نشرة الاخبار

الثلاثاء، أبريل 29، 2008

يا صحفيي مصر ..... استيقظوا

محمد منير
كشف الاشتباك العنيف في نقابة الصحفيين، عندما قام عضو مجلس النقابة و6 أشخاص بمنع نقيب الصحفيين بالقوة من استضافة مؤتمر نظمته جماعة «مصريون ضد التمييز» بدعوي الدفاع عن الإسلام من مخاطر البهائيين المشتركين في المؤتمر، عن حقائق تستحق التوقف والتفكير، ومخاطر غير بسيطة علي مستقبل مهنة الصحافة في مصر.
ما علينا من تفاصيل الأحداث فالقائمون عليها، خاصة عضو مجلس النقابة الذي قاد الهجوم معروفون جيدا في المجتمع الصحفي، وبالتالي لن «يخيل» علي أحد أن وراء ما فعلوه غيرة علي الإسلام، والأغراض متعددة والغرض مرض، لكن ردود الأفعال كشفت عن أمور أكثر أهمية ودعونا نستعرض البعض منها.
السيد نقيب الصحفيين تحول بقدرة قادر إلي مدافع عن دور النقابة كقلعة للحريات يحق لها استضافة كل الاتجاهات والآراء، وكما قال نصا: «كماي يدخل محمد النقابة يدخل حنين»، ومن قبل كان مهاجما شرسا للمجلس السابق لأنه فتح أبواب النقابة علي مصراعيها للاتجاهات السياسية والعقائدية وبني كل دعايته الانتخابية علي ذلك، بل إنه دعا لعضو مجلس النقابة «الذي منعه من إقامة المؤتمر» أثناء الانتخابات دعاية شديدة باعتباره ضميرا حيا، فجأة انقلبت الأمور ووصف النقيب سلوك عضو مجلس النقابة والذين معه بأنه اغتصاب لدور النقابة في الدفاع عن الحريات.
وحقيقة الأمر أن الموقف الأخير للنقيب، والذي تعاطف معه الكثيرون وأصدروا بيانات تضامن معه باعتباره موقفا ديمقراطيا ليبراليا، لم يكن نابعا من قناعة بالليبرالية والديمقراطية، فقد كان النقيب مكرم عضوا شرسا بل قائدا لجماعة اغتصاب دور النقابة في الدفاع عن الحريات والتعبير عن ضمير الأمة، وخطاباته أثناء الانتخابات موثقة، ولكنه لأسباب قد تختص بقدراته التي عفي عليها الزمن لم يستطع القيام بالاغتصاب كما يجب، ولم يصبح أمامه إلا دور البطولة العفيفة حاله في ذلك حال الكثيرين من الأبطال.
الإخوان المسلمون موقفهم أكثر سهولة واتساقا فاللاعبون في الملعب كلهم من خارج الجماعة وينطبق عليهم دعوة «اللهم سلط الكفار بعضهم علي بعض»، ولكن لا مانع من إلقاء بعض الأفكار والخطط لكل الفرق في الملعب لتحمية اللعب وضمان عدد وفير من الأهداف تتلقفها شباك الجماعة خارج الملعب، فتارة يهاجمون المؤتمر وتارة يهاجمون من يهاجمون المؤتمر.
أما اليسار، خاصة من أعضاء حزب التجمع فموقفه يشبه موقف الخواجة كوهين تاجر الساعات عندما مات ابنه فنشر نعيا يقول فيه: الخواجة كوهين ينعي ابنه ويعلن عن وصول أجود أنواع الساعات، تلقف التجمعيون الحدث واستضافوا المؤتمر وأصدروا البيانات والاحتجاجات التي تكشف في سطرين منها عن رفضهم لما حدث في النقابة وفي سطور عن دورهم العظيم في التضامن، واكتفوا بوفد استعراضي قابل النقيب لتسليمه وثيقة الدعاية التجمعية، والتزموا بهذه الحدود التي أبرزوها إعلاميا بوصفهم قادة الدفاع عن الحريات والديمقراطية في مصر، وهي رسالة بمثابة كشف إنتاج يعلم الجميع لمن يوجه ولماذا وربنا يرزق الجميع.
جماعة «مصريون ضد التمييز» نفسها وقعت في المحظور ولم تحصن نفسها من تسرب المرض إليها أثناء مواجهته.. بدأت الجماعة بهدف مواجهة جميع أنواع التمييز في مصر، وخاصة التمييز الديني، وهو ما يعني نشر ثقافة الديمقراطية والانتماء الوطني في مواجهة ثقافة وخطاب التمييز الديني، وهو ما لم يحدث بل الأسوأ، تحولت الجماعة إلي مجرد «هايد بارك» جديد يمارس فيه أصحاب الديانات والعقائد المختلفة دعايتهم لدياناتهم ومعتقداتهم دون الالتفات إلي الهدف الأساسي، وهو تغليب الخطاب الوطني علي الخطاب الطائفي، وهو ما دعا المحامية النشطة صفاء زكي مراد أحد المؤسسين للجماعة إلي تقديم استقالتها والتي جاء فيها: «أصبحت المجموعة عبارة عن خليط من المنتمين للديانات المختلفة كل يتكلم باسم ديانته وعن مشاكل وقضايا طائفته الدينية، وغاب تماما الخطاب الديمقراطي الجامع الوطني وقد تجلي ذلك في سيل الرسائل التي تحمل طابعا دينيا طائفيا بينا، وفي مهاجمة أي خطاب يربط بين قضية التمييز الديني وبين القضايا الوطنية والديمقراطية وسياسات الحكم التمييزية».
وأخيرا الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين والتي انعكست عليها كل أمراض المجتمع من تخلف وجهل غير محمية بقيم وقواعد مهنية خاصة بعد اقتحام عضويتها طبقا لمخطط منظم بمن هم غير مهنيين وأصبحوا يشكلون أكثر من 60% من عضويتها، وبالتالي فمن المنطقي أن يتحول أداء نقابة الصحفيين من الدفاع عن الحريات وعن قيم الديمقراطية والليبرالية إلي الأداء المتخلف التابع لجماعات الضغط والتخلف السائدة في المجتمع والتي نجحت في اختراق الجمعية العمومية للصحفيين بدفع عناصر ليست مهنية وتابعة لهذه الاتجاهات للحصول علي عضوية النقابة بوسائل مختلفة.
وإذا كان الحل المعتمد علي تطهير جداول العضوية شبه مستحيل، فإني أقترح أن توضع ضوابط صارمة لعضوية النقابة تفتح الباب بسهولة أمام أعداد كبيرة من المهنيين للالتحاق بعضويتها وإغلاقه تماما أمام جحافل التخلف وجماعات الضغط، وبالتالي نضمن علي الأقل ضبطاً في ميزان التمثيل النقابي، وإن لم يحدث هذا في أسرع الوقت فيقيناً ستنتهي هذه النقابة بكل تاريخها في أقرب وقت.
تم نشرها فى جريدة البديل فى 28/4/2008

الأحد، أبريل 06، 2008

البلد " مستنية "

نشر على موقع اليوم السابع 5/4/2008
محمد منير
اعتدت صباح كل يوم أن أتصل بأختى تليفونياً كتعويض تكنولوجى عن انقطاع صلة الرحم بسبب المشاغل اليومية للحياه ... وهى مكالمات غالباً ماتكون بمثابة " تصبيرة هوا " عن هموم كثيرة لايمكن أن يتصارح بها إلا الاشقاء .
اليوم قالت لى اختى بكرة العصيان العام للشعب المصرى فى مواجهة الغلاء وسألتنى تفتكر حيحصل ايه ؟ .. فأجابتها اجابتى المزمنة " معرفش " وكان ردها " ادينى مستنية لما نشوف حيحصل ايه " ، وهنا تذكرت إن مش اختى بس اللى "مستنية" ... البلد كلها "مستنية" ... هذا حال كل من قابلتهم خلال الايام الاخيرة .
سألنى ضميرى اللعين " إذا كانت البلد كلها مستنية اللى حيحصل ... طيب مين اللى حيعمل اللى مستنياه البلد ؟"
حاولت أن أهرب منه ومن سؤاله فما من مرة تحاورت مع ضميرى الخبيث إلا واصابنى ضرر بالغ ، ولكنى كالعادة فشلت وارتميت فى احضان قدرى وتحاورت معه :
البلد طول عمرها " مستنية" الولد ، والولد والحمد لله غالباً مايظهر عندما تتحرج الامور ، والولد كما هو معــروف " بيقش " .
عندما كنت اسمع عن الثورة الفرنسية ودروسها واتعايش مع قصصها الدرامية الرئعة لم اقابل ابداً أى ولد ، فقد كانت القصص كلها منصبة حول ثورة وبطولة شعب ، اما فى دروس التاريخ المصرى لم اقابل نهائياً الشعب ..فقــــط ما درسته حركة عرابى وثورة سعد زغلول وجهاد مصطفى كامل وأخيراً الثورة الناصرية المباركة .
وطوال حياتى المملة كان الابطال الاشخاص هم الهدف للبلد حتى اننى حاولت فى فترة مراهقتى " الممتدة حتى الان " أن اقوم بدور الولد البطل ، وبصرف النظر عن نتائج محاولاتى هذه إلا أن من حاولت أن اكون " ولدهم " الاسطورى ما زالوا فى انتظار الولد .
قاد " ادهم الشرقاوى " جيشاً من المتمردين فى حركة عفوية ضد الاقطاع والانجليز فى مصر .. ولأن الحركة هى ملك ضمير الولد فقط نسى التاريخ كل افرادها الذين قدموا حياتهم ومصائرهم فداء لها وتذكروا الادهم وبالغ التاريخ فى تجميل صورته حتى تحول الى اسطورة شعبية تغنت بها البلد عشرات السنين .
الحقيقة الثابته أن كل ثورات الولد وتمرداته لم تخلص الشعب المصرى من احتياجه الدائم وانتظاره له فالظلم والقهر والفقر والفساد صفات كانت دائما فى حصن منيع من حركات وتمردات كل الاولاد المصريين ، بل ان الاتجاه الجديد وخبرة الالعاب السياسية خلقت نوعاً من التحالف بين هذه الصفات والولد فى صيغة اسماء كثيرة مثل " الحوار المتدمن و نبذ العنف والسلام الاجتماعى " ، وهو ما جعلنا نسمع عن زعيم معارض يتفاخر بأن ممثلى الحكومة القوا عليه بال " بونبونى " بعد أن طالبهم فى مجلس الشورى بالاستقاله ، وهو ايضا ما حكم علينا أن نعيش لترى حكومة تؤسس الاحزاب المعارضة لها وتتدخل فى اختيار قيادتها وتعينهم فى مجالسها التشريعية ، وايضاً هو ما جعلنا نرى رموز الاولاد من اصحاب الاتجاهات " الثيوقراطية " السماوية يتحالفون مع جلادين الشعب للحصول على بضعة كراسى وثيرة فى التشكيلات الوهمية للنظام وهم فى سبيل ذلك يقدمون كل انواع الاستعاذة من الشيطان الرجيم ليقيهم الله شر حقد وثورة الجياع .
أشياء كثيرة حدثت ، واشياء كثيرة ستحدث طالما البلد " مستنية " الولد ، وطالما الولد مازال " بيقش " وعرف مصلحته فين ! الخوف أن يأتى الولد الجديد من خارج البلد ، وفى هذه اللحظة لن يكون هناك لا ولد

الخميس، أبريل 03، 2008

الـمُـغـفّـلــة

من روائع: أنطون تشيكوف
منذ أيام دعوتُ الى غرفة مكتبي مربّية اولادي يوليا فاسيليفنا لكي أدفع لها حسابها
قلت لها: اجلسي يايوليا.. هيّا نتحاسب.. أنتِ في الغالب بحاجة إلى النقود، ولكنك خجولة إلى درجة انك لن تطلبينها بنفسك.. حسنا.. لقد اتفقنا على ان ادفع لك ثلاثين روبلا في الشهر
قالت: أربعين
قلت: كلا، ثلاثين.. هذا مسجل عندي.. كنت دائما ادفع للمربيات ثلاثين روبلا.. حسناً، لقد عملت لدينا شهرين
قالت: شهرين وخمسة أيام
قلت: شهرين بالضبط.. هكذا مسجل عندي.. اذن تستحقين ستين روبلا.. نخصم منها تسعة ايام آحاد.. فأنت لم تعلّمي كوليا في أيام الآحاد بل كنت تتنزهين معه فقط.. ثم ثلاثة أيام أعياد
تضرج وجه يوليا فاسيليفنا، وعبثت اصابعها باهداب الفستان ولكن.. لم تنبس بكلمة
*******
واصلتُ: نخصم ثلاثة أعياد، اذن المجموع اثنا عشر روبلا.. وكان كوليا مريضاً اربعة ايام ولم تكن دروس.. كنت تدرسين لفاريا فقط.. وثلاثة أيام كانت أسنانك تؤلمك فسمحتْ لك زوجتي بعدم التدريس بعد الغداء.. اذن اثنا عشر زائد سبعة.. تسعة عشر.. نخصم، الباقي ..هم.. واحد واربعون روبلا.. مضبوط؟
احمرّت عين يوليا فاسيليفنا اليسرى وامتلئت بالدمع، وارتعش ذقنها.. وسعلت بعصبية وتمخطت، ولكن.. لم تنبس بكلمة
*******
قلت: قبيل رأس السنة كسرتِ فنجانا وطبقا.. نخصم روبلين.. الفنجان أغلى من ذلك، فهو موروث، ولكن فليسامحك الله! علينا العوض.. وبسبب تقصيرك تسلق كوليا الشجرة ومزق سترته.. نخصم عشرة.. وبسبب تقصيرك ايضا سرقتْ الخادمة من فاريا حذاء.. ومن واجبك ان ترعي كل شئ، فأنتِ تتقاضين مرتباً.. وهكذا نخصم ايضا خمسة.. وفي 10 يناير اخذت مني عشرة روبلات
همست يوليا فاسيليفنا: لم آخذ
قلت: ولكن ذلك مسجل عندي
قالت: حسناً، ليكن
واصلتُ: من واحد واربعين نخصم سبعة وعشرين.. الباقي اربعة عشر
امتلأت عيناها الاثنتان بالدموع.. وظهرت حبات العرق على انفها الطويل الجميل.. ياللفتاة المسكينة
قالت بصوت متهدج: أخذتُ مرة واحدة.. أخذت من حرمكم ثلاثة روبلات.. لم آخذ غيرها
قلت: حقا؟ انظري، وانا لم اسجل ذلك! نخصم من الاربعة عشر ثلاثة، الباقي احد عشر.. ها هي نقودك يا عزيزتي! ثلاثة.. ثلاثة.. ثلاثة.. واحد، واحد.. تفضلي
ومددت لها احد عشر روبلا.. فتناولتها ووضعتها في جيبها بأصابع مرتعشة.. وهمست: شكراً
*******
انتفضتُ واقفا واخذتُ أروح واجئ في الغرفة واستولى عليّ الغضب
سألتها: شكراً على ماذا؟
قالت: على النقود
قلت: ياللشيطان، ولكني نهبتك، سلبتك! لقد سرقت منك! فعلام تقولين شكراً؟
قالت: في أماكن أخرى لم يعطوني شيئا
قلت: لم يعطوكِ؟! ليس هذا غريبا! لقد مزحتُ معك، لقنتك درسا قاسيا.. سأعطيك نقودك، الثمانين روبلا كلها! هاهي في المظروف جهزتها لكِ! ولكن هل يمكن ان تكوني عاجزة الى هذه الدرجة؟ لماذا لا تحتجين؟ لماذا تسكتين؟ هل يمكن في هذه الدنيا ألاّ تكوني حادة الانياب؟ هل يمكن ان تكوني مغفلة الى هذه الدرجة؟
ابتسمتْ بعجز فقرأت على وجهها: يمكن
سألتُها الصفح عن هذا الدرس القاسي وسلمتها، بدهشتها البالغة، الثمانين روبلا كلها.. فشكرتني بخجل وخرجت
تطلعتُ في اثرها وفكّرتُ: ماأبشع أن تكون ضعيفاً في هذه الدنيا