نشرة الاخبار

الثلاثاء، يونيو 30، 2009

يحيى قلاش يتذكر معكم العيد الذي نسيه الجميع ويتساءل: هل قررنا الانتحار؟

10 يونيو.. يوم "انتفاضة الصحفيين"
* الأمم الحية لا تقضي عليها الأوبئة الفتاكة لكنها تفقد هويتها بسرقة تاريخها وتموت بمحو ذاكرتها .
* واقعنا ليس بخير ووحدتنا التي كانت رهاننا للانتصار في كل معركة أصابتها العلة وجهازنا المناعي معطوب .
* " سلطة شاخت في مواقعها" رسالة هيكل إلي الصحفيين التي كانت حدثاً مدوياً وأعطت وقوداً لمعركة طويلة .
* نذر كثيرة سبقت القانون 93 أكدت أن الصدور قد ضاقت وأن من منحك هامش حرية بالتسامح سوف يأخذه منك بالغضب .
* لم يكن إصدار قانون "حماية الفساد" مصادفة وكذلك ما نحن فيه الآن ولا يمكن للأجيال التي صنعت هذا اليوم أن تذهب بنفسها به إلى النسيان وتقرر الانتحار .
يحيى قلاش
ما الذي جرى حتى تتجاهل ذاكرتنا يوما مجيدا من أيام الصحافة المصرية ونضال أبنائها دفاعا عنها، يوما من أيام مصر نفخت فيه من روحها وهبت معنا دفاعا عن حريتها وتأكيد إدراكها بأن حرية الصحافة هي حرية الحريات وهي حرية كل مواطن في المعرفة والتعبير والمشاركة؟!
ما الذي جرى لذاكرتنا الجماعية حتى لا نتوقف هذا العام عند العاشر من يونيو الذي اختارته الجمعية العمومية للصحفيين في العام 1995 ليكون عيدا سنويا لحرية الصحافة "ويوم الصحفي" الذي نحتفل به في هذا اليوم من كل عام؟!
ما الذي جرى لنتجاهل جزءا من نضالنا وانتفاضتنا ضد القانون 93 لسنة 1995 الذي أطلقت عليه الأمة كلها قانون حماية الفساد في معركة امتدت لأكثر من عام؟
ما الذي جرى؟! لا الأمة تذكرت، ولا مؤسسة النقابة شغلت بالها، ولا المؤسسات المعنية بحرية الرأي والتعبير اهتمت، ولا نحن جميعا التفتنا للأمر على أي نحو؟ كيف طال النسيان ذاكرتنا إلى هذا الحد؟ وكيف تهمل فئة أو جماعة أو أمة جزءا من تاريخها على هذا النحو، فالأمم لا تقضي عليها الأوبئة الفتاكة بل تفقد هويتها بسرقة تاريخها وتموت بمحو ذاكرتها.
قهر اليأس:
هل لنا أن نتوقف عند هذا الأمر لنعرف أسبابه ونتداركه؟ أم أنه ليس فيه ما يستحق غير بعض أمراض العاشقين وأعراض بلاهة المحبين، أم أن ما وصلنا إليه هو نعمة النسيان الذي يحمينا من قهر اليأس وظلمة الواقع؟
هل نحمل النفس فوق طاقتها إذا طلبنا منها الآن في ظل كل ما تعانيه أن تجتر معارك الدفاع عن الحرية وحق التعبير؟
وهل نكشف عوراتنا كجماعة صحفية إذا ضبطنا أنفسنا وقد أعطينا ظهرنا لما حققته وحدتنا في لحظة فاصلة في تاريخ مهنتنا منذ نحو 14 عاما ثم أصبحنا الآن فرادى تائهين في معارك الدمج وسرقة الأصول، نساق إلى حرب أهلية صحفية وتتأجج بيننا معارك التمييز الوهمية بين شمال وجنوب كلاهما ـ لو تعلمون ـ فقير ويعاني من أعراض فقر الدم وأغراض التربص بها جميعا للتخلص منها، هل تفرقت بنا السبل بعد أن غاب عنا بيتنا وتهنا منه وفيه، فرحل عنا بعض شيوخ وحكماء معركة الانتفاضة ضد القانون 93 لسنة 1995، ويئس البعض الآخر ـ ممن نتمنى لهم طول العمر بيننا ـ وباتوا يشعرون بالغربة، ثم انشغل شبابها الذين كانوا وقودها وفتوتها ولهيبها بعد أن احتلوا مواقع ومناصب وأخذتهم المنافسة إلى ذواتهم وترتيب أوراقهم وأصبح القول الفصل لطموحهم فتراجعت الأحلام وانطفأ اللهيب وتقدمت الحسابات وتعقدت.
أما من لم يشاركوا فيها من شباب الجيل الحالي الذين التحقوا بالنقابة والمهنة مؤخرا فوجدوا أنفسهم في العراء والبيت غير دافئ وغير محب ويسعون وحدهم في ملكوت المهنة بلا سند يحفرون في الصخر ويواجهون علاقات عمل غير كريمة وغير عادلة ويتظاهرون من أجل بدل هزيل بعد أن طال بهم شوق الانتظار للائحة عادلة للأجور أو الدفاع عن وجودهم بعد ظهور قصير لصحف يعملون بها سرعان ما يفاجأون باختفائها، وواقع مر تزيد من مرارته صعوبة عدم تواصلهم مع بعضهم البعض رغم تواصل معاناتهم، وكذلك عدم تواصلهم مع أجيال أخرى سبقتهم رغم أن الأغلبية شركاء في الحيرة والهم والمعاناة واليأس، وزاد من مأساوية كل ذلك، التأثيرات السلبية للقانون 100 لسنة 93 البغيض، الذي قطع صلة الأرحام بين أبناء الأسرة المهنية الواحدة، وتدخل في شؤون النقابات وغيب الجمعيات العمومية عن القيام بدورها، وعقد اجتماعاتها الدورية، ففقدنا ثقافة الحوار والتواصل الطبيعي، وتبادل الخبرات بين الزملاء بكل انتماءاتهم العمرية والفكرية والمؤسسية.
راية المقاومة:
غاب 10 يونيو 1995 الذي انتفضنا فيه ورفعنا راية المقاومة والصمود والمواجهة والحوار والوحدة، وحضر يونيو 2009 الذي ذهبنا فيه ـ فرادى وجماعات صغيرة ـ كل في طريق، اعتلى بعضنا سلم النقابة دفاعا عن حقهم في استمرار انتظام صرف بدل التدريب الذي بدأت ملامح غروبه تلوح، وأخذ بعضنا بسنة الاعتصام أمام مؤسساتهم في ظاهرة جديدة علينا احتجاجا على قرارات إدارية متعسفة أو مساس بحقوق ثابتة، أو ضد قرارات دمج لم يستشر فيها أحد ويخشى البعض من نتائجها السلبية عليهم، وزملاء آخرون يذهبون إلى النقابة التماسا للأمان بعد أن تمت تصفية مؤسساتهم والعبث بأصولها فتزيد حيرتهم من غياب مقلق لمؤسسة النقابة، وزملاء من جريدة الشعب المغلقة بقرار سياسي سيادي منذ نحو 9 سنوات يعتصمون في النقابة منذ أكثر من أسبوعين يطالبون بعودة جريدتهم تنفيذا لعشرات الأحكام القضائية وفتح ملفاتهم التأمينية التي أغلقت بدون وجه حق وإضافة العلاوات السنوية إلى رواتبهم الهزيلة، وعشرات آخرون من الزملاء استنفدت طاقاتهم في متابعة دعاوى قضائية قاموا برفعها في المحاكم أو تقدموا ببلاغات للنيابة للحصول على حقوقهم بعد قيام صحفهم بفصلهم أو منعهم من الكتابة أو الحرمان من العلاوة أو الاعتداء عليهم من جهات وأشخاص أثناء قيامهم بعملهم في مواقع الأحداث، وغيره وغيره الكثير مما يؤكد أن الحال غير الحال وأن واقعنا ليس بخير وأن وحدتنا التي كانت رهاننا للانتصار في كل معركة أصابتها العلة وأن جهازنا المناعي الجماعي قد أصابه العطب.
لكن يبقى السؤال المهم: هل من أمل في الشفاء، بعد كل هذا؟ أتصور أن الإجابة بغير نعم هي انتحار.. وأتصور أن اعترافنا بالعلة فضيلة وأن تشخيصنا للمرض هو الطريق إلى الشفاء وأن بداية العلاج أن نقبض على ذاكرتنا فهي استعادة للنفس والهوية والروح وبها نستطيع أن نفعل كل شيء.
معاول الهدم:
وأعتقد أننا لابد أن نتوقف عند 10 يونيو 1995 ونعيد دروسه علينا، فربما كانت أسباب قوتنا فيه تسلب منا بفعل فاعل فنفيق، فهذا الكيان الذي وقف ووقفت مصر كلها معه ليسقط قانونا أقره البرلمان في سابقة مهمة ربما تم التخطيط بعدها ألا يسمح بتكراره وأن تتحول عوامل قوتنا في مواجهة الآخرين إلى معاول هدم لأنفسنا.
وصدور مثل هذا القانون في حينه لم يكن من قبيل المصادفة على أي نحو، ودعوة أعضاء اللجنة الدستورية والتشريعية لمجلس الشعب بشكل عاجل يوم 27 مايو 1995 ودون إخطارهم بطبيعة المشروع الذي تم عرضه على المجلس وإقراره خلال ساعات لم يكن أمرا عفويا والذي أعلنته د.فوزية عبدالستار رئيسة اللجنة بمقدمة تكشف عن ضمير غائب لأكاديمية مهنتها القانون، فقد اعتبرت أن المشروع بالغ الأهمية وأنه يستهدف الحفاظ على حقوق وحريات الأفراد وبصفة خاصة حقهم في رد الشرف والاعتبار، كما يحمي ويؤكد حماية حرمة الحياة الخاصة، وأوضحت أن المشروع يتسم بعدة سمات مثل إدخال أفعال غير مؤثمة إلى دائرة التجريم وتشديد العقوبات وإلغاء الحبس الاحتياطي للصحفيين باعتباره تمييزا لهم، وأنه من الأفضل بل من الواجب إلغاء هذا التمييز تكريسا لاحترام مبدأ المساواة المقرر في الدستور. وانبرى السيد كمال الشاذلي ليقول إن المعروض أمامنا هو تشديد لبعض العقوبات كي تواكب التطور الذي وصلنا إليه في الأسعار، وأنه لابد من وضع الحدود بين الحرية والتعدي باسمها لأن الرايات العالية التي تحملها الحرية ـ على حد تعبيره ـ لا يصح أن تتحول إلى معاول لطعن سمعته وشرفه وعرضه أو المساس بحرمة الحياة الخاصة أو ازدراء مؤسسات الدولة، وواصل أحمد أبو زيد زعيم الأغلبية مؤكدا أنه مع الحرية، لكنه ضد إساءة استخدامها، وأن هذا القانون يحمي الأغلبية من الصحفيين الشرفاء ويحمي الصحافة الحرة النزيهة من أي تجاوزات تسيء إلى الأشخاص وكرامتهم وأعراضهم. واعتبر النائب شوقي عامر إقرار هذا القانون وساماًَ على صدر هذا المجلس.
نواب الشعب:
وعلى نهجهم سار نواب التصفيق والتعليمات، خاصة أن الأغلبية منهم كانت عينها على دعم الحزب وأجهزة الدولة لها في الانتخابات البرلمانية التي كانت على مسافة شهور قليلة بعد أن اختتمت هذه الدورة أعمالها بهذا القانون الجريمة، لكن هذا لم يمنع عددا من النواب الشرفاء وأصحاب الضمير والحس الوطني من أن يتصدوا لهذه المهزلة في مقدمتهم النائب فكري الجزار الذي كشف كيف تمت دعوتهم تلغرافيا على عجل لإقرار مشروع لم يعلموا عنه شيئا ولم يطلعوا على أي من بنوده، ووصف المشروع بالكارثة وأنه يصدر للانتقام من بعض الصحف وبعض الكتاب والأقلام التي تتصدى للفساد وكشف العورات، وقال: "إنني لا أطمئن إلى قانون يضاف إلى ترسانة القوانين سيئة السمعة وإنني أرجو أن نختم حياتنا البرلمانية وقد لا نعود إلى هذه القاعة مرة أخرى بكلمة حق نعبد بها الله". وقال النائب المحترم أحمد طه إن هذا القانون المعروض هو تضييق لا يمكن أن يكون لصالح حرية الرأي أو لصالح الشعب أو لصالح المستقبل ولا أوافق عليه وأرفضه. ووصف كمال خالد المشروع بأنه بكل المعايير أبشع وأسوأ قانون عرض على مجلس الشعب لأنه قانون قمع وإرهاب لكل صاحب قلم وكل صحفي في مصر سواء كان مؤيدا أو معارضا. وتساءل نائب التجمع لطفي وأكد: ما السبب المباشر الذي أدى إلى سقوط هذا القانون على هذا المجلس بهذه السرعة كما لو كان سقط بالبراشوت وقال إنني أعتبر هذا القانون لغماً يوضع في جسد هذا النظام، ولهذا فإنني باسمي وباسم الهيئة البرلمانية لحزب التجمع نرفض هذا القانون.
وتم تمرير المشروع خلال ساعات قليلة ووقعه السيد رئيس الجمهورية في الليلة نفسها 27 مايو 1995 ونشر في الجريدة الرسمية صباح يوم 28 مايو 1954 تحت رقم (93 لسنة 1995).
أيام الغضب:
وانفجر الموقف، وكانت نذر كثيرة قبل هذا القانون تؤكد التربص بهامش الحرية المحدود، وأن الصدور قد ضاقت، وأن من منح قرر أن يمنع، وأن من أعطاك بالسماحة سوف يأخذ منك بالغضب، فكان زكي بدر وزير الداخلية قد انفلت في كل مكان يهاجم الصحفيين ويسبهم، وتمت إحالة الصحفيين إلى المحاكمات العسكرية، وتوالت قرارات حظر النشر في قضايا الفساد، وتجاهلت النيابة تطبيق الحصانة ضد الحبس الاحتياطي في بعض قضايا النشر كان أبرزها مع الزميلين عبد العظيم مناف وعادل حسين.
وامتد الأمر إلى التدخل في شؤون النقابة بمحاولة تمرير قانون جديد للنقابة عام 1993 أطلق عليه الصحفيون "القانون اللقيط"، وانتفضوا ضده حتى تم إسقاطه وتبرأ منه الجميع والذي كان يريد تقسيم الصحفيين إلى فئات في جداول القيد بحيث يظل نصل السيف معلقا على رقاب الصحفيين لمدة 14 عاما متصلة، وكذلك يجيز ضم موظفي الإذاعة والتلفزيون ومصلحة الاستعلامات لجداول القيد بالنقابة وتفريغ النقابة من دورها، وكذلك تحويل النقابة إلى محكمة تأديب للصحفيين بدلا من وظيفتها الرئيسية: أن تكون مظلة حماية ودفاع عنهم.
جاء القانون على هذه الخلفية فانفجر الغضب في الصدور وتوالت اتصالات أعضاء المجلس والتشاور مع عدد من النقابيين ورموز مهمة في المهنة، وزحف الجميع على النقابة بغير موعد وقرر أعضاء المجلس عقد اجتماع طارئ يوم 29 مايو 1995 وكان الأستاذ إبراهيم نافع الذي كان نقيبا في هذا التوقيت في مهمة خارج مصر وحالت ظروف طارئة دون حضور الأستاذ جلال عيسى النقيب بالإنابة من رئاسة الاجتماع، فتم عقد الاجتماع برئاسة الزميل محمد عبد القدوس الوكيل الثاني، واتخذ المجلس مجموعة من القرارات التي حكمت مسار المواجهة ومنها الدعوة لعقد جمعية عمومية طارئة في 10 يونيو يسبقها مؤتمر عام للصحفيين في الأول من يونيو والذي حضره حوالي 1500 صحفي، واعتصام احتجاجي يوم 6 يونيو لمدة 5 ساعات بمقر النقابة شارك فيه مئات الصحفيين من كل المؤسسات والأجيال والاتجاهات في أكبر حركة احتجاجات شهدتها النقابة على مدى تاريخها، وغطى الصحفيون جدران نقابتهم بالرايات السوداء ونشروا القائمة السوداء بأسماء النواب الذين تزعموا تمرير هذا القانون، وأقاموا جنازة رمزية شيعوا فيها حرية الصحافة، وتوالت مبادرات الغضب فقد احتجبت صحف الوفد والشعب والأحرار يوم الجمعة 2 يونيه، والحقيقة السبت 3 يونيه، والأهالي الأربعاء 7 يونيه، وقررت بعض الصحف تنظيم حركات اعتصام بكامل محرريها بحديقة النقابة، كما عقد رؤساء أحزاب وتحرير صحف المعارضة اجتماعا بحزب الوفد مساء الاثنين 29 مايو الذي تقرر فيه تنظيم حركة احتجاب الصحف، كما عقد رؤساء أحزاب المعارضة مؤتمرا صحفيا ظهر الأربعاء 31 مايو، واجتماع رؤساء تحرير صحف المعارضة يوم الأربعاء 7 يونيه تم الاتفاق فيه على مواصلة الحملة على الفساد، ثم الأربعاء 14 يونيه أعلنوا فيه الالتزام الكامل بقرارات الجمعية العمومية للصحفيين.
رسالة هيكل:
وفي 18 يونيه عقد مؤتمر حاشد بمقر حزب الوفد شاركت فيه كل القوى الديمقراطية، وكان يوما مشهودا وعرسا لحرية الصحافة.
وكنا قبل عقد الجلسة الطارئة لمجلس النقابة قد قررنا إصدار بيان سريع يوم 28 مايو أعلنا فيه الرفض القاطع لهذا القانون الذي يستهدف حرية الصحافة ولا يحترم المصالح العليا للوطن، كما قررنا أن ينقل زميلنا الراحل جلال عيسى موقف النقابة في كلمته في الاحتفال بعيد الإعلاميين أمام الرئيس مبارك وطلب عدم التصديق على القانون وإعادته لمجلس الشعب من جديد وطرحه للمناقشة العامة واستطلاع رأي الصحفيين فيه، ولكن كانت الأمور تسير بسرعة وكرة النار تكبر والمشاعر تشتعل.
وارتفع مؤشر درجة حرارة الحدث إلى الذروة ليقترب من الغليان، وتحول مبنى النقابة القديم إلى خلية عمل لا تستطيع أن تفرق فيها بين اجتماعات المجلس وحلقات النقاش التلقائية للصحفيين التي احتضنتها حديقة النقابة، تنعقد ثم تنفض لتنعقد وهكذا، في هذه الأجواء التي حفلت بعشرات التفاصيل، ووسط هذا الصخب الغاضب من الكتابات اليومية بكل ألوان التناول الصحفي ومبادرات التضامن والتأييد من كل حدب وصوب، تذكرت أن صوتا مهما وفريدا في المهنة وقيمة كبرى في الوطن لم نسمعه بعد وهو الأستاذ محمد حسنين هيكل، وفكرت في مخاطبته وظني أن حماسي يغلبني، لكن لم يكن غير الحماس هو الذي يصيغ تفاصيل هذه اللحظات، وتشاورت مع الزميل على هاشم، وكان هو السكرتير العام للنقابة في ذلك الوقت، وبعثت للأستاذ هيكل برسالة موقعة مني على الفاكس لا تزيد عباراتها على: "جمعيتنا العمومية بعد غد السبت.. مازلنا ننتظر كلمتك"، وسأل عني الأستاذ جلال عارف وطلب أن أحضر إلى مكتبه قبل ظهر الجمعة، وعندما دخلت عليه بادرني: "طلبت كلمتي وعدت إلى مكتبي في يوم عطلة لكي أكتبها، فلك ما طلبت وأنت مؤتمن عليها".
كانت كلمة هيكل التي قمت بإلقائها خلال أعمال الجمعية العمومية الحاشدة حدثا مدويا أعطى وقودا وزادا لمعركة استمرت ما يزيد على العام وخرجت القضية إلى آفاق أرحب وأصبحت من الأدبيات المهنية والنقابية والسياسية الرفيعة بكل المقاييس، وقال هيكل في كلمته: "إن هذا القانون استفزني كما استفزكم واستفز الرأي العام وحملة الأقلام وكل القوى السياسية والنقابية والثقافية في البلد، وأشهد آسفا أن وقائع إعداد القانون كانت أقرب إلى أجواء ارتكاب جريمة منها إلى أجواء تشريع عقاب، وأنه يعكس أزمة سلطة شاخت في مواقعها، وأنه سلسلة من التصرفات والسياسات لا تساعد على تماسك البناء الاجتماعي، وانتظام الحركة السياسية وملاقاة عصور متغيرة".
واختتم هيكل كلمته: "لقد أحزنني تصريح منسوب للرئيس منشور في كل صحف أمس ـ الخميس ـ نسب فيه قوله بأنه إذا التزم الصحفيون بميثاق الشرف فإن القانون الجديد ينام من نفسه، وأنه مع كل الاحترام لمقام رئاسة الدولة فإن القوانين لا تعرف النوم وإنما تعرف السهر، وهي لا توضع لتنام بكرم العفو أو بسحر المغناطيس، وإنما قيمة القانون أن تعلو حركتها الذاتية فوق إرادات الأفراد".
أساليب المواجهة:
وكان اجتماع هذه الجمعية بهذا الحشد الذي فاق كل تصور، بل أكاد أقول إنه لم يتخلف عن حضورها أحد.
وأمام الضغوط العاتية والمقاومة المتصاعدة وسلامة المنطق والحجة وتعدد أساليب المواجهة من الحوار إلى استخدام كل الوسائل الاحتجاجية ومنها المواجهة بسلاح الفن حيث أقيمت أمسية فنية بحديقة النقابة أشرف على تنظيمها فريق عمل بقيادة الزميل كارم محمود، وغنى فيها للحرية محمد منير وفاروق الشرنوبي وألقى فيها كل من عبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب أشعارهما، وشارك فيها عدد كبير من كبار الفنانين أتذكر منهم جميل راتب وتوفيق صالح ويوسف شاهين وداود عبد السيد وفتحية العسال، أمام كل ذلك تحول الأداء الرسمي من العناد إلى الارتباك، ثم بدأ مسار البحث عن حل، وتسلم في الكواليس الدكتور أسامة الباز ملف الأزمة وبدأ اتصاله بعدد من كبار الصحفيين والنقابيين للبحث عن صيغة للخروج من هذه الأزمة.
وبدأت دعوة مجلس النقابة للقاء عدد من المسئولين، فكان اللقاء مع وزير الداخلية صباح الثلاثاء 13 يونيو ثم مع وزير الإعلام السبت 17 يونيه الذي مهد للقاء الرئيس مبارك في 21 يونيه 1995 وكان هذا هو اللقاء الأول، حيث تم لقاء ثانٍ في يونيه 1996 حضره مع أعضاء المجلس كل النقباء والنقابيين السابقين وكان في مقدمتهم كامل زهيري وشيخ الصحفيين حافظ محمود الذي مازلت أحتفظ له بانطباع لا يغادرني منذ هذه اللحظة فهو شخص معجون بالكبرياء والاستغناء والوقار الذي يحفظ للرئاسة مقامها، ولا يخشى قول الحق في حضور السلطان، فكان لينا وحاسما رقيقا وباترا.
انعقاد مستمر:
وعلى مدار أكثر من عام ظلت الجمعية في حالة انعقاد مستمر وتلتقي مرة على الأقل كل شهر وبين كل اجتماع وآخر عشرات الاجتماعات الأخرى بين أعضاء مجلس النقابة وبين أعضاء الجمعية العمومية ولقاءات لا تنتهي بين الاثنين للتشاور، فقد تم الدخول في سيناريو حل الأزمة ومعه بدأت المناورات الرسمية والرهان على انحسار موجه الغضب والالتفاف على كل ما يتم الاتفاق عليه في الاجتماعات الرسمية أو الغرف المغلقة، لكن الجمعية العمومية سهرت على رعاية قراراتها وتحقيق هدفها الرئيسي بإسقاط القانون وتوحد الإيقاع، ولم تتعارض ـ لحظة ـ حكمة الكبار مع ثورة الشباب، واستغلت النقابة مساندة قوى كثيرة لها في معركتها ونوعت في وسائل حركتها باستغلال النشر في الصحف في سيل مقالات لم يتوقف، وإعداد مشروع قانون بديل دخلنا به مواجهة مع لجنة مشتركة أغلب عناصرها حكومية ودارت معركة لتعيد بعض التوازن إلى تشكيلها، ثم عقد المؤتمر العام الثالث للصحفيين في سبتمبر 1995 والذي خرج بتوصيات مهمة لملامح الخطوط العريضة لأي مشروع بديل يمكن أن يقبله الصحفيون، واستبيان تم تعميمه وتوزيعه على المرشحين لعضوية مجلس الشعب لمعرفة اتجاهاتهم إذا دخلوا البرلمان من هذا القانون وكان إعلان نتائجه دعما وانتصارا لمطالب الصحفيين، وكانت الجولات التي اصطحبنا فيها كامل زهيري إلى بعض دوائر النواب الذين رفضوا القانون وكانوا يعيدون ترشيحهم لعضوية البرلمان في الانتخابات الجديدة وذلك تأكيدا لتضامننا معهم بمنحهم شهادات تقديرية باسم النقابة لدعمهم حرية الصحافة.
كانت معركة كبرى، تسجيل كل تفاصيلها دين لابد أن نوفيه للأجيال الحالية حتى تبني عليه وتتواصل الهمة ونزيح دواعي اليأس عنا جميعا. ولا يمكن للزملاء أن يسقطوا من ذاكرتهم العاشر من يونيو 1995 الذي صنعوه بصمودهم وجعلوه عيدا سنويا لهم، بهتافهم المتكرر في اجتماعات جمعيتهم العمومية، وسط لهيب التصفيق وارتفاع الحناجر: "عاشت حرية الصحافة.. عاشت وحدة الصحفيين"، ولا يمكن للأجيال التي قررت أن تصون ذكرى هذه الملحمة العظيمة طوال الأعوام الماضية منذ العام 1996 وحتى العام قبل الماضي، أن تذهب هي بنفسها به إلى النسيان وتقرر الانتحار!
لم يكن إصدار القانون 93 لسنة 1995 الذي أسقطه الصحفيون مصادفة، وكذلك ما نحن فيه الآن، فهل وصلتنا الرسالة.!

الجمعة، يونيو 26، 2009

البطش الايرانى دليل عدم الشرعية

"صاح كتكوت غر فصيح ... ايه ما أجمل الحياة
ضحك الثعبان وأمتد الفحيح ... مضى الكتكوت ولم يلق صباه
"
"نجيب سرور"

صورة نداء سلطان (27 عام ) ضحية البطش الغاشم للسلطة فى ايران لحظة موتها إثر قنصها عمداً برصاص ميليشيا الباسيج الايرانية اثناء مشاركتها ووالدها فى مظاهرة شعبية للاحتجاج على نتائج الانتخابات الرئاسية فى ايران ، وبصرف النظر عن توجهات هذه السلطة أو عن صحة موقفها السياسى من عدمه .. فإن قتل العزل والمدنيين والبطش بالمعارضين هو غشم وارهاب لا يعنى إلاعدم شرعية هذه السلطة .

الاثنين، يونيو 22، 2009

الخاصعام " الأسير فى الصحافة المصرية ـ محمد منير

محمد منير
تم نشره على موقع (المصريون)
http://www.almesryoon.com/ShowDetailsC.asp?NewID=65865&Page=7&Part=1
بتاريخ 21 - 6 - 2009
كشفت أزمة بدل التدريب والأزمة الناجمة عن قرار المجلس الأعلى للصحافة بضم مؤسستى دار التعاون ودارالشعب الى مؤسستى الاهرام والاخبار. عن حالة الأسر الواقعة تحتها مهنة الصحافة فى مصر .
وبصرف النظر عن مدى مشروعية بدل التدريب أو عن منطقية قرار المجلس الأعلى للصحافة إلا أن الأحداث التى أحاطت بالأزمتين أكدت وقوع حرية الصحافة تحت كاهل ملكية الدولة وهيمنتها على كل المؤسسات الصحفية بما فى ذلك الحزبية والمستقلة وبما لا يتلائم مع الدعاية البوقية حول حرية الصحافة فى مصر .
والثابت أن الصراع بين الحرية الصحفية والقيود الرسمية هو صراع قديم فى مصر, وفى دراسة قدمها نقيب النقباء كامل الزهيرى أشار فيها الى مظاهرة شعبية ضمت عشرة آلاف مواطن دفاعاً عن حرية الصحافة لمدة أربعة أيام من 29 مارس 1909 الى أول ابريل 1909 .
ويستمر نضال ارباب المهنة والمدافعين عن حرية الصحافة لتنظيم مظلة حماية نقابية لهم حتى ينجحوا فى ذلك عام 1941 .
وطوال هذه الفترة لم تعان المهنة أو تتأثر سلباً بطبيعة ملكية الصحف والتى لم تكن خاضعة لأى من جماعات الضغط أو الحكومة .
وبدأت الأزمة الحقيقية مع الصحافة المصرية بخضوعها للهيمنة الحكومية بعد عام 1952 تحت مسمى الاشراف والتى انتهت فى شكلها الى تبعية التشكيل النقابى الصحفى فى مصر للاتحاد الاشتراكى .
ورغم أن هذه الفترة تمثل بداية العلاقة الــتأثرية بين المهنة والمالك الفعلى إلا أن المهنة لم تشهد ترديا خلالها ربما بفعل حالة التوافق بين التوجه الوطنى الرسمى آنذاك وبين التوجه الوطنى الشعبى الذى كانت الصحافة وقتها تعبيرا حقيقيا عنه , إلا أن هذا لم ينف بدء مرحلة خضوع المجتمع الصحفى لهيمنة المالك الرسمى وسيطرته وهو ما سيؤدى بعد ذلك الى تداعيات سلبية .
شهد المجتمع الصحفى بعد ذلك أزمات كثيرة ولكن هذا لم يمنع الصحفيين من وضع تعريف معبر عن دورهم الذى ارتضوه وهو انهم ضمير للأمة ولهذا استند القانون رقم 69 لسنة 1970 على أن الصحفى ليس عاملا يخضع لرب العمل وليس موظفا يتدرج فى السلك الوظيفى ونص القانون على عدة ضمانات منها عدم جواز نقل الصحفيين الى أعمال غير صحفية وعدم جواز فرض أية اراء تخالف ضمير الصحفى ووفر ضمانات لمحاكمة الصحفى أمام القضاء العادى وحضور النقابة التحقيق معه .
ومع تغير الاتجاه الاقتصادى للدولة حدثت فجوة بين الصحافة والمالك بحكم حدوث نفس الفجوة بين الاتجاه الرسمى والاتجاه الشعبى الذى تمثل الصحافة ضميره.
ورغم أن الاتجاه الجديد للدولة كان يستند إلى التخلص من كل الملكيات العامة والاتجاه الى الخصصة متجاوزا الاقتصاد السلعى الى قطاعات الخدمات الرئيسية والاستراتجية .. إلا أن الدولة تمسكت بشدة فى الاستمرار فى ملكية المؤسسة الاعلامية والهيمنة عليها وإن كانت قد البست هذه الملكية ثوبا تتناسب الوانه مع الاتجاه الجديد .
ولهذا وبعد انتفاء دور التنظيم السياسى الوحيد فى البلاد وقبل الغاءه بفترة قليلة اتجهت الدولة الى ألية جديدة لاستمرار هيمنتها على المجتمع الصحفى فى المرحلة الجديدة وهى المجلس الأعلى للصحافة الذى اعلن فى 11 مارس 1975 وضم فى عضويته وكيل مجلس الشعب ونقيب الصحفيين وأحد مستشارى محكمة الاستئناف وثلاثة من رؤساء المؤسسات الصحفية ورؤساء التحرير وثلاثة من المشتغلين بالمسائل العامة وعميد كلية الاعلام واثنين من الصحفيين ممن تقل مدد اشتغالهم بالمهنة عن 15 عاما (يرشحهم مجلس نقابة الصحفيين) ورئيس النقابة العامة للنشر ووزير الاعلام وأمين الدعوة والفكر بالاتحاد الاشتراكى .. وبالطبع لم تكن قد ظهرت الصحف الحزبية مرة أخرى ولا الصحف المستقلة .
والمجالس العليا للصحافة ليست بدعة مصراوية فهى تجربة طبقتها العديد من دول العالم بإعتبارها وسيلة لإقرار وتدعيم حرية الصحافة ومسئوليتها كما جاء فى إعلان كوالالامبور الذى صدر عن المؤتمر الأول للمجالس الصحفية عام 1985
الفرق كما هو العادة فى مصر جاء فى الجوهر والمحتوى تماما مثل الخلاف فى جوهر السياسة الحزبية بين اوروبا ومصر, الاولى تأتى فى اطار دعم فكرة تداول السلطة وتنتمى الى التنظيمات الاهلية والثانية فى اطار تأكيد استمرار السلطة الواحدة وتنتمى الى التنظيمات الرسمية
المجالس الصحفية العليا نشأت فى الدول الأخرى بعيدة عن هيمنة وسيطرة الحكومة وكضرورة تنظيمية لاستقلالية وحرية الصحافة أما فى مصر فتم اعلانها من خلال السلطة كهيئة رسمية تستهدف استمرار هيمنة الحكومة والسلطة الحاكمة على الصحافة فى شكل جديد يتلائم مع المتغيرات الدولية .
بدأ تشكيل المجلس الاعلى للصحافة بتشكيل يضمن فى عضويته احكام السيطرة على سياسات الصحف التى كانت موجودة أنذاك ولم يكن بينها صحف حزبية ولا خاصة .. وبعد صدور الصحف الحزبية شملت عضوية المجلس رؤساء مجالس ادارات هذه الصحف ورؤساء تحريرها وجاءت هذه العضوية بإعتبارها امتيازا ومنحة أحيطت بها عدة امتيازات عينية منها ما هو علنى مثل التعيين فى مجلس الشورى ومنها ما هو غير علنى بما يضمن سيطرة الاتجاه الرسمى على قرارات المجلس الذى يتحكم فى مقدرات الصحافة فى مصر واهمها الموافقة على اصدار الصحف .
وظل الصراع طوال الوقت بين الجماعة الصحفية التى كانت تستهدف تنظيما ذاتيا لها وبين المجلس الأعلى للصحافة بإعتباره تنظيماً رسمياً يستهدف استمرار الهيمنة على وسائل الاعلام سواء بالملكية أو بالارتباط المصلحى وهو ما يفسر فكرة تقويض الارادة الصحفية بالاختراع المسمى بدل التدريب والتكنولوجيا بهدف غلق باب نضال الجماعة الصحفية حول تقنين لأئحة للأجور تضمن دخلا كريما للصحفي وأيضا بهدف تحويل هذا البدل الى امتياز يقترن بالتصويت لصالح بعض المرشحين من التابعين لها فترة انتخابات نقابة الصحفيين لضمان السيطرة على النقابة التى هى التنضيم الذاتى والوحيد للصحفيين وربط مصالحهم بالدولة.
وبالطبع استتبع ذلك عدة اجراءات تضمن السيطرة الرسمية ومنها تغيير بنية الجماعة الصحفية بضم عناصر غير مهنية للنقابة بهدف السيطرة على المجمع التصويتى الانتخابى لضمان استمرار هيمنة الدولة على المجتمع الصحفى وتقويض حريته وقدرته فى القيام بدوره كضمير للأمة وانتقاد السياسات الرسمية المتعارضة مع مصالح الشعب .
وايضا أصبح للمجلس اليد الطولى فى توجيهه التهم للصحفيين المعارضين لرموز الدولة والضغط على نقابة الصحفيين لتأديبهم وربما فى المستقبل شطبهم ومنعهم من ممارسة المهنة .
واصبح بدل التدريب وتشكيل المجلس الاعلى للصحافة وحقه المنفرد في إصدار الصحف هم سيف المعز وذهبه فى وقت واحد. يلوح النظام به كسيف وقت نهوض الجماعة الصحفية للتعبير عن أى مصلحة ذاتية لها تتعارض مع مصالح السلطة ويمنحه كذهب وقت رغبته فى تقويض قدرة الجماعة الصحفية على التعبير الذاتى عن نفسها .
ومابين التفاصيل كثير من العلاقات الغامضه بين المجلس كجهة رسمية و بعض الصحف الحزبية والمستقله تلبس خلالها ثوب المعارضة الديمقراطية وتتجه فى رحلة متناغمة لتأكيد المصالح الرسمية .
ولهذا فاننا نستطيع أن نقول ( بالفم المليان ) ان مصر صاحبة أول تجربة (خاصعام ) فى مجال الصحافة فهى تسعى من خلال خطة محكمة الى تخصيص المؤسسات الصحفية من ناحية الملكية واستمرارها عامة من ناحية الهيمنة الرسمية والحكومية وهو ما ثبت نجاحه فى التجربة على الصحف الحزبية والخاصة.
الثابت أن مصالح الجماعة الصحفية تحديدا ونظرا لطبيعة مهمة هذه الجماعة لا يمكن أن تكون إلا من خلال تنظيم ذاتى يضمن ليس فقط مصالحها الذاتية وانما فى الاساس مصالح الفئات التى تعبر عنها الصحافة والبعد عن أى هيمنة لأى من جماعات الضغط أو الحكومة .

السبت، يونيو 20، 2009

ما ترحل ياريس بقى


شعر: أحمد فؤاد نجم

لاأختارنا .. ولا بايعناه

نجح ازاي .. سبحان الله
أظن أفصح من كدة

يبقى عيب
بحبك يا ريس
وحبك يا ريس

معكنن عليـــــا
مقطع لى قلبى

مطلع عنيــــة
سيبونى فى حالى

وبيا اللى بيـــــــة
دا كل اللى ليا
محرم عليـــــا
عشان حاجة واحدة
عشــــــانك يا ريس

بحبــــــــــك يا ريس
دى كلمة قالوها زمان
من ســـــــــنين

وكل اللى قالها
مطـيـن بطـيـن
يا سارق فلوسنا
يا كاتم نفوسنا

يا واكل عرقنا
برجلك دايسنا
ولســـــه بحبك
واحب اللى حبك
وباحلف هاحبك
واحب اللى جابك
فى يوم اغبر

علينا ريس
مبارك يا ريس
عليــــك البــــلد
لابنـــك وابنــــه
وولد الولد

سوزانك سوزانا
جمالك جمالنا
علائك علائنا

وبكرة وبعده
وطول الامد
غبــــاءك يا ريس
ملوش حل خالص

وسايق ف الهبل
وكلامك هجايص

ولولاك يا ريس
مكنشى دا حالى
وحال كل مصري
مدروخ ولايـص
قالوا العيشة حرة
وهي العيشة مرة

ومش مـــر عادي
دا صبرك يا ريس
ممرر بلادى

واسعار بترفع
مأتنزلش مرة
وباين علينا
هنطلع لبرة
رغيفك يا ريس
بيصغر ما يكبر
وسعره يا ريس
بيرفع ماينزل

سألنا دا ماله
قالولنا الحديد
وايه العلاقة
بسعره الجديد

تكونش يا ريس
لغيت الدقيق
وبتطحن بداله
برادة حديد؟

مهو انت اللى عارف
وسامع وشايف
جمالك قشــطنا

وعز اللى خاننا
وولـــع بلدنا
برفع الحديد

ماتصحى ياريس
وصحى البلد
هنبقى يا ريس
كمالة عدد
ف وسط العوالم
وشعبى اللى هايم

وكبته اللى دايم
وقرشه اللى عايم
هنبقى يا ريس
كمالة عدد
واقولك واعيدلك

لانى بحبك
نصيحة فصيحة
نصيحة مريحة
لبلدى وبلدك
ماترحل يا ريس
ليه دايما متيس
ودايما مهيس
مترحل بقى
وخد لي ف وشك

جمالك .. مش باغشك

علائك .. سوزانك

شريفك .. سرورك

نظيفك .. كمالك

وعزك .. دا خانك

خدهم وانصرفوا

أشـــتاتآ أشتوت

خدهم وانصرفوا

لحسن حانموت

ارحل بقى ارحل

بقى مترحل بقى

الاثنين، يونيو 15، 2009

من أحاديث التطبيع النقابي

يحيى قلاش
yehia.khalash@yahoo.com
هي بعض ريح سببتها عاصفة زيارة أوباما الاستعراضية للقاهرة، والتي سيكون لها ما بعدها لرئيس يمتلك الحيوية والشباب والكاريزما عازم على الاشتباك مع أوضاع منطقة تسأل الله ليل نهار بفضل قادتها وحكامها استقرار واستمرار شيخوختها، وتعاني كوابيس احتضارها بعد أن فرطت في الاستمتاع بأحلام فتوتها وتركتها نهبا لأطماع ومخططات الكيان الصهيوني الذي نصب نفسه قوة إقليمية صاحبة دور وكلمة وإملاءات.
الريح التي وقفنا عندها بعد تراجع العاصفة الاستعراضية للزيارة، كان انسحاب الأستاذ فهمي هويدي من لقاء على مائدة مستديرة مع الرئيس الأمريكي يضم ثمانية صحفيين للحوار معه عقب انتهاء إلقاء خطابه في جامعة القاهرة احتجاجا على دعوة صحفي إسرائيلي حضور هذا الاجتماع الخاص.
وأثارت الريح أسئلة ومواقف وحملت في هوائها أتربة أفقدت بعضنا الرؤية وسببت بعض الالتباسات حول قضية حظر التطبيع وقرارات الجمعية العمومية في هذا الصدد وحدود المسموع والممنوع فيها.
والحقيقة أنه لم تحظ قضية بكل هذا الاهتمام كما حدث مع قضية حظر التطبيع مع الكيان الصهيوني داخل نقابة الصحفيين وبين أعضاء جمعيتها العمومية، فيكفي أن تعرف أن نقابة الصحفيين التي نشأت في مارس عام 1941 أي منذ ما يزيد على 68 عاما قد اشتبكت مع هذه القضية منذ العام 1979 وحتى الآن، أي منذ 30 عاما، أي ما يقارب 45% من عمر النقابة كله، كانت البداية عندما اشتدت المعارضة ضد الرئيس السادات حين قرر الذهاب إلى إسرائيل وإلقاء خطابه الشهير في الكنيست تم توقيعه اتفاقية كامب ديفيد، وشرعت أقلام الصحفيين المصريين هنا وفي الخارج في انتقاد نهج وسياسات السادات، وشهدت النقابة أنشطة في هذا الاتجاه أثارت غضب الرئيس، الذي سخر من لقاءات ومناقشات الصحفيين التي كانت تعج بها حديقة النقابة في المبني القديم بمكانها الحالي، ووصفهم بأنهم أعضاء "حزب الحديقة"، وبلغ هذا الغضب ذروته عندما أعلن فجأة قراره بتحويل النقابة إلى مجرد "ناد" وقاد أستاذنا كامل زهيري الذي كان نقيبا للصحفيين في هذا الوقت حملة معارضة لقرار الرئيس السادات.
وتداعى الصحفيون دفاعا عن كيانهم النقابي، واحتضن مقر النقابة اجتماعات لا تنتهي، وتحولت حديقة النقابة إلى قاعة اجتماعات مفتوحة تبحث وتدرس وتناقش وتشتط في معارضتها ضد قرار السادات لتشد أزر مفاوضها ونقيبها كامل زهيري، الذي استخدم كل الوسائل لدفع السادات للتراجع عن قراره، ومنها التعبئة، وإجراء الاتصالات لإقناع عدد من المحيطين بالرئيس خاصة منصور حسن وزير الإعلام في ذلك الوقت بخطأ القرار، وتوظيف كل ثقافته القانونية وخبرته النقابية لإيضاح استحالة إعمال قرار الرئيس.
وتحت ضغط الرفض الرهيب لهذا القرار وتصاعد مظاهر احتجاجات الصحفيين، ومساندة قطاعات واسعة من الرأي العام ومؤسسات وقوى سياسية لموقف النقابة تراجع مخطط تحويل النقابة إلى ناد، لكن لم يتراجع الرئيس السادات في موقفه من النقابة والصحفيين، وظل يمارس ضغوطه على النقابة لفصل الصحفيين من أعضائها الذين يهاجمون سياساته ويكتبون ضد كامب ديفيد خاصة في الصحف خارج مصر، لكن النقيب كامل زهيري رفع شعار "العضوية كالجنسية" بل ذهب مجلس النقابة إلى أبعد من ذلك فقرر "حظر التطبيع النقابي" مع الكيان الصهيوني حتى يتم تحرير جميع الأراضي العربية المحتلة وعودة حقوق الشعب الفلسطيني، وفي مارس عام 1980 صدقت الجمعية العمومية للصحفيين على هذا القرار، وكانت أول نقابة مهنية تتخذ هذا الموقف وتبعتها بعد ذلك النقابات المهنية والعمالية.
والمفارقة التي يجب التوقف عندها هي أنه كلما كانت تشتد الضغوط الرسمية لتفعيل قرارات التطبيع في العديد من المجالات تنفيذا لاتفاقية كامب ديفيد، وكلما ازدادت هذه المساحة على أرض العلاقات والهيئات الرسمية، وكلما ازدادت الحجج المختلفة تحت دعاوى "المهنية" أو المشاركة في "هجوم وثقافة السلام"، أو مواكبة المتغيرات السياسية والدولية، أو الدفع بتعارض قرار الحظر مع قوانين وسياسات الدولة وغيرها من هذه الحجج، ازداد التشدد من قبل الجمعية العمومية للصحفيين في صياغة قرار حظر التطبيع، فبعد أن كان الحظر يخص "التطبيع النقابي" امتد لحظر "التطبيع المهني" ثم بعد ذلك "التطبيع الشخصي" وعندما خالف بعض الصحفيين والكتاب هذا القرار وذهبوا إلى إسرائيل أو التقوا إسرائيليين كان المبرر للإفلات من الحساب هو عدم نص قرارات الحظر على أية عقوبة لمن يخالفها، كلفت الجمعية العمومية مجلس النقابة بوضع أسس المحاسبة والتأديب لمن يخالف القرار، وأصبح النص في صيغته النهائية: "حظر كافة أشكال التطبيع المهني والشخصي والنقابي ومنع إقامة أية علاقات مع المؤسسات الإعلامية والجهات والأشخاص الإسرائيليين حتى يتم تحرير جميع الأراضي المحتلة واستعادة الحقوق الفلسطينية المشروعة، وتطلب الجمعية العمومية من أعضائها جميعا الالتزام الدقيق بقرارات عدم التطبيع وتكليف المجلس بوضع أسس المحاسبة والتأديب لمن يخالف القرار".
وقد اتبع اتحاد الصحفيين العرب موقف النقابة المصرية وأكد في كل المناسبات رفضه لكافة أشكال وصور التطبيع، وطلب من كل النقابات العربية محاسبة أي صحفي يخرق هذه القرارات.
§ وأريد بعد كل هذه الخلفية التأكيد على بعض النقاط:
* إن هذه ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة لإثارة هذه القضية.
* إن أسباب طرحها من حين لآخر يؤكد حيويتها وأهميتها في الضمير الجمعي للصحفيين والمثقفين وعند المصريين بصفة عامة.
* إن هذا الأمر يعكس رغبتنا كشعوب في الحفاظ على أوراقنا في الرفض أو المقاطعة بعد أن سلمت الأنظمة العربية أوراقها تباعا دون عائد أو ثمن.
* إنه لا ينبغي أن نمارس الحوار في هذه القضية على أرضية تخوين بعضنا أو استعراض من منا أكثر وطنية وأقل عمالة أو اتهام البعض الآخر بالهتيفة أو رافعي الشعارات أو بقايا زمن الحنجوري!
* أنه يجب ألا يأخذنا الانفعال الذي يكون قاسما مشتركا في ممارسة خلافاتنا فنتجاهل بعض البديهيات في مقدمتها أننا زملاء ننتمي لنقابة رأي ونمارس مهنة ضمير، وأن عملنا بالسياسة بأقلامنا وانحيازاتنا ومواقفنا النقابية أمر لا يدعو إلى الاعتذار أو الخجل أو التنابز بل هو واجب نؤديه كل يوم، وأن هذا لا يتعارض مع كوننا ضد أن تتحول النقابة إلى حزب سياسي أو أن توظف لحساب تيار معين، لكن القومي والوطني والمشترك هو الذي تقبض عليه الجمعية العمومية وتتمسك به وتحرسه وتحاسب عليه، ولا أريد أن أزيد وأقول إن قانون النقابة نفسه يسمح لها بوضع خطة للعمل السياسي، وأننا كنا أول نقابة عندما قامت عام 1941 لم يحظر قانونها العمل بالسياسة، ويحسب للنائب يوسف الجندي عضو مجلس الشيوخ في ذلك الوقت طلبه إلغاء هذه المادة من أول مشروع قانون لإنشاء النقابة، وقال كيف نحظر على نقابة الرأي والحريات ألا تهتم بالسياسة!
* إننا لابد أن نراجع بعض مقولاتنا الشائعة عندما ننفي عن أنفسنا تهمة التلبس بممارسة السياسة فنلوذ إلى الاحتماء بتعبيرات "المهنية" و"المهنية أولا" وكأننا نتحدث عن أمرين متعارضين، وهذا على غير الحقيقة لأن كل ما يصدر عن صاحب قلم وعن كل صحيفة هو سياسة، ثم إننا على مستوى الأداء المهني لم يبلغ بنا الكمال إلى الحد الذي لم يعد ينقصنا فيه سوى أن نتذكره ونحن نلوك أحاديث التطبيع، فلم يكن الزملاء الذين انخرطوا في تحالف كوبنهاجن أو الذين ذهبوا إلى إسرائيل بتكليفات سياسية لجهات مسئولة أو قيادات فلسطينية في سنوات سابقة كانت من أجل المهنية، وكذلك لا يمكن أن نعتبر اللقاءات التي تحدد أجندتها السفارة الأمريكية في مناسبات مختلفة هي من دواعي المهنية، ثم لماذا لا تحضرنا هذه "المهنية" وصحافتنا غائبة عن متابعة أحداث دولية وإقليمية وعربية كبرى في أوروبا وأمريكا واليمن والصومال والعراق وفلسطين والجزائر ولبنان وأفغانستان وغيرها الكثير.
بل إن كثيرا من صحفنا أهملت تغطية أحداث مهمة لا تبعد عن القاهرة إلا بضعة كيلومترات!
* ثم إن بعضنا يدفع في هذا الملف بحجة ممارسة الحوار مع الآخر وأن وسائل الإعلام والصحفيين والمثقفين جزء من أداة هذا الحوار، والمثير أن الآخر دائما هو الكيان الصهيوني ومؤسساته وليست مصالحنا العليا في الحوارات العربية ـ العربية الغائبة أو المتصلة دوما بعدم الثقة، والممتدة فقط بين كل دولة عربية وإسرائيل بطريق مباشر أو غير مباشر، وليست كذلك حواراتنا المطلوبة مع قوى إقليمية جديدة مثل إيران وتركيا، أو بيننا وبين بعض الدول الإفريقية خاصة عند منابع النيل وغيرها من حوارات مهملة أو أدوار أصبحت في ذمة التاريخ!
بعد كل ذلك أود أن أتوقف عند الحقيقة الواضحة الخاصة بهذه القضية وإثارتها على مدى الأعوام الثلاثين الماضية والتي تكاد تكون هي كل عمري المهني وبدايتها التي تلازمت مع تفتح وعيي النقابي.
وشاهدت كيف كانت تدير الجمعيات العمومية معاركها في هذا الملف عند انعقادها كل عامين مع إجراء انتخابات النقيب والتجديد النصفي للمجلس قبل أن يداهمنا القانون 100 لسنة 1993 الذي فرض وصايته على النقابات المهنية وأصاب أغلبها بالشلل وحرم جمعياتها العمومية من الانعقاد الطبيعي والتفاعل الحر واكتساب الممارسة الديمقراطية والمشاركة في اتخاذ القرارات ورقابة أداء مجالس النقابات، مما أدى إلى توقف لغة الكلام والحوار عبر هذه الآلية إلا في "الشديد القوي" وباستثناءات قليلة أذكر منها في نقابة الصحفيين الجمعية العمومية غير العادية التي انعقدت في يونيو 1995 لمواجهة القانون 1993 في مجلس برئاسة إبراهيم نافع الذي كان يمثل اعتداء صارخا على حرية الصحافة وكذلك الجمعية العمومية العادية التي استطاع النقيب جلال عارف وأعضاء المجلس السابق عقدها لأول مرة في تاريخ النقابة لاعتماد مشروع لائحة جديدة للأجور ومشروع إلغاء الحبس في قضايا النشر.
ورغم ذلك لم يتوقف أعضاء الجمعية العمومية عن الاشتباك مع هذا الملف وإثارته في مناسبات عديدة، وبلغ ذلك ذروته في واحدة من أهم المعارك الفكرية والسياسية في تاريخ الصحافة المصرية في أغسطس عام 1997 عندما أصدر مجلس النقابة قرارا بإحالة الزميلين المرحوم لطفي الخولي ود.عبدالمنعم السعيد للتحقيق لمخالفتهما قرارات الجمعية العمومية بحظر التطبيع، وكان يرأس اجتماع المجلس المرحوم والنقابي المحترم جلال عيسى لسفر الأستاذ مكرم محمد أحمد ـ الذي كان نقيبا في هذه الدورة ـ للخارج، وحاول النقيب تغيير القرار، بعد عودته، لكن المجلس رفض فعمل على تعطيل تنفيذه، واستضافت "مجلة المصور" الزميل عبدالمنعم سعيد في حوار مطول وجه فيه انتقادات لقرار المجلس وأعضائه مبنية على مغالطات وخلط للحقائق، وحاولت أن أمارس حق الرد لكن النقيب الذي كان رئيسا لتحرير "المصور" في ذلك الوقت رفض النشر وبإصرار، وثارت ضجة كبرى في وقتها شهدتها النقابة وشاركت فيها كل الأقلام المهمة في الصحف والمجلات المصرية في وقتها مثل الأهرام، والأخبار، والجمهورية، والعربي ، والوفد، والدستور "في إصدارها الأول"، والأهالي، والأحرار، وصباح الخير، وروزاليوسف، وأخبار اليوم، والعالم اليوم، والمصور، والسياسي المصري. وشملت هذه المعركة الصحفية كافة الفنون الصحفية مثل: المقال، والتحقيق الصحفي، والكاريكاتير، والحوار الصحفي، والخبر والعمود اليومي.
وقبل أن أستطرد في تفاصيل وملامح هذه المعركة المهمة التي كنت أجمع وأتابع كافة تفاصيلها، وساهم الزميل خالد السرجاني وقتها في تقديم قراءة فيها، وقام النقابي والوطني المحترم المرحوم صلاح الدين حافظ بنشرها في عدد خاص بمجلة الدراسات الإعلامية التي كانت تصدر عن المركز العربي الإقليمي للدراسات الإعلامية للسكان والتنمية والبيئة تحت عنوان "معركة الصحافة والتطبيع"، أود الإشارة إلى المناخ السياسي العام الذي كان يحيط بها على الساحة العربية والدولية وانعكاسه على ملف القضية الفلسطينية، وهو أن المنطقة كانت تعيش قبيل سنوات من هذه المعركة في موجة من موجات الحمل الكاذب للسلام الموهوم وكانت القيادة الفلسطينية قد بلغت حدا من الإرهاق والاستسلام لضغوط الأنظمة العربية تصورت معه أن تجرب الطريق الآخر وحاولت بوسائلها وطرقها وعبر تنسيق مؤسسات وأجهزة دولية وعربية أن تحظى بدعم ومشاركة من رموز فكرية وسياسية عرف عنها دعمها للقضية الفلسطينية أو على دراية بما يجري في كواليس الشؤون والعلاقات الدولية خاصة الولايات المتحدة، وكان الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب "الجمهوري" قد غادر البيت وبدأت مرحلة بيل كلينتون "الديمقراطي" التي استمرت من 1993 حتى 2001 واختلطت الأحلام بالأوهام وترويج كل ما هو كاذب وفاسد بلغة جديدة وطريقة في التسويق تناسب كل الراغبين في خداع النفس والأوطان واكتملت المفارقة أنه عندما أثيرت معركة التطبيع التي أشير إليها كان نتانياهو قد حضر رئيسا لحكومة الكيان الصهيوني عن أنصار السلام في إسرائيل، وكانت سياسته خير شاهد وأفضل دليل ـ كما كتب صلاح الدين حافظ وقتها ـ على أن إسرائيل ليست راغبة ـ هي ـ في التطبيع والتعايش والمسالمة، حتى مع المهرولين المتباكين على التطبيع.
فما أشبه الليلة بالبارحة وها هو حالم ديمقراطي جديد في البيت الأبيض، وها هو الوضع العربي والفلسطيني في أسوأ حالاته.. وهاهو نتانياهو يعود من جديد وليس أمامنا إلا الاعتصام بضمائرنا وامتلاك وعينا.
وعودة للحملة التي أشرت إليها أوضح أن قرار النقابة بإحالة الزميلين للتحقيق كان قد سبقه بعام في اجتماع مجلس برئاسة إبراهيم نافع وبعد مناقشات ساخنة تم توجيه لفت نظر إليهما لانخراطهما في تحالف كوبنهاجن ولقاء عدد من الإسرائيليين ثم عادا السفر إلى إسرائيل وإجراء اتصالات مع إسرائيليين في تل أبيب والقاهرة بالمخالفة لقرارات الجمعية العمومية، فكان قرار المجلس السابق الإشارة إليه الذي أثار العديد من ردود الفعل كان أولها المقال الذي نشره د.محمد السيد سعيد في جريدة الأهرام يوم 23 أغسطس 1997 بعنوان "نقابة الصحفيين ضمير جماعي أم روح التطبيع؟!"، وهو المقال الذي بدأت به المعركة السياسية والتي كان يراد لها في البدء أن تكون حملة صحفية موجهة ضد قرار نقابة الصحفيين واتهام النقابة بمعاداة حرية الرأي والتعبير وانتهاك القانون العام ولكن تصدى عدد كبير من الكتاب الكبار والعديد من الصحف لهذا المقال وللقضايا التي يثيرها، وأكد خالد السرجاني الذي قدم قراره في هذا الملف، كما سبق وأن أشرت، أن رصد المواد الصحفية التي شملتها هذه المعركة الصحفية أظهر دون عناء أن أنصار التطبيع داخل مهنة الصحافة أقلية ضئيلة للغاية.
وقد أثارت هذه الحملة مجموعة القضايا السياسية والنقابية والمهنية شارك فيها، غير د.محمد السيد سعيد، صلاح منتصر، وصلاح عيسى، وجمال عبدالجواد، وأحمد الجمال، وجلال عارف، وكامل زهيري، ورفعت سيد أحمد، وسعد زغلول فؤاد، د.أسامة الغزالي حرب، أحمد إسماعيل، وجمال فهمي، وفهمي هويدي، د.فتحي عبدالفتاح، وحسين عبدالرازق، وسامي منصور، ومحمود المراغي، وجلال عيسى، ومجدي الدقاق، ولويس جرجس، وسليمان شفيق، ومحمد سيد أحمد، ومحمد عودة، و د.عبدالعاطي محمد، وصلاح الدين حافظ، وكاتب هذه السطور، إضافة لعدد كبير من رسامي الكاريكاتير منهم سعد الدين، وعمرو عكاشة، وعمرو سليم، وجمعة، وحاكم.
والحقيقة أن الدكتور محمد السيد سعيد أكن له تقديرا واحتراما كبيرين على المستوى الشخصي وعلى المستوى العام لدوره الإيجابي في كل المعارك والقضايا النقابية وآخرها المؤتمر العام الرابع للصحفيين عام 2004 والذي أدعو له باستكمال الشفاء وعودته إلى وطنه واستمرار دوره الفكري والمهني والوطني.
قد فرض جدول أعمال هذه المعركة وطرح أهم الأسئلة والأفكار التي دار الحوار حولها، وأعتقد أنه مازال يدور، مثل ما هو التطبيع؟ وما هي حدوده؟ وهل قرارات الجمعية العمومية مجرد توصية أم لها صفه الإلزام؟ وهل توقيع عقوبة على أي من يخالف هذه القرارات مصادرة للحرية وملاحقة للضمير ووأد للاعتقادات السياسية والفكرية؟ وهل منوط بالنقابة لعب دور سياسي عام، أم لابد أن يقتصر دورها على الشأن النقابي فقط؟ وهل يجوز أن تلعب دورها العام خارج إطار قانون البلاد؟
ورد نقيب النقباء كامل زهيري مدافعا عن قرار المجلس وعن قرارات الجمعية العمومية بحظر التطبيع لأنها تمت عبر آليات ديمقراطية ملزمة لكل أعضاء المنظمة النقابية وأكد أن النقابة تحاسب على سلوك وفعل نقابي لمن يخالف قراراتها لكنها لا تحاسب على الرأي، وقال إن هذه القرارات من صميم صالح مهنة تعمل بالرأي وتتفاعل مع الوجدان والضمير الوطني في كل عملها.
ودافع صلاح عيسى عن القرار ورفض زعم البعض أن تكون وراء من أصدروه دوافع سياسية، وقال: قرار الجمعية العمومية ملزم وليس توصية والادعاء بغير ذلك هو دعوة للقضاء على النقابة وتقويض لبنيانها، وقال: "لا أظن أن هناك علاقة بين الالتزام بقرارات النقابة وبين حرية الرأي حتى لو كان الأمر الذي صدر بشأنه القرار مما يدخل في نطاق الآراء مثل قرار حظر التطبيع، إذ من البديهي أن هذه القرارات قد صدرت بعد مناقشات حرة واحترامها وتنفيذها واجب على الجميع، ومن يعترضوا على تعريف التطبيع عليهم المشاركة في مساعي عقد الجمعيات العمومية لكي يحاولوا إقناعها بأن تعريفها للتطبيع يجب أن يتغير بعد التغيير الكبير في الظروف السياسية".
وأكد جلال عارف أن موقف الصحفيين من التطبيع واحد من المواقف العظيمة لهم اتخذوه رغم الضغوط وتمسكوا به، وها هي الأيام تثبت صحة موقفهم، وقال إن النقابة لا تحاسب أحدا على رأي آمن به وإنما على سلوك قام به، وقال فهمي هويدي إن البعض يخلط بين الالتزام بقوانين الدولة والالتزام بسياستها، فالقوانين ملزمة، أما السياسات في أي دولة ديمقراطية ملزمة لأجهزة الإدارة وحدها لكنها لا تلزم مؤسسات المجتمع المدني بالضرورة، كما أن اعتبار قرارات الجمعية العمومية مجرد توصيات يجافي المبادئ الديمقراطية، فضلا عن أنه يعد ازدراء بالجمعية واستخفافا بقراراتها، وأنه على دعاة التطبيع من أعضاء النقابة أن يعلنوا رأيهم وأن يعبروا عن اجتهاداتهم كيفما شاءوا، ولكن حين يترجم هذا الرأي إلى عمل من أي نوع، فإن الأمر يختلف، والمحاسبة المهنية والنقابية تصبح واجبة، وقال إنه لا يوجد أي تعارض بين قرار أو قانون النقابة وقوانين البلاد لأن قوانين الدولة تبيح للنقابات أن تحدد ضوابط السلوك المهني لأعضائها، وأن النقابات حين تدافع عن قرارات جمعياتها العمومية، أنما تدافع في الوقت ذاته عن ضمير الجماعة التي تمثلها.

الأحد، يونيو 14، 2009

بعد تسع سنوات.. من يبايعنا على الحق ؟

محمد منير
كعادتى التى لا أعلم مصدرها ذهبت لأتضامن مع زملائى من جريدة الشعب الموقوفة منذ 9 سنوات بسبب نشرها مقالاً تحرضيا للدكتور محمد عباس بعنون " لا إلـه إلا الله.. من يبايعني على الموت؟" يحتج فيه على ما جاء فى رواية الكاتب السورى حيدر حيدر " وليمة لأعشاب البحر" ..
وموقفى الذى كنت أحمله لحظة ذهابى للتضامن مع زملائى المتعطلين عن العمل 9 سنوات هو رفضى لأى تحريض بالتكفير على عمل أدبى أو ضد أى شخص وفى نفس الوقت ادانتى لأغلاق جريدة بسبب ما نشر فيها وبصرف النظر عن رفضى لما نشر أو موافقتى عليه فأغلاق الصحف وقصف الاقلام جريمة كبرى لا يبررها شئ .
ومصادفة دار بينى وبين صديقى " القدرى " خالد يوسف حوار حول التحريض الذى جاء فى مقال الدكتور محمد عباس واحتدم الحوار بيننا لمدة 3 ثوانى وهى المدة المسموح بها لنا بالاحتدام على بعضنا لاعتبارات تاريخية, ما علينا .. دفعتنى الثلاث ثوانى الى إعادة قراءة مقال محمد عباس مرة أخرى بعد 9 سنوات .. وهنا تفاعلت خبرات ال9 سنوات مع موقفى السابق فأنقلبت به من اسفل الى فوق .
ففى خلال ال9 سنوات تمت محاكمة زميلنا الصحفى ابراهيم عيسى لأنه نشر خبرا حول مرض الرئيس ... خلال ال9 سنوات تمت محاكمة رؤساء تحرير صحف وصحفيين بتهم ترتبط بأهانة رموز فى الدولة ... أنا نفسى عانيت خلال ال9 سنوات وتم وقفى عن العمل ووقف راتبى واعتبرت مشاغبا أو كما يصفنى حكماء المهنة وحاكمينها مثير للمشاكل وهم ينطقونها بالافرنكية " Trouble-maker" لأننى تجرأت وانتقدت رئيس مجلس ادارة جريدتى الحزبية وهو ما اعتبره المحافظون تجاوزا ومبررا لكل جرائم ومخالفات الرجل (التى يقرون بها ) بما فيها عدم احترام احكام القضاء والتعالى والتجاوز على مهنة الصحافة ونقابة الصحفيين .
كل هذه المواقف القيمية الاخلاقية التى تحولت الى اسلحة وساككين شردت العديد من الكتاب والصحفيين واصحاب الرأى بإعتبارهم متجاوزين لها لم تشمل مجرد اعتراض على من هاجم النبى " صلى الله عليه وسلم " أو حتى امتعاض من وصف القرأن الكريم ب " الخراء " فى رواية حيد حيدر ..
أنا لا أميل للعنف حتى فى مواجهة المسئيين الى العقيدة بل أميل الى الحوار المستند على تمكن وايمان بالعقيدة .. ولكنى أحتج على الموقف الرسمى الذى يكيل ب90 مكيال فيعتبر الاشارة الى مرض رئيس الجمهورية جريمة يعاقب عليها القانون ويتهاون فى سب العقائد ويتهاون فى سب الرسول والقرأن بل ويغلق جريدة نشرت انفعال مسلم بما حدث.
ما كان يجب على هذا النظام إلا موقف من اثنين اما ترك ساحة التعبير مفتوحة بلا قيود ولا شروط ولا استثناءات .. أو على الاقل التعامل بمكيال واحد فى المعايير والتحفظات فلا يقدم كرامة الرئيس على كرامة الله .
رأيت أن أعيد نشر مقال الدكتور محمد عباس بعد 9 سنوات من كتابتها لنعيد سويا قراءتها
****************************************************************

لا إلـه إلا الله.. من يبايعني على الموت؟
تبّت أيديكم.. لم يبق إلا القرآن.. ماذا لو قلنا إن رئيس الوزراء خـراء؟!
د. (محمد عباس)، صحيفة الشعب: 28/4/2000
لا إلـه إلا الله.. بكيت.. لم يكن طول الجرح بالمسافة بل بالزمن.. جرح طوله ألف وخمسمئة عام.
صرخت: تبت أيديكم.. أيما كنتم.. وأينما كنتم.. وأيما أنتم.. وأيا كان من وراءكم.. يا كلاب النار يا حطب جهنم!
أمسكت بالـهاتف واتصلت بصديق كي أبثه همي.. استطعت بعد جهد جهيد، أن أقرأ للصديق بعض الجمل، التي انصبت على جسدي كالنار.. كرصاص منصهر.. طفحت من كتاب داعر فاسق فاجر كافر.. طبعته لنا ونشرته بيننا وزارة الثقافة المصرية.. وليس الإسرائيلية ولا الأمريكية!!
حرون هو القلم في يدي.. وقلبي لا يطاوعني، أن أنقل لكم الكلمات الفاسقة الداعرة الكافرة، التي أوردها كتاب فاسق داعر كافر.. نشرته هيئة لابد أن تكون فاسقة داعرة كافرة، تحت رئاسة مسئول لابد أن يكون داعرا فاسقا كافرا!
إليكم بعض ما طبعته ونشرته وزارة الثقافة المصرية:
"وهؤلاء يهمشون التاريخ ويعيدونه مليون عام إلى الوراء، في عصر الذرة والفضاء والعقل المتفجر، يحكموننا بقوانين آلهة البدو، وتعاليم القرآن.. خـراء".
لا إلـه إلا الله.. لا إلـه إلا الله.. لا إلـه إلا الله.
صرختْ فيَّ نفسي: كيف يا صفيق قرأتها فلم تمت على الفور.. كيف؟
تراءى لي الرسول صلى الله عليه وسلم، يناظرني معاتبا يوم القيامة، فصرخت من الخجل.
تراءى لي (الزبير بن العوام)، يهتف صارخا في حروب الردة: "من يبايعني على الموت؟"
تراءى لي ملايين وملاين من الشهداء والصابرين.. بذلوا حياتهم واحتسبوا صبرهم، لتقديس اسم الله ورفع كلمته.. ثم أتى الشيطان ليكتب ما يسميه كتابا، تعتبره وزارة الثقافة المصرية – وهى الأخرى شيطان - أدبا، فتنشره على الناس كي تنوّرهم!!!!
وزارة الثقافة المصرية في بلد الأزهر، و(صلاح الدين) و(قطز) و(خالد الإسلامبولي)، تنشر يا قراء كتابا يدعى أنه رواية، يقول: إن القرآن خـراء.. ثم لا يلبث أن يقول: إخرأ بربك.
لا إلـه إلا الله … أول مرة ألقى مثل هذا الألم في حياتي.
ولا حتى استدراجنا كقطيع من الخراف إلى مقتلة الخليج.. حين اندفع بالشرك والغباوة والخيانة والجهل والنفاق نصفنا يقتل نصفنا.. كقطيع.. قطيع من الخراف يندفع إلى المجزرة، وهو فرح بها نشوان!!
ولا حتى عندما حمل السادات، كفننا وكرامتنا وتاريخنا، ليذهب مذموما مدحورا إلى القدس!!
ولا حتى مع الذبح اليومي الذي نشارك فيه للعراق.. ولا حتى يوم موت أبى.. أبدا.. لم أشعر بمثل هذا الألم.
القرآن.. خـراء!!!
ملاذنا الأخير ينتهك ويهان.
كان صديقي ما يزال على الـهاتف.. وكنت ما أزال أبكى وأنا أقرأ له، مما نشرته وزارة الثقافة المصرية.. رائدة التكفير لا التنوير:
"الله قال انكحوا ما طاب لكم، رسولنا المعظم كان مثالنا جميعا ونحن على سنته.. لقد تزوج أكثر من عشرين امرأة بين شرعية وخليلة ومتعة".
ثم يستطرد الكتاب الفاجر الكافر، الذي يلبس عباءة رواية وليس برواية، إلا في عقول شاذة مريضة، سعت وتسعى إلى نشر الكفر والفاحشة.. يستطرد مجترئا على الذات الإلـهية، ليقول:
"إن رب هذه الأرض كان يزحف وهو يتسلل من عصور الرمل والشمس ببطيء السلحفاة".
ويسوق في حوار فاجر كافر:
"هو من صنع ربى".
"لا بد أن ربك فنان فاشل إذن".
لا إلـه إلا الله.
ويقول الفاجر الفاسق الكافر: مؤلفا وطابعا وناشرا ووزارة:
"داخل هذه الأهواز التي خلقها الرب، في الأزمنة الموغرة في القدم، ثم نسيها فيما بعد لتراكم مشاغله، التي لا تحد في بلاد العرب وحدها، حيث الزمن يدور على عقبيه منذ ألفي عام".
"أقام الله مملكته الوهمية، في فراغ السماوات".
"وخلع الجلد المتخلف والبالي، الذي خاطه الإسلام فوق جلودنا القديمة".
"إن حبل السرة، ما يزال موصولا مع الأزمنة الرعوية، وأزمنة عبادة الله الواحد القهار في السماء والأرض، وذلك الذي يقول للشيء كن فيكون".
آه ينصدع لها القلب، وينحطم الفؤاد، وتنكسر الروح.
برح الخفاء يا ناس، وهذا وقت المفاصلة، إما إيمان وإما كفر.
للوهلة الأولى.. والدوار يكتنفني، قلت لنفسي: اذهب إلى الأزهر على الفور، واصعد منبره واصرخ: من يبايعني على الموت؟!
ثم آخذ الرهط الذي يجتمع حولي، وأتوجه بهم إلى قصر الرئيس (مبارك).. عراة صدورنا، نازفة قلوبنا، دامعة عيوننا، عُزّل أيدينا.. نسألـه والسؤال دم:
ما هي الحدود بين الإسلام والكفر؟.. ما هي التخوم بين التنوير والتعهير؟.. ما هى الطخوم بين تجفيف المنابع والخروج من الملة؟.. ما هي البيون بين أن تكون (مصر) قائدة للتنوير حقا يرتضيها العرب والمسلمون، وبين أن تكون قوادة للكفر والفسوق والعصيان؟
نهتف فيـه:
أنت ولى الأمر … وليس لنا أن نقيم الحد على الفجرة الكفرة الفسقة بأيدينـا.
تسلل إلى نفسي أمل ميت.. أن يكون ثمة لبس قد حدث أمام صحيفة "الأسبوع"، عندما فجرت هذه الفضيحة منذ أسابيع قليلة.. لعل الكتاب طبع في (إسرائيل) مثلا!!.. وقلت لنفسي أن الإسلام يأمرني بالتثبت.. بحثت عن الكتاب.. ووجدته:
وليمة لأعشاب البحر.. (حيدر حيدر).. سلسلة "آفاق الكتابة".. العدد 35- "الـهيئة العامة لقصور الثقافة".. وعنوانها كما هو مثبت: "16 أ شارع أمين سامي- قصر العيني – القاهرة".
أما الطابع فهو: "شركة الأمل للطباعة والنشر".
أما قائمة العار الدنـسة المكتوبة على صفحات الكتاب الأولى، فتجمع: رئيس مجلس الإدارة: (على أبو شادي)، أمين عام النشر: (محمد كشيك)، رئيس التحرير: (إبراهيم أصلان)، الإشراف الفني: د.(محمود عبد العاطي)، مدير التحرير: (حمدي أبو جليـل).
لا إلـه إلا الله.
كنت أظن أني محتاج لقراءة الرموز بين السطور، كي أكشف الشرك الخفي.. حتى جاء هذا الكتاب، وفجرت صحيفة "الأسبوع" قضيته.
ليس الشرك الخفي بل الكفر البواح!!
هو الخيانة لله ولرسوله.. هو الخيانة للأمة وللوطن.. هي العمالة الصريحة المباشرة لـ(أمريكا) و(إسرائيل).
هو التسلل إلى عقول أبنائنا، لإخراجهم من الإسلام تماما، كما قال (زويمـر) (1). هو نشر الإباحية والسفالة والشذوذ، وقتل روح الأمة.
إن العار لا يلحق بوزارة الثقافة فقط.. فتضامن المسؤولية الوزارية، يجعل مجلس الوزراء كله مسئولا، وكل وزير مسئول.. ورئيس الوزراء مسئول.. و... !!
لكن الفاجر يكتب، والفاجر ينشر أن القرآن خــراء.. واخرأ بربك.. ثم يجد من يدافع عنه!!!!!!
أما من وزير يستقيل؟!
لا إلـه إلا الله.
يا جلالة ملوك وفخامة رؤساء الدول الإسلامية.. لطالما تعاونتم على الإثم والعدوان.. فتعاونوا ولو مرة للدفاع عن القرآن.. اطلبوا الرئيس (مبارك) اليوم.. قولوا له أن ما نشرته وزارة الثقافة المصرية، لم يذبح المسلمين في (مصر) فقط، بل في العالم الإسلامي كله.. من لم يفعل منكم ذلك، فليأت الله يوم القيامة والقرآن خصمه!
من كان منكم يحب الله والرسول، فليدافع عن القرآن.
من كان منكم مذنبا فليكفر عن ذنوبه، بالدفاع عن القرآن.
يا شيخ الأزهر.. يا فضيلة المفتى.. يا شيوخ الأزهر، ويا طلبة جامعة الأزهر.. يا خطباء المساجد … لا إلـه إلا الله.
يا كل هيئة ومؤسسة وصحيفة في العالم الإسلامي.. اكتبوا أنهم في بلد الأزهر، ينشرون أن القرآن خـراء.
أيّها الشيخ (يوسف القرضاوي).. دافع عن القرآن بما أنت له أهل.. إن الأمة تنتظر فتواك في كل مسئول عن نشر هذا الكتاب.. أصرخ فيك.. أهتف فيك: (مصر) لم تعد بخير.. (مصر) لم تعد بخير.. (مصر) لم تعد بخيـر … فالنجدة النجدة والغوث الغوث … فإنه القـرآن … ولا إلـه إلا الله.
يا سيادة الرئيس … أطفئ الفتنـة.
واعلم هدانا وهداك الله، أن الأمر ليس أمر وزير فاسق أو وزارة فاجرة، بل هو منهج مشرك تسلل إلى النظام.. مسئوليتك أمام الله أن تزيله، وأن تحاربه حتى لو استشهدت دونه.. منهج مشرك لا يقتصر على وزارة ولا يقوم به مجرد أفراد
(2).
واعلم هدانا وهداك الله، أن مثل هذا المنهج الفاجر، هو الذي يغيب في السجون والمعتقلات عشرات الآلاف من شباب، لم يأخذوا عليهم سوى أن الإسلام دينهم والقرآن كتابهم.. بينما يرى ذلك المنهج الخائن الفاجر الكافر العميل، أن القرآن خـراء … وذلك ما ينقمونه عليهم.
واعلم هدانا وهداك الله، أن أسوأ ما تفعل أن تكتفي، بإقالة وزير أو تنحية مسئول
(3)-!!
فالخطب أطم والمصيبة أعم.
قل لي يا سيادة الرئيس: هل ترضى لعهدك – دون العهود جميعا – أن تصمه هذه الوصمة.. فالقرآن لم يتعرض لمثل ما يتعرض له الآن.. أبدا.. ولا حتى في عهد (كرومر)!!.. بل وحتى الفراعنة كانوا يقدسون كتب الدين!
قل لي يا سيادة الرئيس: هل كانت الدولة تسكت لو أن من كتب هذا الكتاب، أو طبعه، أو نشره ووزعه، كان قد وضع الإنجيل أو التوراة مكان القرآن؟!.. ما كانت الدولة لتسكت.. وما كنا نحن أيضا سنسكت
(4)].
يا سيادة الرئيس: إنك مسئول عن هذه الفئة المنحرفة الشاذة.. مسئول أمام الأمة وأمام التاريخ وأمام الله.. إن القانون في (بريطانيا) يحمي الإنجيل والتوراة.. وأخوتنا المسلمون هناك يجاهدون لمدّ مظلة الحماية إلى القرآن.. فهل ترضى لنفسك أن نجاهد أمامك لسن قانون يحمي القرآن؟!
يا سيادة الرئيس: إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه.. وإني والله لمشفق عليك من أن تلقاه وهذه الفعلة الشنعاء في كتابك.. توضع في ميزانك.. وما أثقلها.. ما أثقلها.. ما أثقلها!
وإنني أناشدك يا سيادة الرئيس ـ أبيت اللعن ـ أن تطفئ لهيب الفتنة ببيـان يصدر عن الرئاسة اليوم.. بيان استغفار إلى الله.. واعتذار إلى الأمـة.
فإن لم تفعل يا سيادة الرئيس.. فإنني أرجوك: مر رجالك بقتلي.. قتلة غلام أهل الأخدود.
*************************************************
(1) قال (صموئيل زويمر) رئيس جمعيات التنصير في مؤتمر (القدس):
إنكم إذا أعددتم نشا لا يعرفُ الصلةَ بالله، ولا يريد أن يعرفَها، أخرجتم المسلم من الإسلام، وجعلتموه لا يهتمّ بعظائمِ الأمور، ويحبُّ الراحةَ والكسلَ، ويسعى للحصولِ على الشهواتِ بأي أسلوبٍ، حتى تصبحَ الشهواتُ هدفَه في الحياةِ، فهو إن تعلّم فللحصولِ على الشهوات، وإذا جمع المالَ فللشهواتِ، وإذا تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات، إنه يجودُ بكلِّ شيءٍ للوصول إلى الشهواتِ!
(2) كانت هذا الكلمات المسامير في نعش صحيفة الشعب، خاصة مع موقفها من إعادة ترشيح رئيس الجمهوريّة للفترة الرابعة، حيث تمّ تلفيق تهمة مغرضة لها وإغلاقها.. أمّا كلّ شيء فقد ظلّ كما هو في وزارة الثقافة، إلى أن تبع ذلك بعام فضيحة مصادرة بوليس الآداب لثلاث روايات أصدرتها الوزارة، وما تلاها من استجواب في مجلس الشعب، سارع إثره الوزير الملعون بإجراء بعض التغييرات الوهميّة في الوزارة، تبعها بمشروع تدريس الجنس في المدارس!!!!!
(3) !!!!!!!!!
(4) ولا كانت (أمريكا) ستسكت!

السبت، يونيو 13، 2009

صوت المعتصمون 1

صوت المعتصمون
نشرة تطورات اعتصام صحفيي الشعب
* * * *
عارف وقلاش يزوران صحفيي " جريدة الشعب "
زار الاستاذ جلال عارف نقيب الصحفيين السابق مساء الخميس الماضي مقر اعتصام صحفيي " جريدة الشعب " بالنقابة وعبر عن تضامنه مع قضيتهم العادلة وحقوقهم المادية والمهنية وضرورة نيلها حيث مكث معهم ما يقرب من ساعة ورافقه خلال الزيارة الزميل يحي قلاش عضو مجلس النقابة الحالي و السكرتير العام السابق لنقابة الصحافيين وهي الزيارة الثالثة للاستاذ قلاش للزملاء حيث سبق ان زارهم مرتين وناقش معهم باستفاضة طرق حل مشكلتهم وضرورة تكاتف المجلس والنقيب معهم من اجل التعامل معها ووضع نهاية لاغلاق "جريدة الشعب " وحرمانهم اكثر من تسعة اعوام من ممارسة عملهم وهو ما يستدعي ضرورة حل مشكلتهم المهنية أيضا... لكون ان الحكومة هي التي اغلقت الصحيفة ولا ذنب لهم في ذلك وكان في استقبال الزميلين الفاضليين عارف وقلاش عدد من المعتصميين والمساندين لقضيتهم من مختلف المؤسسات وكان مقر الاعتصام شهد توافد عدد كبير من رفاق المهنة العاملين في مؤسسات صحفية مختلفة وعدد من ناشطي الحريات وحقوق الانسان
*** *** *** ***
اقوال الصحف
واصلت الصحف المصرية الحرة اهتمامها باعتصام الزملاء بالشعب وكتب ـ مختار محروس بجريدة الوفد امس الجمعة تحت عنوان نقيب الصحفيين يعترف بصعوبة إعادة إصدار جريدة »الشعب ما يلي : استعرض مكتب هيئة مجلس نقابة الصحفيين مشكلة صحفيي جريدة »الشعب« المعتصمين بالنقابة بسبب اغلاق ملف التأمينات وعدم زيادة أجورهم منذ تسع سنوات. والتقي مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين بالمعتصمين وأبلغهم تضامن مجلس النقابة معهم والتزامه بحل المشكلات المالية والعمل علي تسوية مرتبات الصحفيين التي لم يطرأ عليها أي زيادات منذ توقف الجريدة عن الصدور والعمل علي اعادة فتح ملف التأمينات الاجتماعية وتسوية المعاشات. وعن مطالبة الصحفيين بإعادة صدور الجريدة أكد مكرم أن اعادة الجريدة للصدور أمر صعب للغاية ولكنه سوف يتضامن مع الصحفيين في أي قضايا أمام المحاكم لاعادة اصدار الجريدة. وأكد صحفيو الشعب استمرار اعتصامهم بالنقابة حتي تحقيق مطالبهم ونددوا بموقف المجلس الاعلي للصحافة والذي رفض مقابلتهم وبحث مشاكلهم
*** **** **** ***
أصدقاء العمر
حرص عدد من الزملاء السابقيين في "جريدة الشعب " الذين التحقوا بمؤسسات اخري عقب ايقاف الصحيفة علي زيارة مقر الاعتصام ليعربوا عن تضامنهم مع زملاء واصدقاء عمرهم وفي مقدمتهم من كتاب جريدة الشعب الصحفيين جمال سلطان " رئيس مجلس ادارة صحيفة المصريون الاليكترونية " والدكتور محمد مورو اللذان مكثا اكثر من اربعة ساعات مع المعتصميين امس الجمعة واعربا عن تضامنهما التام مع مطالبهم العادلة , اضافة لكل من الزميلين الكاتب الصحافي بالاهرام ابو العباس محمد و محمود ابراهيم كما حرص زميلنا الفاضل الفنان عصام الشرقاوي رسام الكاريكاتير علي زيارة مقر الاعتصام والمشاركة بفاعلية في كتابة الافتات بخطه الجميل مستغلا موهبته الخلاقة
وأخيرا
يعقد مجلس نقابة الصحفيين برئاسة النقيب مكرم محمد احمد بعد ظهر الاحد الموافق 14\6\ 2009م اجتماعا مهما يجيء علي رأس جدول اعماله متابعة تطورات اعتصام الزملاء في جريدة الشعب واثارة قضيتهم خلال اللقاء المنتظر ان يعقده النقيب وعدد من اعضاء المجلس الاعلي للصحافة يوم الاثنين 15\6\2009م

العراق..صراع المثل والواقع

نذار حيدر*
nazarhaidar@hotamil.com
يتساءل العراقيون ببراءة واستغراب، هل يمكن ان يتورط من احترقت جبهته من كثرة الصلاة، بالسرقة؟ وهل من الممكن ان يتورط من شب على ثقافة الدين وتحت منابر الخطباء، بالفساد المالي والاداري؟.
لقد حكمت العراق تيارات ايديولوجية مختلفة، كان من ابرزها التياران القومي واليساري، وكلها افسدتها السلطة، فبعد ان كانت هذه التيارات ترفع شعارات (انسانية) حلوة وجميلة تستهوي القلوب، اذا بها تسقط في امتحان السلطة الى الحضيض.
وفي كل مرة تبدا القصة عندما ينطلق الصراع عنيفا بين القيم والمثل النبيلة التي يتربى عليها (المؤدلجون) وهم خارج السلطة، في المعارضة مثلا، وبين الواقع الجديد الذي تفرضه متطلبات السلطة، ولان الاخيرة اشد تاثيرا في النفوس، لذلك تنتصر متطلبات الواقع على القيم والمثل، التي يبدا (المؤدلج) يشعر ازاءها وكانها تنظيرات ومثاليات لا يمكن تطبيقها او الالتزام بها على ارض الواقع، بعد ان كان يعتبرها اساس نضاله الايديولوجي والسياسي ضد الزمر المنحرفة وضد مصاصي دماء الشعوب، وضد قوى الامبريالية والصهيونية وما الى ذلك من الشعارات.
كل هذا كان الى ما قبل التاسع من نيسان عام 2003، اذ لم يكن التيار الديني قد تورط بمثل هذا الصراع بين المثل والقيم التي ربى عليه ابناءه وانصاره، وبين واقع السلطة.
ولذلك كنا نفخر بان التيار الديني انظف كل التيارات (المؤدلجة) غافلين عن حقيقة السبب في ذلك، الا وهو عدم تورطه، حتى ذلك الحين، باختبار السلطة، فالحكمة تقول {عند الامتحان يكرم المرء او يهان}.
كنا نظن بان مجرد الادعاء يكفي لاثبات الشئ، ولم ندر ما كان يخبئه لنا الزمن، حتى اذا تصدى هذا التيار للسلطة بعد سقوط الصنم في بغداد، اذا بنا نشهد تساقط اوراق التوت عن عورته، الامر الذي ذكرني بقصة ظريفة جدا حدثت لاخوين شقيقين، قرر الاول ان يهجر المدينة وضجيجها ليلجا الى الجبال منقطعا الى الله تعالى يعبده ويتضرع اليه وحده لا شريك له، فيما بقي الثاني يعيش حياة المدينة في محل الصياغة الذي يمتلكه في وسط السوق.
بعد مدة، وصل الاول الى درجة اليقين بالله تعالى، فاكرمه ربه بكرامة عجيبة، فكان يضع الماء في سلة من دون ان ينسكب من ثقوبها، فقرر ان يبعث بهذه الكرامة الالهية الى شقيقه في المدينة ليفخر بها عند الناس.
وصلت الكرامة للثاني، الذي آثر ان يعلقها في محله ليراها الناس، مفتخرا بما آل اليه حال اخيه من الايمان والتقوى ومخافة الله عز وجل، فيما قرر في ذات الوقت ان يهدي شقيقه الكرامة التي اكرمه بها الله عز وجل، والمتمثلة بقطعة من القطن في وسطها جمرة من النار، فلا الجمرة تنطفئ ولا القطنة تحترق.
عندما وصلت الهدية الى الاول، استغرب من هذه الكرامة، وتساءل مع نفسه، ترى، ما الذي فعله شقيقه وهو في وسط السوق وفي محل الصياغة الذي لا تمر عليه للتبضع الا النساء وجلهن من الحسناوات الفاتنات؟ فما الذي فعله شقيقه ليكرمه الله تعالى بهذه الكرامة، ويساويه فيها معه، وهو المنقطع عن الدنيا والبعيد عن تحديات الحياة واغراءاتها؟.
قرر ان يذهب الى المدينة ليزور شقيقه في محله ليراقبه عن كثب لمعرفة حقيقة (التقوى) التي وصل اليها والتي اهلته لان يرزقه ربه هذه الكرامة العظيمة، اسوة به.
عندما وصل الى محل شقيقه، وقف جانبا يراقبه ليرى كيف يتعامل مع الزبائن، وجلهم من النساء، فراى انه لا يرفع عينيه بوجه الزبائن ويغض بصره عن مفاتن النساء ولا يتلصص بنظره ليتفرس وجه هذه او صدر الاخرى او مفاتن الثالثة.
في هذه الاثناء، انتبه الرجل (المتقي) المتفرغ لعبادة الله تعالى في الجبال والبعيدة، الى الزبائن واذا به وسط مجموعة من النساء الفاتنات، اللاتي جئن الى المحل للتبضع، فراحت عينه تخونه متلصصا على هذه ومتفرسا صدر الاخرى ومندهشا بجمال الثالثة، وهكذا.
في هذه الاثناء، بدات كرامته (السلة التي تحفظ الماء من دون ان ينسكب منها والذي كان شقيقه قد علقها في المحل) يتسرب منها الماء قطرة فقطرة، ايذانا من الله تعالى بسلب الكرامة منه.
حينها وقف الرجل على فلسفة (التقوى) وحقيقة (الايمان) ولماذا ساوى الله تعالى بينه (وهو المنقطع الى الله عز وجل) وبين شقيقه الذي يعمل في محل الصياغة مستعدا لمواجهة التحديات، فعرف ان سر (التقوى) يظهر عند الامتحان، وليس في الجبال والصحاري القفار، ولذلك ففي لحظة التحدي سقط في الامتحان، فسلب ربه منه الكرامة.
هذه القصة تلخص فلسفة القول الماثور (عند الامتحان، يكرم المرء او يهان) وهو القول الذي يكشف، عادة، عن حقيقة التيارات (المؤدلجة) وما اذا كانت قادرة على التمسك بقيمها ومثلها النبيلة، ليس وهي تعيش في الجبال بعيدا عن تحديات السلطة، ابدا، فان في مثل هذه الحالة لا يوجد تحد واختبار، ولذلك لا يمكن الحكم مع او ضد، وانما عندما تنزل من قمم الجبال الى وادي السلطة، فكيف ستكون؟.
لذلك، اعتقد ان على الشعب العراقي اليوم وبعد ان جرب كل المؤدلجين، ان ينتبه جيدا، ليس الى صلاة المسؤول او جبهته السوداء او قيامه في الليل، او حديثه (الديني) المنمق، او خطاباته التي تستهوي العقول والقلوب وتبهر المستمع والمشاهد، ابدا، وانما الى تعامله مع الموقع، فان الذين قتلوا امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام كانوا ينعتون بـ (اصحاب الجباه السود) لكثرة صلاتهم، وان من قتل الحسين السبط عليه السلام في عاشوراء في كربلاء عام 61 للهجرة، كانوا من الحفاظ والقراء، اي من حفاظ القران الكريم وقرائه.
ولكل ذلك قال رسول الله (ص) قوله المشهور {الدين المعاملة} فهو لم يقل الدين الصلاة او الدين الصيام، ابدا، لان كل ذلك علاقة بين العبد وربه، واذا كان فيها منفعة فهي له، اما المعاملة فهي العلاقة بين العبد واخيه العبد، والى هذا المعنى يشير قول الرسول الكريم (ص) {المسلم من سلم الناس من يدعه ولسانه} اي ان المسلم هو الانسان الذي لا يتضرر منه الناس، والا، ماذا ينتفع العراقيون بصلاة الوزير اذا لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر؟ وهما هنا الفساد المالي والاداري؟ وماذا ينتفع الناس بجبهة الوزير (المحروقة) اذا كانت تبرر له السرقة وتفلسف له التعدي على حقوق الناس؟.
لقد قال لي مرة وزير من التيار الديني، انه وزميل له ينتمي الى نفس التيار يتوظآن قبل ان يذهبا الى وزارتيهما، ليباشرا عملهما على وضوء.
وقتها احسنت الظن بهذا الوزير، ففسرت كلامه بطريقة ايجابية، فاعتبرت ذلك قوة في الدين وشدة في التقوى ومخافة الله تعالى، اما اليوم، وبعد ان تبين ان زميله متورط بالفساد، فقد اعدت تفسير قوله، فتبين لي انه كان يقصد بان زميله يتوظأ قبل الشروع بالعمل في وزاراته، ليشرعن سرقاته، فالوضوء يحلل المال المسروق، طبعا على حد فهم السيد الوزير، وبكلمة اخرى، فانني فهمت الان من كلام الوزير ان زميله كان يتوظأ قبل ان يسرق.
آخر سالته عن موقع التربية (الدينية) التي نشأ عليها المسؤولون من التيار الديني منذ صباهم عندما انخرطوا في الاحزاب الدينية، وما اذا كانت تلك التربية غير كافية لردعهم عن التورط بالمال العام والفساد الاداري، الذي نسمع عنه؟ فرد علي بالقول:
تلك كانت التربية النظرية، انها الكلام، والكلام، كما تعرف، قال لي، ليس عليه ضريبة، اما اليوم فنحن في قاعة امتحان كبيرة جدا اسمها العراق، وانا، اضاف، لست متيقنا من امكانية ان يجتاز التيار الديني مرحلة الاختبار بجدارة، او انه سيسقط كما سقط من سبقه من التيارات (المؤدلجة) التي تعاقبت على حكم العراق.
اعود للاجابة على سؤال العراقيين الذي توجت به المقال، لاقول:
بعد ان ثبت لنا بالدليل القاطع، تورط (التيار الديني) او المتلبس بالدين، كالقاعدة وطالبان والعديد من التنظيمات (الدينية) في العراق وغير العراق، تورطها بالقتل والتدمير وعمليات التفجير بالسيارات المفخخة والاحزمة الناسفة، هل يمكن ان نستبعد تورطها بعمليات الفساد المالي والاداري؟ بالتاكيد لا، لانها، وللاسف الشديد، توظف الدين لممارسة الانحراف، وهي لا تتورع حتى عن توظيف النصوص القرآنية لشرعنة سرقاتها وكل انواع الفساد الاداري، ولماذا لا تفعل ذلك، بعد ان وظفت الدين وآيات القران الكريم لتحليل دم الناس واهداره بالقتل والذبح؟.
لقد طلب احد الناس الصفح من احد العلماء المجتهدين، على ما كان يغتابه في الايام الماضية، فرد عليه الفقيه بالايجاب بلا تردد، فساله من حوله، الم يكن من الافضل ان تتريث قليلا لتعرف حقيقة الرجل؟ فقال لهم، انا ابرئ ذمة كل من يغتابني، الا (المؤمن) منهم، استغرب الحضور من قوله، وسالوه، لماذا يا مولانا، فقال، لان الناس العاديين يغتابونني بجهل، اما (المؤمن) فانه يفسقني (بتشديد السين) اولا، ثم يورد الحديث الوارد عن الرسول (ص) {لا غيبة على فاسق) ثم يغتابني، وهو بذلك لا يعتبر حديثه عني غيبة لانه فسقني قبل ان يغتابني.
ولذلك اعتقد ان سقوط (التيار الديني) في امتحان السلطة سيكون اكثر مدويا من سقوط اي تيار آخر سبقه الى قاعة الامتحان، لانه سيسقط وهو متلفعا بعباءة الدين، ولهذا فان عليه ان ينتبه الى نفسه لانه سيلحق الضرر بدين الناس وتدينهم، فقد يتسبب بردة فعل عند الكثيرين من الناس الذين يحاولون معرفة الحق بالرجال، فيما اوصانا امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام ان نعرف الحق لنعرف رجاله.
ومن اجل الوقوف بوجه التدهور الاخلاقي، فانا اعتقد ان على التيار الديني ان يبادر فورا الى تطهير صفوفه من الفاسدين، وان يعاقبهم حزبيا قبل ان يحاسبهم القضاء، وان يعيد منهم كل فلس سرقوه قبل ان يجبرهم القضاء على ذلك.
اما اذا اراد ان يتستر على اللصوص، او يبرر للمفسدين، فانه الى الهاوية بالتاكيد، فدعاء الايتام والارامل لا يرحم، وان الله {لا يخدع عن جنته} كما في الماثور، فلقد كان امير المؤمنين عليه السلام اول المراقبين واشد المحاسبين لولاته وعماله، فكان ما ان يشم من احدهم رائحة فساد او لصوصية او ظلم يسارع فورا الى عزله وابعاده عن موقع المسؤولية، لماذا؟ لانه كان يشعر بانه مسؤول عن كل ظلامة تلحق بمواطن قبل مسؤولية العامل او الوالي، بل انه كان اشد وطأ على المحسوب منهم عليه، فلم يكن ليتساهل معه او يتباطا في محاسبته او يبرر له فعله او يخفيه عن القضاء، مثلا.
اما هو شخصيا، فقد كان عليه السلام يتمتع بحساسية مفرطة من الظلم والتعدي على حقوق الناس، وعلى بيت المال، ولقد دون لنا التاريخ الكثير الكثير من القصص عنه عليه السلام بهذا الشان، منها قصته مع اخيه عقيل، وموقفه من الجماعة التي عاتبته على التسوية في العطاء، وطلبت منه ان يميز بينهم وبين سائر المسلمين في العطاء من بيت المال، فرد عليه السلام عليهم بقوله المشهور {اتامروني ان اطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟ والله لا اطور به ما سمر سمير، وما ام نجم في السماء نجما، لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وانما المال مال الله؟ الا وان اعطاء المال في غير حقه تبذير واسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الاخرة، ويكرمه في الناس ويهينه عند الله، ولم يضع امرؤ ماله في غير حقه ولا عند غير اهله الا حرمه الله شكرهم، وكان لغيره ودهم، فان زلت به النعل يوما فاحتاج الى معونتهم فشر خليل وألأم خدين} وصدق امير المؤمنين عليه السلام عندما قال {اكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع}.
بل انه عليه السلام كان يدعو الى قتال من ينتحل انتماءه اليه اذا اخطا او ارتكب جريمة او غش او اعتدى على حقوق الناس او مد يده الى بيت المال بغير حق، فكان يقول عليه السلام في وصف كل ذلك {الا من دعا الى هذا الشعار فاقتلوه، ولو كان تحت عمامتي هذه}.
لقد كان عليه السلام يتبرا من الظلم بكل طريقة، في القول والعمل، في الشهود وفي المغيب، في السر وفي العلن، فكان يقول {والله لان ابيت على حسك السعدان مسهدا، او اجر في الاغلال مصفدا، احب الي من ان القى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد، وغاصبا لشئ من الحطام، وكيف اظلم احدا لنفس يسرع الى البلا قفولها، ويطول في الثرى حلولها} ويضيف {والله لو اعطيت الاقاليم السبعة بما تحت افلاكها، على ان اعصي الله في نملة اسلبها جلب شعيرة ما فعلته، وان دنياكم عندي لاهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعلي ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل، وقبح الزلل، وبه نستعين}.
هذا هو نموذج التيار الديني، وهذا هو الاسوة لمن اراد ان يدعي انتماءه الى التيار الديني، اما ان يدعي انتماءه للدين او لعلي ثم يسرق او يعتدي او يبرر للص، فان كل ذلك ليس من الدين وليس من نهج علي في شئ.
وبالمناسبة، فلقد كان بامكان الامام ان يجد الف حجة وحجة لتبرير الظلم، حاشاه من ذلك، فالدين كان طوع بنانه، ونصوص القرآن محفوظة في صدره، بل انه هو القران الناطق، كما يفعل اليوم الكثير ممن يدعي الانتماء الى الدين، ولكن، وكما قال رسول الله (ص) {لا يخدع الله عن جنته} فالتورية قد تخدع صاحبها ولكنها لا تخدع الله البتة.
اما رسول الله (ص) فقد كان اشد من ذلك وهو القائل {لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها} فما بال الاحزاب (الدينية) تدافع عن فاسد في صفوفها او متلبس بجريمة من وزرائها، اتظن انها بذلك تبرئ ساحتها؟ ام ان مبادرتها لتطهير صفوفها من مثل هذه العناصر هو الذي يبرئ ساحتها؟ الا تتذكر قول امير المؤمنين عليه السلام الذي يقول فيه {فحاسب نفسك لنفسك} بمعنى ان مبادرتها لمحاسبة نفسها يعود بالنفع على نفسها اولا وقبل اي واحد آخر، هذا اذا كانت تبحث عما يصون سمعتها وماء وجهها ويعيد لها اعتبارها عند الناس بعد كل هذه الفضائح.
يجب عليها ان تثبت للراي العام العراقي انها احرص حتى من القضاء على حقوق البلاد والعباد، وصدق امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام الذي يقول {ان افضل الناس عند الله من كان العمل بالحق احب اليه، وان نقصه وكرثه، من الباطل وان جر اليه فائدة وزاده}.
اما الناس، فتقع عليهم مسؤولية الرقابة الدقيقة، من دون ان تركن لتدين المسؤول او ثقافته او انتماءه، فالعبرة، كما قلنا، بطريقة التعامل مع الموقع، وليس بالدين او الزي او التاريخ او الانتماء، ابدا.
-------------------------
* مدير مركز الاعلام العراقى بواشنطن

الجمعة، يونيو 05، 2009

* «أبوزيد» طالب بالضغط على إسرائيل لحماية ماء النيل.. وعلام يبرئ تل أبيب!

تحليل يكتبه محمد منير



* هل يعرف وزير الرى نصر علام الأخطار التى تواجهها مصر فى ماء النيل؟


* «أبوزيد» طالب بالضغط على إسرائيل لحماية ماء النيل.. وعلام يبرئ تل أبيب!


* الاستعمار البريطانى دافع عن أمن مصر أكثر من حكومات الاستقلال.. إسرائيل تسعى للانضمام إلى دول مجرى النيل.. وتحرض دول الحوض.. فماذا فعل علام؟

لم يقصد «هيردوت» المعنى الشاعرى «مصر هبة النيل» وإنما كان يشير بشكل واضح لارتباط وجود مصر باستمرار تدفق شريان النيل إليها والعكس بالطبع صحيح. وعندما قال «مصطفى النحاس» رئيس وزراء مصر السابق «فلتقطع يدى ولا تفصل مصر عن السودان» لم تكن خطابة حماسية بل كانت جزءا من مواجهة وطنية ضد مصالح استعمارية استهدفت دول مجرى النيل.
وإعلان «محمد نصر علام» وزير الرى الحالى رفض توقيع مصر على الاتفاقية الإطارية للتعاون بين دول حوض النيل فى الموتمر الذى عقد فى كينشاسا عاصمة الكونغو لعدم وجود بند صريح يضمن الحفاظ على الحقوق التاريخية لمصر فى مياه النيل، لا يعنى براءة الحكومة المصرية من مسئولية تقوية وتمكين إسرائيل من التغلغل فى دول المجرى وفرض مصالحها التى تقف وراء هذه الاتفاقيات إلى الحد الذى أصبح معه رفض مصر أو موافقتها أمرا غير ذى أهمية.
ومن القرائن على عدم براءة الحكومة أسلوب عزل وزير الرى السابق محمود أبوزيد بعد انتقاداته المتكررة للموقف الرسمى المصرى فى التعامل مع التهديدات التى تواجه حصة مصر من مياه النيل ومطالبة الحكومة بالتدخل والضغط على إسرائيل للتوقف عن عبثها بأمن مصر المائى عن طريق تشجيعها لبعض دول الحوض بالدعوة لتعديل اتفاقية حوض النيل التى تعطى لمصر 55.5 مليار متر مكعب سنويا وأيضا بعد أن طلب من الحكومة الاستعداد لكل الاحتمالات بما فيها المواجهة المسلحة مع بعض دول حوض النيل بسبب إصرار تلك الدول على إقامة مشروعات على النيلين.
وفور استبدال أبوزيد بعلام بدأ الأخير تصريحات تعلن استيعابه للأسباب التى أطاحت بسلفه فأطلق سلسلة من التفسيرات الجوفاء التى تفرغ الموضوع من مضمونه وتبعد بأسباب الأزمة عن إسرائيل وإرجاعها إلى شماعة الزيادة السكانية والتقصير فى مجالات التعاون مع دول حوض النيل، تمهيدا لتبرير أى تنازلات ستقدمها مصر لإسرائيل فى هذا المجال مكتفيا بدعاء الأزمة المأثور «يا خفى الألطاف نجنا مما نخاف».
وقد حرصت معظم الاتفاقيات التى عُقدت بين دول مجرى النيل لتنظيم توزيع المياه وتمت بتوكيل الدول الاستعمارية عنها وبرغبتها وطبقا لمصالحه والتى كان أهمها اتفاقية 1929 التىأبرمت بين مصر وبريطانيا نيابة عن السودان وكينيا وتنزانيا وأوغندا اتفاقا اعترفت فيه بريطانيا بحق مصر الطبيعى والتاريخى فى مياه النيل، وعدم إقامة أعمال تخص الرى أو توليد الطاقة على النيل وفروعه أو البحيرات التى ينبع منها والتى قد تمس بأية صورة مصالح مصر، وتقرر أن يكون نصيب مصر 48 مليار متر مكعب سنويا (ارتفع بعد مشروع السد العالى إلى 55.5 مليار متر مكعب).
وهنا نلاحظ أن كل الاتفاقيات راعت ظروف مصر واحتياجها لأكبر قدر من المياه.والطبيعى بعد استقلال مصر وجلاء بريطانيا أن تركز القيادة السياسية الجديدة على أمن الحدود الجنوبية وأن تتغير دوافع الاتفاقيات المائية بين دول المجرى من الدوافع السياسية الاستعمارية إلى الدوافع التنموية القومية والتحررية والتكاملية إلا أن نظر القيادة السياسية اتجه بكل قوته للحدود الشرقية. وخلال انشغال القيادة المصرية بكل إمكانياتها فى حماية الجبهة الشرقية (وهو ما فشلت فيه), لم تتوقف الخطط الاستعمارية بقيادة الولايات المتحدة عن محاولتها القضاء على التفوق المصرى فى الزراعة وخاصة القطن طويل التيلة ومن الروايات التى تحمل دلالات فى هذا الإطار هو ما حدث عندما رهن «دين راسك» وزير الخارجية الأمريكى موافقة حكومته على طلب قرض تقدمت به مصر بإلغاء صفقة تصدير أقطان طويلة التيلة لليونان كما أبدى استياءه من منافسة القطن المصرى طويل التيلة لمثيله الأمريكى.
وتسير الأمور من سيئ إلى أسوأ وخاصة بعد الفوضى التى سادت مصر عقب التطبيق العشوائى لسياسات التحرر الاقتصادى واتفاقيات السلام مع إسرائيل لتتجه سياسات المسئولين عن الزراعة إلى كسر ثوابت الزراعة المصرية من خلال استجابة وزراء الزراعة المصرية منذ تولى مسئوليتها الوزير يوسف والى للمطلب الأمريكى الإسرائيلى برفع الدعم عن مزارعى القطن أسوة بكل البلاد التى تزرع القطن وعلى رأسها الولايات المتحدة بدعوى تحرير زراعة القطن مما انتهى إلى تقليل المساحة المنزرعة كما أدى استيراد السلالات الصهيونية من القطن إلى تدهور إنتاجية الفدان وقد أشار الدكتور جمال أبوالمكارم الرئيس السابق لجامعة المنيا فى حديث صحفى إلى أن وزير الزراعة الحالى أمين أباظة دمر القطن المصرى تدميرا شبه كامل حتى أن مصر استوردت القطن من إسرائيل كل ذلك أدى إلى عمليات المحو الوراثى لسلالات الأقطان المصرية طويلة التيلة والنتيجة خروج مصر من الأسواق العالمية للقطن بعد أن كانت الدولة الأولى، واستطاعت أمريكا أن تستنبط من القطن المصرى «ميت عفيفى» سلالة تسمى «البيما» وأنتجوا أقطانا شبيهة بالمصرية وغزوا بها الأسواق العالمية، بما يكشف أن مصر خضعت لخطة منظمة جردتها من أى قوة تمكنها من ممارسة أى ضغط لحماية أمنها وخاصة فيما يخص حصتها من مياه النيل، وهو ما استغلته إسرائيل فى تحريض باقى دول حوض النيل للضغط على مصر من أجل إجراء تعديلات على الاتفاقية التاريخية بما يسمح لهذه الدول بإقامة مشروعات على منابع النيل تنال من حصة مصر والسودان بحجة أن الاتفاقيات التى تستند عليها مصر تمت فى ظل الاستعمار البريطانى عام 1929.
كل ذلك أدى فى النهاية إلى وقوفنا أمام المخطط التاريخى للقضاء على الأمن المصرى وزرع إسرائيل فى الموقع الحادى عشر على مجرى النيل، عُزّل بدون حماية لا نملك إلا شعارات ورفضا أجوف نبرئ به ساحتنا ونحمل عجزنا على الظروف الدولية.
كيف سيُفعل وزير الزراعة المصرى رفضه للاتفاقية الإطارية للتعاون بين دول حوض النيل فى كينشاسا؟ وكيف ستواجه الحكومة المصرية أى مشروع ستقوم به أى من دول المجرى ينال من حصة مصر فى المياه وهى فى هذا الوضع الاقتصادى والسياسى الهزيل؟ وما دلالة الرفض المصرى لقرارات المؤتمر وهى المسئول الأول عن تقوية قوى الضغط الصهيونى وراء هذه المخططات؟.. وهل هو رفض حقيقى أم مشهد ضمن المشاهد الهزلية التى نعيشها منذ سنوات سينتهى بإقْتراح قد نضطر لتنفيذه (تحت الضغط الدولى المبرئ لساحة الحكومة) باستكمال ترعة السلام بضعة كيلو مترات لتصل إلى إسرائيل؟!

الخميس، يونيو 04، 2009

نعم صحف عريقة وليست عرقية

محمد منير
حرب أهلية خبيثة تهدد المجتمع الصحفى الذى يشهد لأول مرة فى تاريخة اشتباكات بين أبناء المهنة الواحدة، لا ترجع أسبابها إلى اختلافات فكرية أو معتقدية.حركة احتجاج متوترة نظمها الصحفيون فى مؤسستى الأهرام والأخبار احتجاجا على قرار غير برىء تماما من المجلس الأعلى للصحافة بضم صحفيى بعض المؤسسات المتعثرة للمؤسستين.ربما أتفهم حق أبناء المؤسستين فى الاحتجاج على إصدار هذا القرار والخاص بمصير زملاء صحفيين لهم، والعلاقات داخل المؤسسات بشكل فوقى من المجلس الأعلى للصحافة دون مناقشة أصحاب المصلحة ودون مراجعة نقابة الصحفيين المعنى الأول بالأمر، وبدا القرار وكأنه حركة تنقلات عسكرية تغلب عليه منطق الوصاية وهو ما لا يتناسب مع طبيعة المهنة التى تستند فى المقام الأول على الاستقلالية عن أى مؤسسات رسمية أو جماعات ضغط، وهذا يستلزم مناقشة مستفيضة وفتح باب الحوار حول تبعية المؤسسات الصحفية للمجلس الأعلى للصحافة، وإعادة النظر فى دور هذا المجلس وعلاقته بالمؤسسات الصحفية. ولكن الذى يصعب على تفهمه وهو النبرة العرقية العنصرية التى سادت بين بعض الزملاء فى مؤسستى الأهرام والأخبار ومنهم زملاء نقابيون عندما فسروا رفضهم لقرار المجلس الأعلى، بأنه حماية لهم من غزو مهنيين أقل منهم مرتبة وكفاءة !! باعتبار أنهم ينتمون إلى مؤسسات أكثر عراقة، كما وصفها الكاتب فاروق جويدة فى مقاله بجريدة الأهرام والذى كشف ما بين سطوره تقسيما للمؤسسات الصحفية إلى مؤسسات شمال ومؤسسات جنوب.كاتبنا فاروق جويدة والذى كان يرغب الكثير من الصحفيين ترشيحه كنقيب لكل الصحفيين المصريين تحدث فى مقاله عن العراقة التاريخية الزمنية للأهرام.. وأتفق معه وإن كانت هناك مؤسسات شاركت الأهرام فى تخطى المئوية مثل الاجيبتجان جازيت .. ولكن هذا ليس له علاقة بالأمر، فالمنطق يقول إنه من الطبيعى أن تكون هناك مؤسسات أقدم من الأخرى, أما عن أن مؤسسة الأهرام قد احتضنت تاريخيا خيرة المفكرين والأدباء، فمرجع وجود هؤلاء المفكرين هو حالة النهوض الفكرى والسياسى والأدبى التى كانت سائدة فى مصر فى ذلك الوقت، وكان من الطبيعى أن تحتويهم المؤسسات الصحفية الموجودة فى ذلك الوقت ومن بينها الأهرام .. لو كان الأهرام أو أى مؤسسة صحفية قادرة على إفراز كفاءات مهنية وفكرية من داخلها بمعزل عن الحالة المجتمعية السائدة فلتضرب لنا أمثلة الآن .. مقارنة بما أفرزته المؤسسات التى يرونها جنوبية.لا أنكر قيمة الأهرام وإنما أذكر والذكرى تنفع أى "حد"... أذكر بأن أساتذة لنا فى المهنة آثروا الأهرام وكانت نشأتهم فى مؤسسات يراها العنصريون جنوبا، ومنهم أستاذنا صلاح الدين حافظ الذى كانت نشأته فى جريدة التعاون والفنان الصحفى صلاح جاهين الذى كانت نشأته فى مجلة صباح الخير، وكثير من عمالقة المهنة من مؤسسات بدأت زمنياً بعد الأهرام بمراحل مثل محمود المراغى وصلاح حافظ ومصطفى نبيل وغيرهم.لا أفهم كيف أرجع كاتبا محترما مثل أستاذنا فاروق جويدة مصدر المهنة لمدرسة الأهرام وهو والله ما كتبه فى مقالة مستندا على حوار بينه وبين بعض الشباب من الصحف أخرى، وانتهى إلى أن جميع الصحفيين مصدر ثقافاتهم المهنية هو الأهرام وأن الصحف جميعا لا تصدر إلا فى معية الأهرام التى تطبع لهم صحفهم !ولم يذكر سبب احتكار المؤسسات الصحفية الرسمية للمطابع ؟! لا أستوعب كيف يدعون كاتبا كبيرا مثل أستاذنا فاروق جويدة وهو الذى كان مرشحا لإدارة مظلة الحماية النقابية إلى التعامل مع المؤسسات الصحفية بأسلوب البيع والخصخصة، مثلما حدث مع عمر أفندى وهل يرى من وجهة نظره أن ملكية الدولة للأصول تعنى حقها فى البيع .. وما موقفه إذا ما قررت الدولة بيع الأهرام ؟ تذكرت حوارا دار بين زميلين صحفيين من جريدتى الأهرام والأخبار مع مسئول يحتجون فيه على اختيار إحدى المؤسسات الدولية لصحفى من جريدة جنوبية كمدير تحرير لإحدى إصداراتهم وتجاهلهم وهم أبناء المؤسسات الكبرى.. وكانت إجابته "أصل الناس دى غبية بتختار بالكفاءة مش بالمؤسسة" .الغريب أن مشهد المحتجين ضم فى الصدارة صحفيين بدءوا المهنة فى مؤسسات جنوبية، وانتقلوا إلى هذه المؤسسات الكبرى ليس بفعل كفاءة مهنية وإنما بفعل خدمات انتخابية وغير انتخابية "فى حل من أن أذكر أسماءهم" .والمتابع للحركة المهنية يلاحظ أن معظم صحف الخليج، بل ومكاتب الصحف الأوربية تستعين بصحفيين من صحف الجنوب لكفاءاتهم، ولم يتدربوا يوما لا فى الأهرام ولا فى الأخبار ... المتابع للحركة المهنية يلاحظ أن معظم المتعاملين مع صحافة المستقبل الإلكترونية ومعظم كتاب المقالات بها من أبناء صحافة الجنوب لم يتدربوا يوما لا فى الأهرام ولا فى الأخبار.أندهش من انفعال زملائى الصحفيين فى المؤسستين العريقتين واحتجاجهم على انضمام زملاء لهم من مؤسسات أخرى لمؤسساتهم، ولم يتحرك لهم ساكن لغزو الإداريين ورجال الأمن والسكرتيرات من مؤسساتهم لنقابة الصحفيين بفعل فساد !!أحترم بشدة المؤسستين وخاصة مؤسسة الأخبار التى مازالت صاحبة أفضل مدرسة إخبارية فى مصر .. ولكنى أقول إن العراقة ليست فقط بالتاريخ ولا بالاحتكار الرسمى للأدوات والأموال، وإنما جزء مهم من العراقة يتمثل فى الكفاءة الآنية. زملائى الأعزاء الشىء الوحيد الذى يُقدر بالأقدمية فقط دون عوامل أخرى هو الجبنة الرومى وليس الصحافة.

الثلاثاء، يونيو 02، 2009

يا أوباما الذى فى الشرق والغرب

محمد منير
عندما زار الرئيس الأمريكى نيكسون مصر عام 1974 استقبلناه بأدواتنا الفطرية من مظاهرات واحتجاجات ترفض زيارته ومنها أغنية الشيخ إمام "شرفت يا نيكسون بابا يابتاع الووترجيت.. عاملولك هيصة وزيطة سلاطين الفول والزيت".
ونفس الهيصة والزيطة نستقبل بها اليوم أبانا أوباما، ولكن مصدرها ليس السلاطين فقط، فقد تشعبت خريطة التمثيل السياسى فى مصر.
وقت زيارة نيكسون كانت الخريطة تمثل السلاطين والشعب.. واليوم ما بين السلاطين والشعب فئة من الأوصياء ينطقون باسم الوجدان الشعبى فرضتهم الشرعية اللاشرعية.
أوباما يتجول فى المنطقة العربية كقائد فى زيارات تفقدية لرعاياه، والسلاطين التابعون ينظمون له المشهد ويستعدون بكل إمكاناتهم لشرف استقباله، بل ويتنافسون على شرف استقبال كلمته للرعايا المسلمين من فوق منابرهم.. وفى جانب آخر يقف الأوصياء الشرعيون فى ثوب المعارضة الحكيمة يحملون بعض من مظالم الشعب ليعرضوها على أبانا فى قول كريم.. أحد الأحزاب الشرعية اللاشرعية يتصدر الموكب فى ثوب شعبى يرسل خطابا لأوباما بمناسبة زيارته لمصر يستهله بهذه العباره "فى ضوء خبرة وتجارب شعبنا وحزبنا المريرة، على مدى عقود طويلة، فإننا نطرح أمامك ماننتظره من جانبك من خطوات عملية عاجلة تتفادى كل مماطلة ومراوغة ومناورات لتعطيل إقرار السلام والأمن والاستقرار فى هذه المنطقة، وهى خطوات تتجاوب مع الآمال الكبيرة المعلقة على دورك فى تصحيح الكثير من الأوضاع فى العالم".
هى عبارة بها من التنصيب والشهادة بوحدانية الدور الأمريكى أكثر مما بها من رائحة معارضة.
أوصياء من المستقلين والمعارضين محليا للسلطان فى مصر يزفون إلينا فوز السلطان السعودى بشرف استقبال "أبانا" قبل السلطان المصرى.
راديكاليون شرعيون يرفضون زيارة أوباما إلا بعد إصداره أوامر للسلاطين العرب بمنح الرعايا قدرا من الديمقراطية.
أما الشعب الذى خرج عام 1974 رافضا كليا زيارة نيكسون باعتباره مستعمرا وواجهة بالأعلام السوداء وأغانى الهجاء والمظاهرات فقد عُطلت إرادته وكممت أفواهه بفعل الأوصياء المستلقين برسوخ فوق حريتهم.
يا أوباما الذى فى الشرق والغرب أرسل لك صوتا مخنوقاً بفعل جرائم دولتك وسلاطينك من الحكام والأوصياء، ربما أصبحت خليفة الشرق والغرب، ولكن الأرض والسماء ما زالتا حرتين، أنت خليفتهما ولست خليفتنا أنت ضيفهما ولست ضيفنا.. امرح معهما ما شئت فطوفاننا قريب.