نشرة الاخبار

السبت، مارس 21، 2009

" قفف " الزمن

محمد منير
يقلقنى ويوترنى ويهيج افكارى تغير الثوابت .. فأنا ابن لزمن كان أميز ما فيه ثوابته سواء كانت خير او شر ..
فى الستينيات من القرن الماضى الذى انتمى الى اواخره اتحفنا الكاتب الفريد فرج برائعته " على جناح التبريزى وتابعه قفه ". والتركيز فى رائعة "الفريد فرج" كان على شخصية "التبريزى" التى نشرت الوهم حول نفسها بعد ان فقد كل ثروته ليضمن استمرار التفاف الناس حوله وكأى شخصية محورية كان له تابع " قفه " الذى هو كاتم اسراره ومنبع معلوماته وبوق دعايته ...هو المخلص الامين لسيده .. و" قفه " دائما ماتقف حدود صلاحيات مواهبه عند السيد .. فهو لا يستطيع خدمه سواه حتى لو طوقته الحاجة ولبسه الفقر .. ليس عن اخلاص انما هى نفسيه لا تعمل إلا تحت قيادة سيد ويرهقها البحث عن آخر .. وجزء كبير من عطاه السيد ومكافأته لقفته يكون من خلال التغاضى عن ما يحصل اليه من فتات امتيازات بإسمه .
وسواء كان هدف "الفريد فرج" فى مسرحيته الاشارة الى ثقافة الوهم التى اشيعت فى ذلك الوقت فى مواجهة الهزيمة أو غير ذلك فأن الشخصيات الدرامية كشفت عن ثوابت فى تركيبه شخصيات المجتمع أنذاك اميز ما فيها " قفه " التابع ..الهايف الملامح القوى التأثير.
والمنطق الانسانى الساذج يصور لنا ان التطور الطبيعى للعلاقة بين قفه وسيده ستنتهى بنفس الثبات الذى بدأ عليه بمنطق امثلة نفس الزمن " العين متعلاش عن الحاجب " .. وهو بالنسبة لابناء الثوابت مثلى نوعا من الاستقرار المريح بمنطق " اللى تعرفه احسن من اللى متعرفهوش " .. ولكن تأتى الأزمنة بما لا يشتهى المستقرون .. تولى قفه دفه القيادة بعبقرية دون أن يتخلى عن موقعه كقفه ودون ان يزيح السيد عن كرسيه .. ولعب الزمان بالمنطق فأصبح السيد تابع لقفه دون ان يفقد السيد وجهاته ولا قفه لحقارته .
اصبحت المقدرات بيد قفه وتغيرت ملامح شخصيته فظهرت له انياب ومطالب خاصه تجاوزت ماكان يحصل عليه من فتات السيد الذى قبع على كرسى السيادة فى خيلاء اشبه بالملكة الام فى انجلترا بينما تكاثرت القفف وامتلكت نواصى الامور ونشرت ثقافتها فى المجتمع من اهمها الاعلاء من شأن التافهين وتدمير المواهب والامكانيات خوفا من عودة المنطق الى مساره مرة اخرى فتفقد القفف ما سلبته سنوات الغفلة.
وملامح القفف ومظاهرها كثيرة فى مقدمتها ارتداء اثواب الريادة حتى لو لم تلائمهم فاصبحت الصورة اشبه بالمسخ الذى يرتدى رداءً جميلاُ شالحاً عليه كاشفاً لكل اعضائه البشعه .
اما ادوات القفف فمتعدده ابرزها الجهل الذى اصبح مصدر للقوه والخيلاء وامتلاك للمقدرات يقطرون بها علي البسطاء والموهبين بالقدر الذى يضمن استمرارهم فى فلك الحاجة ورغبة العودة للتحقق .
ما زال السيد مصدر كل البلاء قابعا فى قصره الخفى تتأكله الشيخوخه حتى تجاوز ما بعد الموت ..وما زالنا رافعين يد الحاجة نتناول بها الفتات ومسار الادوار المفروضه علينا مدثرين بغطاء الايمان بالاقدار لنؤمن طرق جديده لمزيد من القفف .

ليست هناك تعليقات: