت واحتضنت اخاها الصغير وربتت عليه حتى هدأ، قالت لأباها
كفاية سجاير يابابا، صدرك يتعب
نظر اليها ثم ابتسم بحنو، قام ودخل الى غرفة النوم، عاد ثانية، قال
دي خدت كل حاجة
ردت زينة بخفوت
ايوه
وانتم حاتعملوا ايه؟
ردت زينة بسرعة تطمئنه
حانروح المدرسة، انا ممكن اقعد في البيت اطبخ وانضف لكم، ماما علمتني
ابتسم ابتسامة غريبة
واسيبكم لوحدكم
ما تخافشي علينا، احنا بنعرف نعمل كل حاجة لوحدنا
كان ينظر لهم نظرة ثابتة ثقيلة، سأله حسن ابنه الاوسط ان كان يستطيع ان يفتح التلفزيون، لم يرد بسرعة، ولكنه قال بعد قليل
ما اقدرشي اسيبكم للدنيا لوحدكم!
قالت زينة بخوف
بيقولك ممكن يفتح التلفزيون يا بابا؟
اه، طبعا، اتفرجوا على التلفزيون، حانزل اجيبلكم عشوة حلوة
تساءل حسن فرحا
ايه؟
كباب وكفتة، ولو عايزين شوكلاتة اجيبلكم كمان
قال الصغير
ايوه، عاوز شوكلاتة كتير
قالت زينة
ماتتأخرش
لم يغب كثيرا، اخذ يرقبهم وهم يأكلون، لا يتذكر اخر مرة احضر لهم فيها عشاءا مثل هذا، كانت الفلوس الموجودة لا تتحمل مثل هذا الترف ولكنه قال لنفسه (ما عدتش الفلوس ليها لازمة) بعد ان انتهوا وزع عليهم الشوكلاتة، جاء الصغير وجلس في حضنه وهو يأكل لوح الشوكلاتة، اقترب منه حسن مترددا، فجذبه وضمه اليه، فجأة انهمرت الدموع من عينيه بقوة، لم يستطع ان يتمالك نفسه، ضمهم بشدة اليه، ثم افلتهم وطلب منهم الذهاب للنوم
علشان تعرفوا تصحوا المدرسة
قالت زينة
لكن لسه بدري يابابا، الساعة لسه تسعة، وماما بتخلينا صاحيين للساعة عشرة
معلش، قوموا ناموا
وضعهم في فراشهم، قبلهم واحتضنهم طويلا، كانت زينة ترقبه وخوف غامض يتملكها، قالت له
حتنام؟
ايوه، بعد شوية
تصبح على خير
اغلق باب الغرفة وراءه، عاد الى الصالة، بحث عن سجائره، كانت قد نفدت، نزل ليشتري علبة سجائر، اشترى معها حبلا طوله ثلاثة امتار، اخذ يشده ليختبر متانته، عاد الى شقته، كانوا قد ناموا، قرر ان يتنظر حتى يتأكد من نومهم، جلس يرقب فيلم عربي، رحلة الى مكان ما، الوقت يمضي بطيئا،بعد ان انتهى الفيلم، دخل غرفتهم، كانوا مستغرقين في النوم، قام واحضر كرسي ووضعه فوق منضدة عالية، ربط الحبل في خطاف بالسقف، تعلق به، لم ينحل، صنع انشوطة واسعة، اختبرها حول عنقه، كانت مناسبة حانت اللحظة الصعبة، لن اتركهم للدنيا وحدهم، احضر منشفة كبيرة ووضعها تحت صنبور المياه بالحمام، دخل الى غرفتهم، كانت زينة مستغرقة في النوم، اجمل البنات، حبيبته الحنونة، وقف يرقبها بحب، وضع المنشفة المبللة على وجهها، ضغط بقوة حتى لا تتحرك وتوقظ اخويها، كان الجسد الحبيب يتحرك بعنف محاولا الخلاص، امسكت يدها بقميصه مستغيثة، كادت قبضته ان تضعف، انبعثت ضجة من الشارع، خناقة، الاصوات عالية غاضبة، اصوات تكسير وصراخ عالي، شدد قبضته، تراخى الجسد الصغير وسكنت حركته تماما، كان حسن اسهل، لم يستغرق كثيرا، كادت دموعه ان تعيقه، لم ير شيئا، علا نشيجه، خاف ان يستيقظ الصغير فييرتعب من المشهد، لم يستيقظ، نومه عميق، اقترب منه، حمله فأحس بدفء الجسد الصغير، احس بذراعيه تحتضنانه وتتثبان به، ذهب الى الحمام، وضع رأسه في حوض مملوء يالماء، ادار وجهه بعيدا حتى خمدت حركة الجسد الصغير، عاد به الى الغرفة، امسك بمنشفة نظيفة وجفف بها رأسه، ثم جفف وجه زينة وحسن، رفع رؤوسهم برفق ورتب الوسادة اسفلها، اراحهم بعناية على الوسادة، احكم الغطاء حولهم ثم انحنى عليهم وقبلهم، احتضن زينة طويلا واخذ يتأملها، كانت تشبهه، عاد الى الصالة، كانت الانشوطة تتدلى من السقف، صعد على الكرسي ووقف طويلا عليه، وضع الانشوطة حول عنقه، جذبها حتى ضاقت، لم يبق الا ان يركل الكرسي ويسقط ويستريح، لن يراهم بعدها، صورتهم لا تفارق عينيه، لم يعد يرى شيئا سواهم، الموت سيكون رحمة له من النار التي تأكل قلبه وتشتعل في احشاؤه، انهم هناك لا ذنب لهم، هو من احضرهم للدنيا، لاذنب لهم، زينة الحنونة الحبيبة، الموت رحمة له، الموت رحمة لا يستحقها، حل الانشوطة من على عنقه، نزل الى الارض، ساقاه لا تتحملانه، جلس علي الارض مادا ساقيه، ضم رأسه بذراعيه، اخذ ينحني الى الامام والخلف، ارتفع صوته بالنحيب، لم يعد يحتمل حزنه، جاء الجيران مسرعين على صوت عواء غريب، حطموا الباب، وجدوه مفترشا الارض وهو يصرخ، الموت رحمة

ليست هناك تعليقات: