نشرة الاخبار

الأربعاء، نوفمبر 05، 2008

عفوا الدكتور .. شوقى السيد

نشر بجريدة البديل فى 26/10/2008
محمد منير*

mohamedmonirus@hotmail.com
طالعتنا جريدة الأهرام الحكومية يوم الأربعاء الماضي بمقال للدكتور شوقي السيد المحامي، عضو مجلس الشوري عن الحزب الوطني الحاكم، تحت عنوان: "عفوًا صاحبة الجلالة"، وقد ذيل العنوان بعلامتي تعجب(!!).
ينتمي مقال الدكتور شوقي إلي سلسلة المقالات والحملات التي تتوجه بالنقد إلي سلوك الجماعة الصحفية في مصر، باعتبارها جماعةً متجاوزة في احترام الحريات الشخصية للمواطنين.. هذه الحملات التي غالبًا ما تتم بمباركة رجال الحكم، وتنتهي بشكلٍ عملي بمشروعات للحد من تجاوزات الصحفيين ( كما يدعون!).
موضوع مقال الدكتور شوقي، يتناول قضيةًًً لا تزال تشغل الرأي العام حتي الآن؛ ولأنه محامٍ محنك، ويريد أن يضرب للصحفيين دليلاً عمليا علي احترام حرية الآخرين؛ فإنه أشار لأشخاص القضية بالرمز فقال: "قضية مقتل مغنية لبنانية مغمورة"، وقال أيضًا: "إن المتهمين رهن التحقيق ما زالوا علي قرينة البراءة".. إلخ.
وخارج المعايير؛ فالدكتور شوقي السيد في رمزيته تجاه الأسماء في تلك القضية التي لا يخفي أسماء أبطالها لجميع فئات الشعب المصري بمختلف أطيافهم وأعمارهم، حتي إنهم أطلقوا أسماء أبطالها علي لعب أطفال تغمر الأسواق!! ويذكرني الدكتور في لجوئه لترميز الأسماء؛ بمن يدخل محل فكهاني، ويطلب منه شيئًا مدورا، وأخضر من الخارج، وأحمر من الداخل!!
الدكتور شوقي يدافع بحرصٍ عن احترام الحرية الشخصية للمواطن. وهذا قولٌ حق نتفق معه فيه.. لكنه لو كان صادقـًا لما بدأ مقالة بالهمز واللمز علي الضحية اللبنانية بنصِّ العبارة التالية: "مقتل مطربة مغمورة لم يعرفها أحد إلا بعد قتلها.. عرفوا عنها كل شيء وساءهم ما عرفوه".
ربما صدق قول الدكتور شوقي فيما يخصُّ تعبير "مطربة مغمورة"، وربما كان هذا متكأً ومبررًا لعدم إثارة القضية بهذا الحجم، ولكنه تجاهل (ربما بقصد أو غير قصد) أن اهتمام الرأي العام بتلك القضية ليس مرجعه المطربة المغمورة؛ فهي خارج اهتمام هذا الشعب الغلبان، وأيضًا هي خارج قدراته وعالمه.. وإنما كان الاهتمام بسبب أن الطرفَ المُدَّعَي عليه هو أحد رموز التكدس بالثروة في بلدٍ باتت الصفة الأساسية لأبنائه الجوع!! والمُدَّعَي عليه أيضًا أحد رموز رجال الأعمال الأسطوريين القريبين من صُنَّاع القرار ومصير هذا الشعب البائس.. ومن هنا جاء اهتمام الصحافة والإعلام.
أيضًا نَسِي الدكتور شوقي السيد أن السبب الرئيسي في إحالة هذا الرمز للقضاء، لم يكن الإعلام المصري ولا الحكومة المصرية؛ وإنما بسبب ضغوطٍ خارجية وإعلام خارجي لولاه ربما ما كان الوضع كما هو الآن. فالضحية كما أوضح الدكتور شوقي بالمعايير المصرية الرسمية ليست في مركز المُدَّعَي عليه. وهذه الضغوط الخارجية اقترنت بتهديدات بقطع علاقات اقتصادية مع دول شقيقة.. ألا يشغل كل هذا الرأي العام؟!
الصحافة في تعريف حزب الدكتور شوقي هي «سلطة رابعة» وأنا شخصيا ومعي العديد من زملائي نتنازل عن تلك السلطة وهذا التعريف، ونتمسك بما تعلَّمناه واعتنقناه، بأن الصحافة هي "ضمير الأمة". وضمير الأمة يا دكتور شوقي لابد أن ينشغل بما تنشغل به الأمة ويهتم بهموم ومصير صغيرها قبل كبيرها وعوامها قبل صفوتها.
أتفهم إخلاص الدكتور شوقي لقضيته ولأصدقائه ولموكليه، وأُحيي حرصه علي أن يكون أول محامٍ يحضر التحقيق في القضية؛ مدافعًا عن المدعي عليه. وهو إخلاصٌ قلَّ في هذا الزمن، ووفاء غير بشري يتمتع به الدكتور شوقي أُحييه عليه ولكني أتعشم أن يفيضَ بجزءٍ من هذا الوفاء علي الغلابة والمساكين من هذا الشعب الذين أصيبوا بالهلع، عندما أعلنت الصحف غير المصرية طبيعة العلاقات التي أحاطت بالقضية، وكمية الأموال التي تم إنفاقها في تلك العلاقات؛ فزادتهم ألمًا علي ألم الجوع والحرمان.. ألا يشغل هذا ضمير الأمة يا دكتور شوقي؟!
تتحدث- وأنت نائب الحكومة- عن احترام الحقوق القانونية التي تمنع النشر في قضايا رهن التحقيق وبرغم أن هذا الأمر لا يؤخَذ علي إطلاقه؛ فإنني أتفق معك، وأدعوك أن تضمَ صوتَك لصوتي في وقف البيانات الرسمية التي تخرج من الحكومة، عند ترتيب قضية لأي من القوي السياسية في مصر تقول فيها ما قال مالك في الخمر عنهم وربما عن حياتهم الشخصية، وإلا فليتحمل الجميع المعيار الذي فرضتْه الحكومة علي الساحة في هذا الأمر.
وخارج الموضوع يا دكتور شوقي؛ فأنا أؤكد لك أن الجماعة الصحفية لن تقبل أي قيودٍ علي حريتها، وعلي جهودها في التعبير عن هذه الأمة.. حتي لو تسترت تلك القيود بقيم الشرف، ومهما تكن عناوينها: ميثاق شرف، أو مدونة سلوك.. فالحلال بين والحرام بين، والشعب ليس بغافلٍ عما يدور حوله!
ونصيحة أخيرة: لا تُقيدوا أبواب التعبير؛ فالتاريخ يؤكِّد أن تكميم الأفواه هو بداية الطريق لمصائر وأحداث كفي اللهُ مصرَ شرها.
---------------------------
* صحفى

ليست هناك تعليقات: