نشرة الاخبار

الأربعاء، يوليو 16، 2008

الحياة البديلة وصديقي الأفوكاتو


تم نشره على صفحات جريدة البديل فى 15/7/2008
محمد منير*
فرضت علينا الحياة في مصر فلسفة نستطيع تسميتها بفلسفة البدائل، وكنت حتي وقت قريب أعتقد أنني الوحيد الذي يعمل بهذه الفلسفة والتي تضع البديل الحياتي في مقدمة عن الأصل، ولكن بعد انخراط وجداني الذاتي بجموع طبقات الشعب العاملة أيقنت أن فلسفة البدائل هي أكثر الفلسفات شعبية في مصر. فجر يوم من الأسبوع الماضي كنت أقضي سهرة حتي مطلع الفجر أتبادل الأفعال والانفعال مع الشبكة الإلكترونية التي هي البديل لي عن عدم مقدرتي علي الانخراط في مجتمع مؤسسات الصحافة المطبوعة بسبب "الخرم" في رأسي الذي سببته شرارة من لمبة فاسدة انفجرت أثناء محاولتي تغيرها وهي انفجارات معروفة جيدا في مصر. ما علينا، أثناء تحميلي لأحد البرامج المهمة من الشبكة انقطع التيار الكهربائي وهو ما يعني ضياع الجزء الذي حملته عبر ما يقرب من ساعة، وعاد التيار بعد ساعة لأبدأ التحميل مرة أخري ولينقطع التيار مرة ثانية. انتابتني حالة من الغيظ الأحمق وأنستني وضعي المتدني كمواطن في هذا المجتمع ودفعتني الحماقة إلي الاتصال بإدارة الكهرباء لأقدم شكوي ضد ماتصورت في لحظات انفعالي أنه وضع خطأ يجب تعويضي عنه أو حتي الاعتذار لي بصفتي مواطناً متضرراً خاصة إنني متأثر بما كنت قد قرأته منذ عشر سنوات حول احتفال موسكو بمرور مائة عام علي عدم انقطاع التيار الكهربائي بها .
جاءت إجابة موظف شكاوي الكهرباء علي احتجاجي وبعد مناقشة سريعة لتؤنبني علي عدم شراء مثبت كهربائي يحفظ لي ما أقوم به في حالة انقطاع التيار بديلاً عن أي أضرار بسبب انقطاعه، ولم أستسلم وخاصة إنني من المتفزلكين فقلت له "افرض يا أخي ده حصل في مستشفي، أجابني بفزلكة أسرع "المستشفيات فيها مولدات" وعندما أفهمته أن هذه المشكلة حدثت منذ أسابيع في مستشفي حكومي وأدت إلي موت العديد من الأطفال، أطلق رده الاستنكاري: "ليه الناس ما بتروحش مستشفيات خاصة محترمة بديلاً عن البهدلة".. وانسحبت مهزوماً بكل "فزلكتي" التي ضعيت خمسين عاماً علي تنميتها. تذكرت ابنة بنت خالتي عندما رأيتها تخزن المياه المعدنية ولما حاولت ان أوجه لها نصح بطريركي بأن ما تفعله كثير التكلفة قالت لي إن هذه المياه بديلاً عن المياه الملوثة التي تنزل من الحنفية وأصابت ابنها الصغير بدوسنتاريا صرفت علي علاجها أضعاف سعر المياه المعدنية.
وبمناسبة العلاج تذكرت رحلة أمي مع العلاج التي انتهت بموتها إثر إصابتها بالمرض الخبيث وكانت خطتنا في علاجها تستند إلي فلسفة البدائل، وهو ما يعني أننا من الرواد، حيث كنا نتوجه إلي الأطباء المعالجين في عيادتهم الخاصة بديلاً عن الإهمال والتطنيش في المستشفي الموجود بها نفس الأطباء.
وذكرني الطبيب الخصوصي بالدروس الخصوصية التي تتعاطاها بناتي في كل مراحل التعليم بديلاً عن "غتاتة" مدرسهم في الفصل، حتي إن أحد المدرسين اصبح يتقاتل كل عام من أجل توزيع بناتي علي فصوله باعتبارهم مصدراً لـ "حسنة مخفية". والخصوصية ليست في الطب والتعليم فقط وإنما وصلت إلي الرياضة حيث ذهبت ببناتي إلي النادي العريق لإشراكهم في لعبة رياضية قد تأخذهم إلي الأوليمبياد فتعوضهم عن الفقر بسبب المهنية التي غاص فيها أبوهم فوجدت اشتراكاً شهرياً في اللعبة مختلفاً عن اشتراك النادي فدفعته مدفوعاً بأمل الأوليمبياد، ولكنني لم أسلم من غارات فلسفة البدائل حيث وجدت دروساً خصوصية في اللعبة مقابل مبلغ كبير كل تدريب بديلاً عن تجاهل المدرب وإهماله للاعبين في الملعب.
مساء أمس كنت أجلس مع صديقي "الأفوكاتو" وهو محام مغمور، امتهن المحاماة بسبب دخوله كلية الحقوق إثر حصوله علي مجموع ضعيف في الثانوية وانخرط في المهنة بديلاً عن حياة الفقر الممتدة في سلسال عائلته والتي لم ينحرف نشاطها عن تجارة "الورور ـ الفجل"، وهو أيضاً مشتاق لقضية يرفعها بصفته مواطنا صالحاً ضد أي شخص يتعرض لأي من أولي الأمر دفاعاً عن كرامة الوطن لعله ينال شيئا من الرضا فيتغير نشاط سلسال أهله من تجارة "الورور" إلي تجارة أكبر.
قال لي الأفوكاتو المؤمن مثلي بفلسفة البدائل: "أنا بأعد دراسة أقدمها للحكومة" فسألته " عن إيه؟ أجابني: عن ضريبة ثانية تفرضها الحكومة علي المواطن الذي يلجأ إلي الخدمات البديلة عن الخدمات التي لم تقدمها الحكومة من الضريبة الأولي"!

------------------------------
* صحفي
mohamedmonirus@hotmail.com

ليست هناك تعليقات: