نشرة الاخبار

السبت، يونيو 13، 2009

العراق..صراع المثل والواقع

نذار حيدر*
nazarhaidar@hotamil.com
يتساءل العراقيون ببراءة واستغراب، هل يمكن ان يتورط من احترقت جبهته من كثرة الصلاة، بالسرقة؟ وهل من الممكن ان يتورط من شب على ثقافة الدين وتحت منابر الخطباء، بالفساد المالي والاداري؟.
لقد حكمت العراق تيارات ايديولوجية مختلفة، كان من ابرزها التياران القومي واليساري، وكلها افسدتها السلطة، فبعد ان كانت هذه التيارات ترفع شعارات (انسانية) حلوة وجميلة تستهوي القلوب، اذا بها تسقط في امتحان السلطة الى الحضيض.
وفي كل مرة تبدا القصة عندما ينطلق الصراع عنيفا بين القيم والمثل النبيلة التي يتربى عليها (المؤدلجون) وهم خارج السلطة، في المعارضة مثلا، وبين الواقع الجديد الذي تفرضه متطلبات السلطة، ولان الاخيرة اشد تاثيرا في النفوس، لذلك تنتصر متطلبات الواقع على القيم والمثل، التي يبدا (المؤدلج) يشعر ازاءها وكانها تنظيرات ومثاليات لا يمكن تطبيقها او الالتزام بها على ارض الواقع، بعد ان كان يعتبرها اساس نضاله الايديولوجي والسياسي ضد الزمر المنحرفة وضد مصاصي دماء الشعوب، وضد قوى الامبريالية والصهيونية وما الى ذلك من الشعارات.
كل هذا كان الى ما قبل التاسع من نيسان عام 2003، اذ لم يكن التيار الديني قد تورط بمثل هذا الصراع بين المثل والقيم التي ربى عليه ابناءه وانصاره، وبين واقع السلطة.
ولذلك كنا نفخر بان التيار الديني انظف كل التيارات (المؤدلجة) غافلين عن حقيقة السبب في ذلك، الا وهو عدم تورطه، حتى ذلك الحين، باختبار السلطة، فالحكمة تقول {عند الامتحان يكرم المرء او يهان}.
كنا نظن بان مجرد الادعاء يكفي لاثبات الشئ، ولم ندر ما كان يخبئه لنا الزمن، حتى اذا تصدى هذا التيار للسلطة بعد سقوط الصنم في بغداد، اذا بنا نشهد تساقط اوراق التوت عن عورته، الامر الذي ذكرني بقصة ظريفة جدا حدثت لاخوين شقيقين، قرر الاول ان يهجر المدينة وضجيجها ليلجا الى الجبال منقطعا الى الله تعالى يعبده ويتضرع اليه وحده لا شريك له، فيما بقي الثاني يعيش حياة المدينة في محل الصياغة الذي يمتلكه في وسط السوق.
بعد مدة، وصل الاول الى درجة اليقين بالله تعالى، فاكرمه ربه بكرامة عجيبة، فكان يضع الماء في سلة من دون ان ينسكب من ثقوبها، فقرر ان يبعث بهذه الكرامة الالهية الى شقيقه في المدينة ليفخر بها عند الناس.
وصلت الكرامة للثاني، الذي آثر ان يعلقها في محله ليراها الناس، مفتخرا بما آل اليه حال اخيه من الايمان والتقوى ومخافة الله عز وجل، فيما قرر في ذات الوقت ان يهدي شقيقه الكرامة التي اكرمه بها الله عز وجل، والمتمثلة بقطعة من القطن في وسطها جمرة من النار، فلا الجمرة تنطفئ ولا القطنة تحترق.
عندما وصلت الهدية الى الاول، استغرب من هذه الكرامة، وتساءل مع نفسه، ترى، ما الذي فعله شقيقه وهو في وسط السوق وفي محل الصياغة الذي لا تمر عليه للتبضع الا النساء وجلهن من الحسناوات الفاتنات؟ فما الذي فعله شقيقه ليكرمه الله تعالى بهذه الكرامة، ويساويه فيها معه، وهو المنقطع عن الدنيا والبعيد عن تحديات الحياة واغراءاتها؟.
قرر ان يذهب الى المدينة ليزور شقيقه في محله ليراقبه عن كثب لمعرفة حقيقة (التقوى) التي وصل اليها والتي اهلته لان يرزقه ربه هذه الكرامة العظيمة، اسوة به.
عندما وصل الى محل شقيقه، وقف جانبا يراقبه ليرى كيف يتعامل مع الزبائن، وجلهم من النساء، فراى انه لا يرفع عينيه بوجه الزبائن ويغض بصره عن مفاتن النساء ولا يتلصص بنظره ليتفرس وجه هذه او صدر الاخرى او مفاتن الثالثة.
في هذه الاثناء، انتبه الرجل (المتقي) المتفرغ لعبادة الله تعالى في الجبال والبعيدة، الى الزبائن واذا به وسط مجموعة من النساء الفاتنات، اللاتي جئن الى المحل للتبضع، فراحت عينه تخونه متلصصا على هذه ومتفرسا صدر الاخرى ومندهشا بجمال الثالثة، وهكذا.
في هذه الاثناء، بدات كرامته (السلة التي تحفظ الماء من دون ان ينسكب منها والذي كان شقيقه قد علقها في المحل) يتسرب منها الماء قطرة فقطرة، ايذانا من الله تعالى بسلب الكرامة منه.
حينها وقف الرجل على فلسفة (التقوى) وحقيقة (الايمان) ولماذا ساوى الله تعالى بينه (وهو المنقطع الى الله عز وجل) وبين شقيقه الذي يعمل في محل الصياغة مستعدا لمواجهة التحديات، فعرف ان سر (التقوى) يظهر عند الامتحان، وليس في الجبال والصحاري القفار، ولذلك ففي لحظة التحدي سقط في الامتحان، فسلب ربه منه الكرامة.
هذه القصة تلخص فلسفة القول الماثور (عند الامتحان، يكرم المرء او يهان) وهو القول الذي يكشف، عادة، عن حقيقة التيارات (المؤدلجة) وما اذا كانت قادرة على التمسك بقيمها ومثلها النبيلة، ليس وهي تعيش في الجبال بعيدا عن تحديات السلطة، ابدا، فان في مثل هذه الحالة لا يوجد تحد واختبار، ولذلك لا يمكن الحكم مع او ضد، وانما عندما تنزل من قمم الجبال الى وادي السلطة، فكيف ستكون؟.
لذلك، اعتقد ان على الشعب العراقي اليوم وبعد ان جرب كل المؤدلجين، ان ينتبه جيدا، ليس الى صلاة المسؤول او جبهته السوداء او قيامه في الليل، او حديثه (الديني) المنمق، او خطاباته التي تستهوي العقول والقلوب وتبهر المستمع والمشاهد، ابدا، وانما الى تعامله مع الموقع، فان الذين قتلوا امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام كانوا ينعتون بـ (اصحاب الجباه السود) لكثرة صلاتهم، وان من قتل الحسين السبط عليه السلام في عاشوراء في كربلاء عام 61 للهجرة، كانوا من الحفاظ والقراء، اي من حفاظ القران الكريم وقرائه.
ولكل ذلك قال رسول الله (ص) قوله المشهور {الدين المعاملة} فهو لم يقل الدين الصلاة او الدين الصيام، ابدا، لان كل ذلك علاقة بين العبد وربه، واذا كان فيها منفعة فهي له، اما المعاملة فهي العلاقة بين العبد واخيه العبد، والى هذا المعنى يشير قول الرسول الكريم (ص) {المسلم من سلم الناس من يدعه ولسانه} اي ان المسلم هو الانسان الذي لا يتضرر منه الناس، والا، ماذا ينتفع العراقيون بصلاة الوزير اذا لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر؟ وهما هنا الفساد المالي والاداري؟ وماذا ينتفع الناس بجبهة الوزير (المحروقة) اذا كانت تبرر له السرقة وتفلسف له التعدي على حقوق الناس؟.
لقد قال لي مرة وزير من التيار الديني، انه وزميل له ينتمي الى نفس التيار يتوظآن قبل ان يذهبا الى وزارتيهما، ليباشرا عملهما على وضوء.
وقتها احسنت الظن بهذا الوزير، ففسرت كلامه بطريقة ايجابية، فاعتبرت ذلك قوة في الدين وشدة في التقوى ومخافة الله تعالى، اما اليوم، وبعد ان تبين ان زميله متورط بالفساد، فقد اعدت تفسير قوله، فتبين لي انه كان يقصد بان زميله يتوظأ قبل الشروع بالعمل في وزاراته، ليشرعن سرقاته، فالوضوء يحلل المال المسروق، طبعا على حد فهم السيد الوزير، وبكلمة اخرى، فانني فهمت الان من كلام الوزير ان زميله كان يتوظأ قبل ان يسرق.
آخر سالته عن موقع التربية (الدينية) التي نشأ عليها المسؤولون من التيار الديني منذ صباهم عندما انخرطوا في الاحزاب الدينية، وما اذا كانت تلك التربية غير كافية لردعهم عن التورط بالمال العام والفساد الاداري، الذي نسمع عنه؟ فرد علي بالقول:
تلك كانت التربية النظرية، انها الكلام، والكلام، كما تعرف، قال لي، ليس عليه ضريبة، اما اليوم فنحن في قاعة امتحان كبيرة جدا اسمها العراق، وانا، اضاف، لست متيقنا من امكانية ان يجتاز التيار الديني مرحلة الاختبار بجدارة، او انه سيسقط كما سقط من سبقه من التيارات (المؤدلجة) التي تعاقبت على حكم العراق.
اعود للاجابة على سؤال العراقيين الذي توجت به المقال، لاقول:
بعد ان ثبت لنا بالدليل القاطع، تورط (التيار الديني) او المتلبس بالدين، كالقاعدة وطالبان والعديد من التنظيمات (الدينية) في العراق وغير العراق، تورطها بالقتل والتدمير وعمليات التفجير بالسيارات المفخخة والاحزمة الناسفة، هل يمكن ان نستبعد تورطها بعمليات الفساد المالي والاداري؟ بالتاكيد لا، لانها، وللاسف الشديد، توظف الدين لممارسة الانحراف، وهي لا تتورع حتى عن توظيف النصوص القرآنية لشرعنة سرقاتها وكل انواع الفساد الاداري، ولماذا لا تفعل ذلك، بعد ان وظفت الدين وآيات القران الكريم لتحليل دم الناس واهداره بالقتل والذبح؟.
لقد طلب احد الناس الصفح من احد العلماء المجتهدين، على ما كان يغتابه في الايام الماضية، فرد عليه الفقيه بالايجاب بلا تردد، فساله من حوله، الم يكن من الافضل ان تتريث قليلا لتعرف حقيقة الرجل؟ فقال لهم، انا ابرئ ذمة كل من يغتابني، الا (المؤمن) منهم، استغرب الحضور من قوله، وسالوه، لماذا يا مولانا، فقال، لان الناس العاديين يغتابونني بجهل، اما (المؤمن) فانه يفسقني (بتشديد السين) اولا، ثم يورد الحديث الوارد عن الرسول (ص) {لا غيبة على فاسق) ثم يغتابني، وهو بذلك لا يعتبر حديثه عني غيبة لانه فسقني قبل ان يغتابني.
ولذلك اعتقد ان سقوط (التيار الديني) في امتحان السلطة سيكون اكثر مدويا من سقوط اي تيار آخر سبقه الى قاعة الامتحان، لانه سيسقط وهو متلفعا بعباءة الدين، ولهذا فان عليه ان ينتبه الى نفسه لانه سيلحق الضرر بدين الناس وتدينهم، فقد يتسبب بردة فعل عند الكثيرين من الناس الذين يحاولون معرفة الحق بالرجال، فيما اوصانا امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام ان نعرف الحق لنعرف رجاله.
ومن اجل الوقوف بوجه التدهور الاخلاقي، فانا اعتقد ان على التيار الديني ان يبادر فورا الى تطهير صفوفه من الفاسدين، وان يعاقبهم حزبيا قبل ان يحاسبهم القضاء، وان يعيد منهم كل فلس سرقوه قبل ان يجبرهم القضاء على ذلك.
اما اذا اراد ان يتستر على اللصوص، او يبرر للمفسدين، فانه الى الهاوية بالتاكيد، فدعاء الايتام والارامل لا يرحم، وان الله {لا يخدع عن جنته} كما في الماثور، فلقد كان امير المؤمنين عليه السلام اول المراقبين واشد المحاسبين لولاته وعماله، فكان ما ان يشم من احدهم رائحة فساد او لصوصية او ظلم يسارع فورا الى عزله وابعاده عن موقع المسؤولية، لماذا؟ لانه كان يشعر بانه مسؤول عن كل ظلامة تلحق بمواطن قبل مسؤولية العامل او الوالي، بل انه كان اشد وطأ على المحسوب منهم عليه، فلم يكن ليتساهل معه او يتباطا في محاسبته او يبرر له فعله او يخفيه عن القضاء، مثلا.
اما هو شخصيا، فقد كان عليه السلام يتمتع بحساسية مفرطة من الظلم والتعدي على حقوق الناس، وعلى بيت المال، ولقد دون لنا التاريخ الكثير الكثير من القصص عنه عليه السلام بهذا الشان، منها قصته مع اخيه عقيل، وموقفه من الجماعة التي عاتبته على التسوية في العطاء، وطلبت منه ان يميز بينهم وبين سائر المسلمين في العطاء من بيت المال، فرد عليه السلام عليهم بقوله المشهور {اتامروني ان اطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟ والله لا اطور به ما سمر سمير، وما ام نجم في السماء نجما، لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وانما المال مال الله؟ الا وان اعطاء المال في غير حقه تبذير واسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الاخرة، ويكرمه في الناس ويهينه عند الله، ولم يضع امرؤ ماله في غير حقه ولا عند غير اهله الا حرمه الله شكرهم، وكان لغيره ودهم، فان زلت به النعل يوما فاحتاج الى معونتهم فشر خليل وألأم خدين} وصدق امير المؤمنين عليه السلام عندما قال {اكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع}.
بل انه عليه السلام كان يدعو الى قتال من ينتحل انتماءه اليه اذا اخطا او ارتكب جريمة او غش او اعتدى على حقوق الناس او مد يده الى بيت المال بغير حق، فكان يقول عليه السلام في وصف كل ذلك {الا من دعا الى هذا الشعار فاقتلوه، ولو كان تحت عمامتي هذه}.
لقد كان عليه السلام يتبرا من الظلم بكل طريقة، في القول والعمل، في الشهود وفي المغيب، في السر وفي العلن، فكان يقول {والله لان ابيت على حسك السعدان مسهدا، او اجر في الاغلال مصفدا، احب الي من ان القى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد، وغاصبا لشئ من الحطام، وكيف اظلم احدا لنفس يسرع الى البلا قفولها، ويطول في الثرى حلولها} ويضيف {والله لو اعطيت الاقاليم السبعة بما تحت افلاكها، على ان اعصي الله في نملة اسلبها جلب شعيرة ما فعلته، وان دنياكم عندي لاهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعلي ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل، وقبح الزلل، وبه نستعين}.
هذا هو نموذج التيار الديني، وهذا هو الاسوة لمن اراد ان يدعي انتماءه الى التيار الديني، اما ان يدعي انتماءه للدين او لعلي ثم يسرق او يعتدي او يبرر للص، فان كل ذلك ليس من الدين وليس من نهج علي في شئ.
وبالمناسبة، فلقد كان بامكان الامام ان يجد الف حجة وحجة لتبرير الظلم، حاشاه من ذلك، فالدين كان طوع بنانه، ونصوص القرآن محفوظة في صدره، بل انه هو القران الناطق، كما يفعل اليوم الكثير ممن يدعي الانتماء الى الدين، ولكن، وكما قال رسول الله (ص) {لا يخدع الله عن جنته} فالتورية قد تخدع صاحبها ولكنها لا تخدع الله البتة.
اما رسول الله (ص) فقد كان اشد من ذلك وهو القائل {لو ان فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها} فما بال الاحزاب (الدينية) تدافع عن فاسد في صفوفها او متلبس بجريمة من وزرائها، اتظن انها بذلك تبرئ ساحتها؟ ام ان مبادرتها لتطهير صفوفها من مثل هذه العناصر هو الذي يبرئ ساحتها؟ الا تتذكر قول امير المؤمنين عليه السلام الذي يقول فيه {فحاسب نفسك لنفسك} بمعنى ان مبادرتها لمحاسبة نفسها يعود بالنفع على نفسها اولا وقبل اي واحد آخر، هذا اذا كانت تبحث عما يصون سمعتها وماء وجهها ويعيد لها اعتبارها عند الناس بعد كل هذه الفضائح.
يجب عليها ان تثبت للراي العام العراقي انها احرص حتى من القضاء على حقوق البلاد والعباد، وصدق امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام الذي يقول {ان افضل الناس عند الله من كان العمل بالحق احب اليه، وان نقصه وكرثه، من الباطل وان جر اليه فائدة وزاده}.
اما الناس، فتقع عليهم مسؤولية الرقابة الدقيقة، من دون ان تركن لتدين المسؤول او ثقافته او انتماءه، فالعبرة، كما قلنا، بطريقة التعامل مع الموقع، وليس بالدين او الزي او التاريخ او الانتماء، ابدا.
-------------------------
* مدير مركز الاعلام العراقى بواشنطن

ليست هناك تعليقات: