نشرة الاخبار

الاثنين، يونيو 22، 2009

الخاصعام " الأسير فى الصحافة المصرية ـ محمد منير

محمد منير
تم نشره على موقع (المصريون)
http://www.almesryoon.com/ShowDetailsC.asp?NewID=65865&Page=7&Part=1
بتاريخ 21 - 6 - 2009
كشفت أزمة بدل التدريب والأزمة الناجمة عن قرار المجلس الأعلى للصحافة بضم مؤسستى دار التعاون ودارالشعب الى مؤسستى الاهرام والاخبار. عن حالة الأسر الواقعة تحتها مهنة الصحافة فى مصر .
وبصرف النظر عن مدى مشروعية بدل التدريب أو عن منطقية قرار المجلس الأعلى للصحافة إلا أن الأحداث التى أحاطت بالأزمتين أكدت وقوع حرية الصحافة تحت كاهل ملكية الدولة وهيمنتها على كل المؤسسات الصحفية بما فى ذلك الحزبية والمستقلة وبما لا يتلائم مع الدعاية البوقية حول حرية الصحافة فى مصر .
والثابت أن الصراع بين الحرية الصحفية والقيود الرسمية هو صراع قديم فى مصر, وفى دراسة قدمها نقيب النقباء كامل الزهيرى أشار فيها الى مظاهرة شعبية ضمت عشرة آلاف مواطن دفاعاً عن حرية الصحافة لمدة أربعة أيام من 29 مارس 1909 الى أول ابريل 1909 .
ويستمر نضال ارباب المهنة والمدافعين عن حرية الصحافة لتنظيم مظلة حماية نقابية لهم حتى ينجحوا فى ذلك عام 1941 .
وطوال هذه الفترة لم تعان المهنة أو تتأثر سلباً بطبيعة ملكية الصحف والتى لم تكن خاضعة لأى من جماعات الضغط أو الحكومة .
وبدأت الأزمة الحقيقية مع الصحافة المصرية بخضوعها للهيمنة الحكومية بعد عام 1952 تحت مسمى الاشراف والتى انتهت فى شكلها الى تبعية التشكيل النقابى الصحفى فى مصر للاتحاد الاشتراكى .
ورغم أن هذه الفترة تمثل بداية العلاقة الــتأثرية بين المهنة والمالك الفعلى إلا أن المهنة لم تشهد ترديا خلالها ربما بفعل حالة التوافق بين التوجه الوطنى الرسمى آنذاك وبين التوجه الوطنى الشعبى الذى كانت الصحافة وقتها تعبيرا حقيقيا عنه , إلا أن هذا لم ينف بدء مرحلة خضوع المجتمع الصحفى لهيمنة المالك الرسمى وسيطرته وهو ما سيؤدى بعد ذلك الى تداعيات سلبية .
شهد المجتمع الصحفى بعد ذلك أزمات كثيرة ولكن هذا لم يمنع الصحفيين من وضع تعريف معبر عن دورهم الذى ارتضوه وهو انهم ضمير للأمة ولهذا استند القانون رقم 69 لسنة 1970 على أن الصحفى ليس عاملا يخضع لرب العمل وليس موظفا يتدرج فى السلك الوظيفى ونص القانون على عدة ضمانات منها عدم جواز نقل الصحفيين الى أعمال غير صحفية وعدم جواز فرض أية اراء تخالف ضمير الصحفى ووفر ضمانات لمحاكمة الصحفى أمام القضاء العادى وحضور النقابة التحقيق معه .
ومع تغير الاتجاه الاقتصادى للدولة حدثت فجوة بين الصحافة والمالك بحكم حدوث نفس الفجوة بين الاتجاه الرسمى والاتجاه الشعبى الذى تمثل الصحافة ضميره.
ورغم أن الاتجاه الجديد للدولة كان يستند إلى التخلص من كل الملكيات العامة والاتجاه الى الخصصة متجاوزا الاقتصاد السلعى الى قطاعات الخدمات الرئيسية والاستراتجية .. إلا أن الدولة تمسكت بشدة فى الاستمرار فى ملكية المؤسسة الاعلامية والهيمنة عليها وإن كانت قد البست هذه الملكية ثوبا تتناسب الوانه مع الاتجاه الجديد .
ولهذا وبعد انتفاء دور التنظيم السياسى الوحيد فى البلاد وقبل الغاءه بفترة قليلة اتجهت الدولة الى ألية جديدة لاستمرار هيمنتها على المجتمع الصحفى فى المرحلة الجديدة وهى المجلس الأعلى للصحافة الذى اعلن فى 11 مارس 1975 وضم فى عضويته وكيل مجلس الشعب ونقيب الصحفيين وأحد مستشارى محكمة الاستئناف وثلاثة من رؤساء المؤسسات الصحفية ورؤساء التحرير وثلاثة من المشتغلين بالمسائل العامة وعميد كلية الاعلام واثنين من الصحفيين ممن تقل مدد اشتغالهم بالمهنة عن 15 عاما (يرشحهم مجلس نقابة الصحفيين) ورئيس النقابة العامة للنشر ووزير الاعلام وأمين الدعوة والفكر بالاتحاد الاشتراكى .. وبالطبع لم تكن قد ظهرت الصحف الحزبية مرة أخرى ولا الصحف المستقلة .
والمجالس العليا للصحافة ليست بدعة مصراوية فهى تجربة طبقتها العديد من دول العالم بإعتبارها وسيلة لإقرار وتدعيم حرية الصحافة ومسئوليتها كما جاء فى إعلان كوالالامبور الذى صدر عن المؤتمر الأول للمجالس الصحفية عام 1985
الفرق كما هو العادة فى مصر جاء فى الجوهر والمحتوى تماما مثل الخلاف فى جوهر السياسة الحزبية بين اوروبا ومصر, الاولى تأتى فى اطار دعم فكرة تداول السلطة وتنتمى الى التنظيمات الاهلية والثانية فى اطار تأكيد استمرار السلطة الواحدة وتنتمى الى التنظيمات الرسمية
المجالس الصحفية العليا نشأت فى الدول الأخرى بعيدة عن هيمنة وسيطرة الحكومة وكضرورة تنظيمية لاستقلالية وحرية الصحافة أما فى مصر فتم اعلانها من خلال السلطة كهيئة رسمية تستهدف استمرار هيمنة الحكومة والسلطة الحاكمة على الصحافة فى شكل جديد يتلائم مع المتغيرات الدولية .
بدأ تشكيل المجلس الاعلى للصحافة بتشكيل يضمن فى عضويته احكام السيطرة على سياسات الصحف التى كانت موجودة أنذاك ولم يكن بينها صحف حزبية ولا خاصة .. وبعد صدور الصحف الحزبية شملت عضوية المجلس رؤساء مجالس ادارات هذه الصحف ورؤساء تحريرها وجاءت هذه العضوية بإعتبارها امتيازا ومنحة أحيطت بها عدة امتيازات عينية منها ما هو علنى مثل التعيين فى مجلس الشورى ومنها ما هو غير علنى بما يضمن سيطرة الاتجاه الرسمى على قرارات المجلس الذى يتحكم فى مقدرات الصحافة فى مصر واهمها الموافقة على اصدار الصحف .
وظل الصراع طوال الوقت بين الجماعة الصحفية التى كانت تستهدف تنظيما ذاتيا لها وبين المجلس الأعلى للصحافة بإعتباره تنظيماً رسمياً يستهدف استمرار الهيمنة على وسائل الاعلام سواء بالملكية أو بالارتباط المصلحى وهو ما يفسر فكرة تقويض الارادة الصحفية بالاختراع المسمى بدل التدريب والتكنولوجيا بهدف غلق باب نضال الجماعة الصحفية حول تقنين لأئحة للأجور تضمن دخلا كريما للصحفي وأيضا بهدف تحويل هذا البدل الى امتياز يقترن بالتصويت لصالح بعض المرشحين من التابعين لها فترة انتخابات نقابة الصحفيين لضمان السيطرة على النقابة التى هى التنضيم الذاتى والوحيد للصحفيين وربط مصالحهم بالدولة.
وبالطبع استتبع ذلك عدة اجراءات تضمن السيطرة الرسمية ومنها تغيير بنية الجماعة الصحفية بضم عناصر غير مهنية للنقابة بهدف السيطرة على المجمع التصويتى الانتخابى لضمان استمرار هيمنة الدولة على المجتمع الصحفى وتقويض حريته وقدرته فى القيام بدوره كضمير للأمة وانتقاد السياسات الرسمية المتعارضة مع مصالح الشعب .
وايضا أصبح للمجلس اليد الطولى فى توجيهه التهم للصحفيين المعارضين لرموز الدولة والضغط على نقابة الصحفيين لتأديبهم وربما فى المستقبل شطبهم ومنعهم من ممارسة المهنة .
واصبح بدل التدريب وتشكيل المجلس الاعلى للصحافة وحقه المنفرد في إصدار الصحف هم سيف المعز وذهبه فى وقت واحد. يلوح النظام به كسيف وقت نهوض الجماعة الصحفية للتعبير عن أى مصلحة ذاتية لها تتعارض مع مصالح السلطة ويمنحه كذهب وقت رغبته فى تقويض قدرة الجماعة الصحفية على التعبير الذاتى عن نفسها .
ومابين التفاصيل كثير من العلاقات الغامضه بين المجلس كجهة رسمية و بعض الصحف الحزبية والمستقله تلبس خلالها ثوب المعارضة الديمقراطية وتتجه فى رحلة متناغمة لتأكيد المصالح الرسمية .
ولهذا فاننا نستطيع أن نقول ( بالفم المليان ) ان مصر صاحبة أول تجربة (خاصعام ) فى مجال الصحافة فهى تسعى من خلال خطة محكمة الى تخصيص المؤسسات الصحفية من ناحية الملكية واستمرارها عامة من ناحية الهيمنة الرسمية والحكومية وهو ما ثبت نجاحه فى التجربة على الصحف الحزبية والخاصة.
الثابت أن مصالح الجماعة الصحفية تحديدا ونظرا لطبيعة مهمة هذه الجماعة لا يمكن أن تكون إلا من خلال تنظيم ذاتى يضمن ليس فقط مصالحها الذاتية وانما فى الاساس مصالح الفئات التى تعبر عنها الصحافة والبعد عن أى هيمنة لأى من جماعات الضغط أو الحكومة .

ليست هناك تعليقات: