نشرة الاخبار

الخميس، أغسطس 13، 2009

يا ولدي هذا عمك " خراجة"!

سليم عزوز
azouz66@hotmail.com
تم نشره بجريدة البلاغ فى 12/8/2009
هذا عنوان لمقال لم يُكتب، فكرت في كتابته عقب زيارة وفد من طلبة قسم الصحافة، بكلية الآداب، جامعة سوهاج، لمقر نقابة الصحفيين، وقد حضرته بصفة واحدة، وهي أنني واحد من أبناء المحافظة، بينما حضره زميلنا " محمد خراجة" بثلاث صفات: فهو تخرج في هذا القسم، وهو من أبناء محافظة سوهاج، فضلا عن انه عضو بمجلس نقابة الصحفيين!.
(1)
جلس الطلاب منا مجلس التلاميذ من الأساتذة، وتصدر الزميل " خراجة" المشهد، وقد تحدث كثيرا حتي الملل عن انجازاته المهنية الخلاقة، التي توجها بعضوية مجلس النقابة، لدورتين متتاليتين، وروي مسيرة حياته في شارع الصحافة، حيث " طفح المر". ودار حديثه عن عملية إغلاق الأبواب، من قبل قيادات الصحف، وكيف انه انتصر عليهم مؤخرا، وتمثل هذا الانتصار في موقعه النقابي، وكيف سلم له القوم في النهاية بالريادة، " و أصبحوا يتمنون لي الرضا أرضي"، علي حد تعبيره!.
وهي رحلة كفاح شاقة، وان كانت قد أصابت الكثرة باليأس، ممن ليس لديهم القدرة علي ان يسيروا في درب النضال، فقد دغدغت مشاعر القلة، فقطعا فان هناك من تمنوا ان ينتهوا من دراستهم سريعا، ليبدأوا رحلة النضال الصحفي، ويكون هدفهم الفوز ذات يوم بعضوية مجلس النقابة، عندها يشعرون ان مسيرتهم كللت بالنجاح، وأنهم قد فازوا فوزا عظيما، فلم يبقي لهم إلا ان يجلسوا ليكتبوا مذكراتهم!.
لا حديث واحد عن انجاز مهني، ولا درس في المهنة يمكن ان يستفيد منه الطلاب، فغني عن البيان ان النجاح في الانتخابات، والفوز بثقة الجماهير، والفوز بعضوية مجلس النقابة – أي نقابة – لا شأن له بالأداء المهني، وفي طول تاريخ نقابة الصحفيين فاز بالعضوية من لم يكتبوا خبرا في حياتهم، وليس الأمر خاصا بنقابتنا فقط، فنقابة المحامين الملاصقة لها، يحصل علي أعلي الأصوات في انتخاباتها من لم يمارسوا المهنة يوما، ومن لم يدخلوا محكمة قط، او يترافعوا أمام هيئة قضائية، وأيضا من لم يكتبوا مذكرة دفاع في حياتهم!.
ومن اللافت ان هؤلاء، يحرصون علي كتابة المهنة في البيانات التي تحمل أسماءهم ، فيوقع احدهم علي بيانات النقابة وأوراق الدعاية مثلا باسم فلان الفلاني المحامي، وصارت قاعدة، حتي شاهدنا النقباء يحرص الواحد منهم علي ان يكتب اسمه وصفته ومهنته، ولا يفوته ان يكتب" المحامي بالنقض"، وكأنه يجوز ان يكون نقيب المحامين " صراف تذاكر بمحطة مصر". لاحظ ان قانون المحاماة يشترط فيمن يرشح نفسه لموقع نقيب المحامين ان يكون محاميا مسجلا في جداول محكمة النقض!.
ما علينا، فبينما كان " محمد خراجة" يروي تاريخه المجيد في بلاط صاحبة الجلالة، كنت أتذكر الكتب التي يروي فيها أصحابها مشوارهم الصحفي، والتي تعلمنا منها كثيرا، وجعلتنا في قلب المجتمع الصحفي، قبل ان نلتحق به، ومن كتاب " شارع الصحافة" لمي شاهين، الي " فلاح في بلاط صاحبة الجلالة" لإبراهيم الورداني، ومن " بين الصحافة والسياسة" لهيكل، الي " 50 عاما في قطار الصحافة" لموسي صبري"، الي " القربة المقطوعة" لجلال الحمامصي، الي " صحفي ضد الحكومة" لصلاح قبضايا.. ربما صدر كتاب موسي صبري بعد ان التحقنا بالمهنة فعلا.
(2)
لقد فكرت ان اكتب بالعنوان أعلاه، تعليقا علي حديث " محمد خراجة" الطويل لطلبة قسم الصحافة بجامعة سوهاج، لكني ترددت، ثم تراجعت، خشية ان أنكد عليه، وقد بدا لي وقد انتقل الي مرتبة " الأستاذ" بعد هذا اللقاء التاريخي، الذي بدأ بقيامه بالتنشين" علي أفخم كرسي في القاعة، علي الرغم من ان بلدياتنا جمال عبد الرحيم كان حاضرا اللقاء أيضا، وهو عضو في نقابة الصحفيين، وتخرج في هذا القسم، فضلا عن انه أيضا من سوهاج!.
نسيت المقال، فكرة وعنوانا، وتذكرته مؤخرا بما فعله صاحبنا في حق " الأبناء القُصر" لزميلنا الراحل " عادل عبد المنعم"، إذ حجب عنهم معاشهم الضئيل، والذي يتناسب مع مدة الخدمة القصيرة لوالدهم، في الحياة وفي المهنة، منتصرا بذلك لبنك ناصر، وكأنه مندوب البنك لدي النقابة.
ولم تكن هذه هي الحركة الأولي له في حق الزميل، فله تاريخ حافل بالحركات، وقانا الله وإياكم شر حركاته!.
في شهر رمضان يكون قد مضي عام بالتمام والكمال علي " وفاة" زميلنا، التي تكالبت عليه الأمراض، حتي لم تدع جزءا في جسمه سليما، وكان مثالا للمقاومة، وللصبر الجميل، الي ان فارق الحياة راضيا مرضيا، تاركا خلفه ذرية ضعافا: بنتان وولدان، ليس لهم من يرعاهم، فالأم مريضة، ومحجوزة منذ سنوات باحدي المستشفيات!.
حالة إنسانية " يرق" لها قلب الكافر، وقد اخطأ زميلنا " حسين البربري"، وربما أصاب، عندما نشر خبرا علي موقع " المصريون" الالكتروني، عن الحالة، واذكر وقتها انني اشتطت غضبا، لانني رأيت انه ذكر بعض أصدقاء " عادل" بالاسم، ودورهم في رعايته، وكان اسمي بينهم، ورأيت في ذلك تكريما لي علي واجب، تجاه صديق، كان سابقا بالخيرات معي، ومع غيري، لكن هذا الخبر، كان سببا في ان يتصل بي زملاء بقناة " الجزيرة" القطرية عارضين استعدادهم للمساهمة، وترددت في استقبال ما يودون إرساله، الي ان نجحنا في إقناع القوم في مجلس النقابة بضرورة ان يسمحوا باستخدام حساب الطوارئ لاستقبال التبرعات، وعندما أرسل الزملاء واحدا منهم بما جمعوه، كان عادل قد فارق الحياة، وتم إيداع المبلغ في النقابة.
ما تم جمعه، ليس بالمبلغ الكبير، لكنه كان اشارة علي ان الدنيا بخير، فوجئت بمتبرعين لا تربطهم علاقة شخصية بالفقيد، فلم يعرفونه بشكل شخصي مثل أسامة سرايا، او سمير رجب، او عبد الله كمال.
(3)
قد يكون طبيعيا ان يفعل " إبراهيم حجازي" ما فعل، فهو صاحب سوابق في فعل الخير، من لم يقف عليها سمع بها، وقد أنهي عملية شراء شقة من محافظة القليوبية لأبنائه، دفع مشكورا ثمنها كله، ورفض الاكتفاء بالمقدم مع قسط شهري. ولا يزال يشمل الأسرة بكرمه حتي الآن، ننساهم فيذكرنا بهم.
وربما أؤذي مشاعره ومشاعر غيره بذكر أسمائهم، لكن أردت بذلك ان أبرهن علي اننا إزاء حالة اهتزت لها قلوب الجميع، فأنفق كل ذي سعته من سعته، ووقف زميلنا طارق الضبع يشاغب أعضاء مجلس النقابة، في عملية اقرب الي الابتزاز، وبعضهم خضع لابتزازه، والبعض الآخر انطلق من موقف إنساني، إزاء حالة إنسانية موجعة، فلم يكونوا سواء.. الوحيد الذي فشل معه طارق، وهو صاحب طريقة تدفعك لان تفعل ما يريده منك لكي " تخلص منه ومن إلحاحه" هو " محمد خراجه".. ربما لأنه من الذين ينفقون باليمين فلا تعلم اليمين ما أنفقت الشمال!.
خراجه أزعج عادل حيا وميتا.. فعندما كان حيا " حفيت قدماه"، بما في ذلك " قدمه الموجوعة" من اجل ان يمنحه شقة، من الشقق التي حصل عليها بصفته النقابية، ووزعها في دعايته الانتخابية، لكن قلبه لم يرق لحاله، وهو المريض العائل لقبيلة من الأطفال، الذين لا يستطيعون ضربا في الأرض، ويعيشون في شقة مؤجرة بنظام الإيجار الحديث، ان استطاع ان يدفع الإيجار شهرا، عجز لعدة شهور!.
عادل ليس له نفوذ داخل النقابة، او داخل المهنة، ولم يكن يملك في سوق الانتخابات سوي صوته.. بناقص، صوت!.
كان موضوع الشقة، هو ما يجرح حالة الرضا التي تشمله، حتي انني لم أشاهده يوما الا والابتسامة علي فمه.. شعرت أنه استمتع بالرضا الكامل في قبره، عندما فعل " إبراهيم حجازي" ما فعل، ربما صاح ضاحكا: لو كنت اعلم ذلك لكنت مت من زمان.. لا أعلم لماذا لم أدله علي هذا الطريق من قبل، وانا اسمع عن حجازي دون ان أتعامل معه، وعندما كان عضوا في النقابة لم أكن من أنصاره، ولم أكن معه عندما ترشح نقيبا للصحفيين، وقد مُني بحالة من الخذلان المبين.
الرجل ترك النقابة، وترك مؤسسة " الأهرام"، وليس في يديه من دنيا أريدها، لكنها كلمة حق، ربما تؤذي مشاعره، لكن ما رمانا علي ذلك إلا الأمر، وكان الأمر هو خراجة!.
(4)
لعله الإمام علي كرم الله وجهه، الذي قال: "من وضع نفسه في موضع الشبهات فلا يلومن إلا نفسه"، ولهذا كان سعينا أن يكون " التبرع" من خلال النقابة، وجئنا في وقت التصرف، فندمت علي ما فعلت، فلو وقفت بصندوق في الشارع لكان هذا أفضل!.
فالزميل " محمد خراجة" هو صاحب فتوحات، وقتية، تطول وتقصر، وقد طالت من قبل حتي ظن الصحفيون انه من الإخوان المسلمين، وقصرت فأفتي بأن ما تم جمعه ينبغي ان يتم تطبيق شرع الله عليه، مع انه لم يدفع مليما، ولكنه مستغلا لمكانته النقابية، كأمين لصندوق النقابة.
- ما هو شرع الله سماحتكم؟!
- "للذكر مثل حظ الانثيين"!.
- هذا في الميراث فضيلتكم!
- وهذا ميرات!.
- لا هذا يدخل في باب الهبة.
- لا ميراث.. انا قلت ميراث!
- هب ان متبرعا قرر ان " يعزم" أبناء الفقيد علي الطعام، هل يعطي الابنة سندوتشا، ويعطي الابن سندوتشين!.
لكن الفقيه " محمد خراجه" رأسه وألف سيف، فالأموال في حوزة من يأتمرون بأمره، وهو لن يخلي سبيلها إلا إذا وزعت حسب شرع الله.. كنا قد قررنا ان نشتري لهم شهادات استثمارات، ذات العائد الشهري.
جدل دخل فيه معه زميلينا محمد منير، ولأن خراجة حالة لا يطق المرء علي منطقها صبرا، فقد لجأ منير الي "فقيه الأمة" صلاح عبد المقصود، بما يملكه عليه من تأثير، فالإخوان يمنحون أصواتهم لـ " خراجة" ربما يأخذونه بالشبه مثلنا، وربما التقي قادتهم مرة وكان في لحظة الفتوحات سالفة الذكر!.
" عبد المقصود" كان كلامه من كلام " خراجة".. اجمع الفقهاء علي شئ، وهم لا يجمعون علي ضلالة!.
وناظره منير، فأقتنع، وربما أظهر انه مقتنع بوجهة نظره، ليعصم وقته منه " فانك لا تهدي من أحببت"!. وتم تحرير التبرعات، في لحظة تاريخية جبارة!.
وظننت ان الله أنقذنا، ولن تكون أصابعنا تحت أسنان " خراجة" المدببة" مرة أخري، لكن هيهات.. هيهات!.
منذ أيام اتصل بنا شقيق الفقيد، والوصي علي الأبناء القُصر، لقد تم وقف المعاش، وسألنا، فقيل ان النقابة هي من فعلت هذا، وهناك قيل ان هذا وفاء لدين لصديقنا الراحل اقترضه من بنك ناصر الاجتماعي!.
وضبط يحيي قلاش المسؤول عن لجنة المعاشات بالنقابة، شيكا بألفي جنيه، من معاش عادل عبد المنعم، كان في طريقه لبنك ناصر، وحرر بتعليمات تمت من محمد خراجة، الذي يتعامل علي انه مندوب البنوك المصرية بالنقابة.. لا بأس فهو مندوب البنوك الوطنية، ويعمل لدي البنك الأهلي مثلا، وهو بنك وطني أصيل!.
لائحة القيد هي آخر أعمال المجلس البائد، وقد نصت علي ان الصفة الصحفية تسقط عن الذين يعملون لدي الوزارات او البنوك، او الهيئات، من أعضاء نقابة الصحفيين، وكان أي صريخ ابن يومين يعلم ان المستهدف بذلك هو محمد خراجة، مع أن الأمر لا يحتاج الي لائحة، فالقانون يكفي للانتقام!.
(5)
ما جري من تأميم للمعاش هو خطأ فاحش، فبنك ناصر، ليس بنكا ربويا، وكان يمكن بخطاب من الزميل خراجة ان يسقط هذا الدين، ويخصم من أموال الزكاة!.
ومنذ البداية طلب الزميل طارق الضبع من خراجة ان يفعل هذا لكنه علي ما يبدو نسي!
هذا من ناحية، ومن ناحية أخري فان المحكمة الدستورية العليا ألغت ما كان يسمي بالحجز الإداري، وعليه فان البنك لكي يحصل علي حقه فقد كان عليه ان يلجأ للقضاء ليحصل علي حكم بالحجز القضائي، وهو لم يفعل، ربما اعتمادا علي خراجة، وربما لان خراجة بنكي أكثر من البنك نفسه!.
هذا فضلا علي ان أموال "القُصر" لا يجوز الحجز عليها قانونا!.
أتمني ان يكون ما جري، واحدة من حركات زميلنا محمد خراجة، فربما هو بحاجة الي ان نلتف حوله نحن أصدقاء عادل عبد المنعم، نطلب منه تحرير المعاش، فيتدخل ليوقف الدين، لتكون " خدمة" علي رؤوس الأشهاد، ليبلغ الحاضر – بما فعل – الغائب، فقد تجري الانتخابات هذه المرة قبل مواعيدها بسبب القضايا المرفوعة وتطالب ببطلان انتخابات نقابة الصحفيين الأخيرة.
في الأسبوع الماضي أشعل خراجة النيران في النقابة، عندما اخبر الزملاء بأن الحكومة ألغت تماما بدل التدريب والتكنولوجيا، وهذا ليس صحيحا، وإنما يهدف عندما يأتي البدل الي ان يروي جهوده الفتاكة من اجل إعادته.. انه يصنع لنفسه انجازات، ولو علي حساب أعصاب الناس.. لا مانع لدينا، وها أنا ذا ارجوه وأتوسل إليه، وأمام امة لا اله الا الله ان يتدخل لدي بنك ناصر، ويعيد المعاش الي ابناء زميلنا القُصر، فهو رجل خير حقا.
ومؤكد ان هذه كلها انجازات ستمكنه من البقاء عضوا في مجلس النقابة، ليتفاخر امام طلبة جامعة سوهاج كل عام، وعلي طريقة الأب المعلم، فربما يجد من بينهم من يؤلف كتابا ذات يوم يحمل عنوان: " يا ولدي هذا عمك خراجة" علي وزن " يا ولدي هذا عمك جمال" للراحل انور السادات، الذي كتبه في حق الراحل جمال عبد الناصر.

ليست هناك تعليقات: