نشرة الاخبار

الأربعاء، يوليو 30، 2008

الطبقة الوسطى.. هي الحل!

محمد منير
mohamedmonirus@hotmail.com
اليوم عيد ميلادي، وأنا حزين جدًّا فالثلاثة والخمسون عامًا التي مرت من عمري؛ أكدتْ عدم صدق ما قاله "ناظم حكمت" من أن أجمل أيام العالم لم توجد بعد. أما حدث بالنسبة لي؛ فهو أن أجمل أيامي هي التي مضتْ بالفعل!!
فـأنا ابنٌ شرعي للطبقة الوسطى التى اندثرت، والتي لم تعرف إلا الأبناء الشرعيين.. وقد اندثرت تلك الطبقة بكل قيمها وحلوها وحلوها؛ فلم يكن لها ُمرّ.. تلك الطبقة التي تجاوزت قيمها كل الأفكار والأيديولوجيات.
ففكر الطبقة الوسطى لم يُفرِّق بين اليساري واليميني، ولا بين المسلم والمسيحي، ولا أي ديانة أخرى.. فقد استوعب كل المصريين، وهو فكر الأمة بكل طوائفها بحلوها ومرها، ولا عجب أن نجد أول خطة لتدمير هذه الأمة تعتمد على تخطيط منظم للقضاء على قيم وأخلاق وفكر تلك الطبقة، وأصبح من السائد الآن أن أفكار الطبقتين المتطرفتين تلف وتنغمس داخل كل الفئات، والأفكار تحيط باليساري واليميني، والمسلم والمسيحي، والمثقف والمدعي!
وكأن القدر يُريد أن يَزيد من سخريته فى يوم عيد ميلادي؛ حيث اعترتني حالةُ حزنٍ على أحد رموز تلك الطبقة المخرج يوسف شاهين، الذي كانت ولا تزال أفلامه تأريخًا دقيقًا لفكر وقيم وهموم تلك الطبقة الرائعة.
ولأني للأقدار عبدٌ؛ انتهى بي الأمر في وظيفة صحفي، واختلط أكل العيش بالفكر وحدود الحرية وهى حالة "منيلة".. ما علينا؛ توجهتُ بفعل جدعنة بقية من أيام الطبقة الوسطى إلى العمل النقابي،
وبعد بُرهة قصيرة اكتشفتُ أن المناخ النقابى ليس منزهًا بذاته بفعل كونه نقابيًّا كما كنتُ أعتقد في السابق!
وبنظرة مقارنة بين أشياء كامنة في ذكرياتي وبين الواقع؛ تأكدتْ لي الأضرارُ التي أصابت هذا المناخ فى ظل انهيار فكر الطبقة الوسطى، وهو ما يستطيع أن يلمحه أيُّ مهتم؛ من خلال الفروقات بين برامج المرشحين لعضوية مجلس النقابة فى السبعينييات وبين برامج الألفية الثانية... برامج المرشحين وقتها ركزت على كرامة المهنة وتوفير مناخ لحرية التعبير، أما الآن؛ فقد ركزت على منح شقق، وجلب خطوط محمول، ووعود بامتيازات استهلاكية وصلت إلى حد تخفيضات فى محالات البقالة!!
باختصار؛ هو فرق بين تعريف الصحافة قديمًا بأنها "ضمير الأمة"، وبين تعريفها الآن بأنها "سلطة رابعة"!
ومن تجاربي المقارِنة أيضًا هو انضمامي لحركة اليسار فى مصر بفعل رومانسية فطرية أصابتني بسبب عدوى عائلية غير منظورة.. واليسار الذي انضممت إليه في السبعينيات وقبل "خوزقته" بالشرعية، كان يسارًا رومانسيًّا متأثرًا بفكر الطبقة الوسطى السائد آنذاك.. ولهذا؛ فقد كان تعبيرًا عن حالة نضال حقيقى جذبت إليها وجدان خِيرة شباب تلك الفترة، ومثلما حدث مع المناخ النقابى حدث مع المناخ اليساري؛ فهو غير منزه بذاته، وتحول أيضًا اليسار الرومانسي الثوري الجميل إلى عمدة رسمي بفعل عباءة الشرعية يجلس بجوار مخربين قيم وفكر الطبقة المندثرة!
وتحولت التصنيفات السياسية إلى مجرد ألقاب يقدم بها أصحابها في الإعلام؛ ليشكلوا حالة التوحد التي تستهدف القضاء على تلك الطبقة!
غرضي أقول إن النقاء والثورية والرومانسية.. الخ ليست أبناء الفكر اليساري، ولا التدين الشعبي، ولا اليمين.. إنما هي أبناء شرعيون لفكر الطبقة الوسطى التى تآمر عليها أبناؤها؛ فدمروها ودمروا أنفسهم.
ولهذا أتجرأ وأقول لأصدقائي في الإخوان: " الطبقة الوسطى هى الحل".
أنا لستُ سعيدًا بعيد ميلادي.

هناك تعليق واحد:

الصباغ يقول...

كل سنة وأنت طيب، يا أبو حميد. وكل سنة واحنا كلنا طيبين مع كلماتك الرائعة. الكلام اللي إنت قلته دا مهم بجد. والمصيبة إن كل واحد بيحاول يطلع من جلده بالكذب، أو بمواصلة الكذب، على نفسه وعلى الآخرين.
شكرا، يا سيدنا على مجموعة الأفكار التي قدمتها باختصار شديد في مقالك المختصر جدا.
أنا أعتبر ان هذه الأفكار هديتك إلىَّ في عيد ميلادك. أما أنا فهديتي المتواضعة مجرد أمنية بسيطة لك بالصحة ونور الذهن وصفائه.. ويخليك للعيال ويخليهم لك. فيه حاجة أجمل من كده!
حبي واحترامي وتقديري.
أشرف الصباغ