نشرة الاخبار

الخميس، أغسطس 21، 2008

البهجوري والتطبيع وأسف مؤسف



من جريدة الجمهورية باب " عالم واحد " الخميس 21/8/2008 م 20 من شعبان 1429هـ
بقلم: يحيي قلاش*
Yehia.khalash@yahoom.com
الحقائق الجديدة هي التي يمكن أن تخلق مواقف جديدة. وغير ذلك أمر يعوزه المنطق ويفتقد البراءة. والأشخاص والجماعات والمؤسسات والدول التي تعيد إنتاج معاركها بلا مبرر هي في الحقيقة تعبث أو تمارس اللهو أو الإلهاء وتكرس حالة من التخلف لا تعرفها إلا المجتمعات البدائية.
وفي قضية حظر التطبيع مع الكيان الصهيوني التي تبنتها النقابات المهنية والعمالية ومؤسسات المجتمع المدني منذ ما يقرب من 29 عاما. هل من حقائق جديدة علي الأرض أو علي ساحة الصراع تجعلنا نفكر في إعادة النظر في قضية التطبيع الآن؟ وهل فكرت جمعية عمومية واحدة لهذه التجمعات أن تجتمع وتضع علي جدول أعمالها جديدا بخصوصه؟ وهل الضمير الوطني الجمعي الذي صاغ هذه القرارات وظل يحرسها قد أبلغ أحدا أنه قد هده التعب ويريد التخلص من هذه التركة الثقيلة؟!
السيد مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين وحارس قرارات الجمعية العمومية والمؤتمن علي تنفيذها ومتابعتها مع مجلس إدارة النقابة يقف علي رءوس الأشهاد بمناسبة رسالة بعث بها إليه الفنان جورج بهجوري يسأله فيها إذا كان قد أخطأ في اشتراكه في معرض لرسوم الكاريكاتير زار إسرائيل ورام الله ليكون رده: "وضعتني رسالة بهجوري بين نارين. باعتباري صحفيا لا يري أي ضرورات تحظر علي الصحفيين السفر إلي أي مكان حتي وإن كان إسرائيل. لأن المهم أن ينقل الصحفي بعيون مصرية صورة صحيحة وأمينة لما يجري خيرا من أن يظل القاريء المصري فريسة لمصادر أخبار أجنبية. كثيرا ما تكون هذه الأخبار لصالح أهداف تنشدها. لكن صفتي كنقيب للصحفيين تلزمني أن أقول إن سفرك إلي إسرائيل حتي ولو من نافذة باص يحمل شعار هيئة الأمم المتحدة أمر يتعارض. مع الأسف. مع قرارات سابقة للجمعية العمومية لنقابة الصحفيين التي تعتبر ذلك تطبيعا للعلاقات مع إسرائيل دون مسوغ حقيقي!
إنه أسف مؤسف. كما أن وصف نقيب الصحفيين لقرار صادر عن جموع الصحفيين بأنه دون مسوغ حقيقي هو فاجعة بكل المقاييس وذلك لأكثر من سبب:
* إن خطاب بهجوري مرسل للنقيب بصفته وكان أمر عرضه علي المجلس واجبا لاتخاذ ما يراه مناسبا في ضوء قرارات الجمعية العمومية قبل نشره في الصحف وإبداء رأي شخصي فيه.
* إن قرار حظر التطبيع الذي صدر عن الجمعية العمومية للصحفيين في مارس عام 1980 عندما كان الأستاذ كامل زهيري نقيبا وشددت عليه أكثر من جمعية عمومية متعاقبة قد أكد علي "حظر كافة أشكال التطبيع المهني والشخصي والنقابي ومنع إقام أية علاقات مع المؤسسات الإعلامية والجهات والأشخاص الإسرائيليين حتي يتم تحرير جميع الأراضي العربية المحتلة. وتطلب الجمعية العمومية من أعضائها جميعا الالتزام الدقيق بقرارات عدم التطبيع. وتكلف المجلس بوضع أسس المحاسبة والتأديب لمن يخالف القرار".
* إن الدفع بتبريرات مهنية لكسر هذا الحظر مردود عليها باعتبار أن الذين أصدروا هذا القرار هم أبناء المهنة ولا يمكن أن يغفلوا ما يريد أن ينبههم إليه الآن السيد النقيب.
* إنه إذا استقر في ضمير النقيب وفقا لوعيه المهني والنقابي والوطني ما يتطلب إلغاء أو تعديل هذا القرار عليه عرض الأمر علي مجلس النقابة الذي يقوم - إذا وافق - بالدعوة لعقد جمعية عمومية لتقرير ما تراه في هذا الشأن. وإلي أن يحدث ذلك فليس أمامه إلا احترام إرادتها ومتابعة تنفيذ قرارها ومحاسبة كل من يخالفه أو يخرج عليه وإلا اعتبر ذلك دعوة لانهيار مؤسسة العمل النقابي.
لقد ذكرني هذا الموضوع بالضجة التي أثيرت في أغسطس عام 1997 عندما أصدر مجلس النقابة قرارا بإحالة الزميلين المرحوم لطفي الخولي. ود. عبدالمنعم سعيد للتحقيق لمخالفتهما قرارات الجمعية العمومية بحظر التطبيع. وكان يرأس اجتماع المجلس المرحوم جلال عيسي. لسفر الأستاذ مكرم - الذي كان نقيبا في هذه الدورة - للخارج. وحاول النقيب تغيير القرار. بعد عودته. لكن المجلس رفض فعمل علي تعطيل تنفيذه. واستضافت "مجلة المصور" الزميل عبدالمنعم سعيد في حوار مطول وجه فيه انتقادات لقرار المجلس وأعضائه مبنية علي مغالطات وخلط للحقائق. وحاولت أن أمارس حق الرد لكن النقيب الذي كان رئيسا لتحرير "المصور" في ذلك الوقت رفض النشر وبإصرار. كان قرار النقابة مثار جدل وحوار ساخن آنذاك وشارك فيه العشرات من كبار الكتاب والصحفيين عندما حاول البعض أن يخلط بين حرية الرأي وبين احترام تنفيذ القرارات الصادرة عبر الجمعية العمومية وعبر الآليات الديمقراطية أي بين الرأي والسلوك النقابي. وكتب نقيب النقباء كامل زهيري مدافعا عن قرار المجلس وعن قرار حظر التطبيع وضرورة محاسبة من يخالفه. وقال: "إن هذا القرار من صميم صالح مهنة تعمل بالرأي وتتفاعل مع الوجدان والضمير الوطني في كل عملها وإذا لم نحترم قرارات الجمعية العمومية أو تجاهلناها فهذا معناه هدم العمل النقابي من أساسه".
وأكد جلال عارف أن موقف الصحفيين من التطبيع واحد من المواقف العظيمة لهم. اتخذوه رغم الضغوط وتمسكوا به. وها هي الأيام تثبت صحة موقفهم. وقال: "إن النقابة لا تحاسب أحدا علي رأي آمن به وإنما علي سلوك قام به لا يمثل فقط خروجا علي قرارات الجمعية العمومية ولكنه يمثل أيضا إضرارا بمصالح النقابة وأعضائها الذين ترتبط مصالحهم بمصالح زملائهم في الوطن العربي".
وهكذا انتهي الجدل. الذي وصفه البعض في حينها بأنه من أهم المعارك الفكرية والسياسية الجادة. بالانتصار لموقف النقابة والانحياز لقرارات الجمعية العمومية.

-------------------------------------------------------------
* سكرتير عام نقابة الصحفيين الاسبق وعضو مجلس النقابة حالياً ومتوقف نشاطه بسبب استقالته احتجاجا على سياسة النقيب والمجلس .

ليست هناك تعليقات: