نشرة الاخبار

الجمعة، يونيو 05، 2009

* «أبوزيد» طالب بالضغط على إسرائيل لحماية ماء النيل.. وعلام يبرئ تل أبيب!

تحليل يكتبه محمد منير



* هل يعرف وزير الرى نصر علام الأخطار التى تواجهها مصر فى ماء النيل؟


* «أبوزيد» طالب بالضغط على إسرائيل لحماية ماء النيل.. وعلام يبرئ تل أبيب!


* الاستعمار البريطانى دافع عن أمن مصر أكثر من حكومات الاستقلال.. إسرائيل تسعى للانضمام إلى دول مجرى النيل.. وتحرض دول الحوض.. فماذا فعل علام؟

لم يقصد «هيردوت» المعنى الشاعرى «مصر هبة النيل» وإنما كان يشير بشكل واضح لارتباط وجود مصر باستمرار تدفق شريان النيل إليها والعكس بالطبع صحيح. وعندما قال «مصطفى النحاس» رئيس وزراء مصر السابق «فلتقطع يدى ولا تفصل مصر عن السودان» لم تكن خطابة حماسية بل كانت جزءا من مواجهة وطنية ضد مصالح استعمارية استهدفت دول مجرى النيل.
وإعلان «محمد نصر علام» وزير الرى الحالى رفض توقيع مصر على الاتفاقية الإطارية للتعاون بين دول حوض النيل فى الموتمر الذى عقد فى كينشاسا عاصمة الكونغو لعدم وجود بند صريح يضمن الحفاظ على الحقوق التاريخية لمصر فى مياه النيل، لا يعنى براءة الحكومة المصرية من مسئولية تقوية وتمكين إسرائيل من التغلغل فى دول المجرى وفرض مصالحها التى تقف وراء هذه الاتفاقيات إلى الحد الذى أصبح معه رفض مصر أو موافقتها أمرا غير ذى أهمية.
ومن القرائن على عدم براءة الحكومة أسلوب عزل وزير الرى السابق محمود أبوزيد بعد انتقاداته المتكررة للموقف الرسمى المصرى فى التعامل مع التهديدات التى تواجه حصة مصر من مياه النيل ومطالبة الحكومة بالتدخل والضغط على إسرائيل للتوقف عن عبثها بأمن مصر المائى عن طريق تشجيعها لبعض دول الحوض بالدعوة لتعديل اتفاقية حوض النيل التى تعطى لمصر 55.5 مليار متر مكعب سنويا وأيضا بعد أن طلب من الحكومة الاستعداد لكل الاحتمالات بما فيها المواجهة المسلحة مع بعض دول حوض النيل بسبب إصرار تلك الدول على إقامة مشروعات على النيلين.
وفور استبدال أبوزيد بعلام بدأ الأخير تصريحات تعلن استيعابه للأسباب التى أطاحت بسلفه فأطلق سلسلة من التفسيرات الجوفاء التى تفرغ الموضوع من مضمونه وتبعد بأسباب الأزمة عن إسرائيل وإرجاعها إلى شماعة الزيادة السكانية والتقصير فى مجالات التعاون مع دول حوض النيل، تمهيدا لتبرير أى تنازلات ستقدمها مصر لإسرائيل فى هذا المجال مكتفيا بدعاء الأزمة المأثور «يا خفى الألطاف نجنا مما نخاف».
وقد حرصت معظم الاتفاقيات التى عُقدت بين دول مجرى النيل لتنظيم توزيع المياه وتمت بتوكيل الدول الاستعمارية عنها وبرغبتها وطبقا لمصالحه والتى كان أهمها اتفاقية 1929 التىأبرمت بين مصر وبريطانيا نيابة عن السودان وكينيا وتنزانيا وأوغندا اتفاقا اعترفت فيه بريطانيا بحق مصر الطبيعى والتاريخى فى مياه النيل، وعدم إقامة أعمال تخص الرى أو توليد الطاقة على النيل وفروعه أو البحيرات التى ينبع منها والتى قد تمس بأية صورة مصالح مصر، وتقرر أن يكون نصيب مصر 48 مليار متر مكعب سنويا (ارتفع بعد مشروع السد العالى إلى 55.5 مليار متر مكعب).
وهنا نلاحظ أن كل الاتفاقيات راعت ظروف مصر واحتياجها لأكبر قدر من المياه.والطبيعى بعد استقلال مصر وجلاء بريطانيا أن تركز القيادة السياسية الجديدة على أمن الحدود الجنوبية وأن تتغير دوافع الاتفاقيات المائية بين دول المجرى من الدوافع السياسية الاستعمارية إلى الدوافع التنموية القومية والتحررية والتكاملية إلا أن نظر القيادة السياسية اتجه بكل قوته للحدود الشرقية. وخلال انشغال القيادة المصرية بكل إمكانياتها فى حماية الجبهة الشرقية (وهو ما فشلت فيه), لم تتوقف الخطط الاستعمارية بقيادة الولايات المتحدة عن محاولتها القضاء على التفوق المصرى فى الزراعة وخاصة القطن طويل التيلة ومن الروايات التى تحمل دلالات فى هذا الإطار هو ما حدث عندما رهن «دين راسك» وزير الخارجية الأمريكى موافقة حكومته على طلب قرض تقدمت به مصر بإلغاء صفقة تصدير أقطان طويلة التيلة لليونان كما أبدى استياءه من منافسة القطن المصرى طويل التيلة لمثيله الأمريكى.
وتسير الأمور من سيئ إلى أسوأ وخاصة بعد الفوضى التى سادت مصر عقب التطبيق العشوائى لسياسات التحرر الاقتصادى واتفاقيات السلام مع إسرائيل لتتجه سياسات المسئولين عن الزراعة إلى كسر ثوابت الزراعة المصرية من خلال استجابة وزراء الزراعة المصرية منذ تولى مسئوليتها الوزير يوسف والى للمطلب الأمريكى الإسرائيلى برفع الدعم عن مزارعى القطن أسوة بكل البلاد التى تزرع القطن وعلى رأسها الولايات المتحدة بدعوى تحرير زراعة القطن مما انتهى إلى تقليل المساحة المنزرعة كما أدى استيراد السلالات الصهيونية من القطن إلى تدهور إنتاجية الفدان وقد أشار الدكتور جمال أبوالمكارم الرئيس السابق لجامعة المنيا فى حديث صحفى إلى أن وزير الزراعة الحالى أمين أباظة دمر القطن المصرى تدميرا شبه كامل حتى أن مصر استوردت القطن من إسرائيل كل ذلك أدى إلى عمليات المحو الوراثى لسلالات الأقطان المصرية طويلة التيلة والنتيجة خروج مصر من الأسواق العالمية للقطن بعد أن كانت الدولة الأولى، واستطاعت أمريكا أن تستنبط من القطن المصرى «ميت عفيفى» سلالة تسمى «البيما» وأنتجوا أقطانا شبيهة بالمصرية وغزوا بها الأسواق العالمية، بما يكشف أن مصر خضعت لخطة منظمة جردتها من أى قوة تمكنها من ممارسة أى ضغط لحماية أمنها وخاصة فيما يخص حصتها من مياه النيل، وهو ما استغلته إسرائيل فى تحريض باقى دول حوض النيل للضغط على مصر من أجل إجراء تعديلات على الاتفاقية التاريخية بما يسمح لهذه الدول بإقامة مشروعات على منابع النيل تنال من حصة مصر والسودان بحجة أن الاتفاقيات التى تستند عليها مصر تمت فى ظل الاستعمار البريطانى عام 1929.
كل ذلك أدى فى النهاية إلى وقوفنا أمام المخطط التاريخى للقضاء على الأمن المصرى وزرع إسرائيل فى الموقع الحادى عشر على مجرى النيل، عُزّل بدون حماية لا نملك إلا شعارات ورفضا أجوف نبرئ به ساحتنا ونحمل عجزنا على الظروف الدولية.
كيف سيُفعل وزير الزراعة المصرى رفضه للاتفاقية الإطارية للتعاون بين دول حوض النيل فى كينشاسا؟ وكيف ستواجه الحكومة المصرية أى مشروع ستقوم به أى من دول المجرى ينال من حصة مصر فى المياه وهى فى هذا الوضع الاقتصادى والسياسى الهزيل؟ وما دلالة الرفض المصرى لقرارات المؤتمر وهى المسئول الأول عن تقوية قوى الضغط الصهيونى وراء هذه المخططات؟.. وهل هو رفض حقيقى أم مشهد ضمن المشاهد الهزلية التى نعيشها منذ سنوات سينتهى بإقْتراح قد نضطر لتنفيذه (تحت الضغط الدولى المبرئ لساحة الحكومة) باستكمال ترعة السلام بضعة كيلو مترات لتصل إلى إسرائيل؟!

ليست هناك تعليقات: