نشرة الاخبار

الأحد، يونيو 27، 2010

مش كل قط يتقال له يا مشمش

معذرة أستاذنا وعالمنا الاقتصادى الجليل الدكتور سمير أمين، فقد اقتبست عنوان فكرتى فى هذا المقال من عنوان نظريتك الرائعة التطور اللامتكافئ عندما أصابك الأرق والهم والخوف من المصير الذى ينتظر بسطاء العالم ومظاليمه نتيجة نمو الثورة التقنية فى حجر الاحتكار على حساب تهميش جزء كبير من الإنسانية ودفعها إلى مصير البطالة والجوع.
لأنى مواطن "مبعتر الذهن" وصفتى الأساسية أننى غير متوافق فقد استقبلت هوجة أزمة خالد سعيد استقبالاً مختلفاً عن العامة والخاصة.
بصرف النظر عن المعنى العام للحدث، والذى ينصب على وحشية وغباء وفساد جهاز الشرطة، وهى الحالة التى تلقى رواجاً بين غالبية المصريين، وبصرف النظر عن الحقائق حول الحدث، وعما إذا كان الضحية قد لاقى ربه منتحراً أو مستنحراً على يد زبانية نظام غاشم، فإن أشد ما لفت نظرى القصير هو الخطاب الإعلامى، وتحديداً خطاب القيادات الإعلامية المتضخمة بشكل لامتكافئ عمداً مع سبق الإصرار والترصد لدور ما ستقوم به فى لحظة ما.
والتضخم اللا متكافئ للقيادات الإعلامية والثقافية والسياسية أشبه بالتضخم الفرمونى للفواكه، فتجد الواحد منهم أشبه بالخوخة المتضخمة بفعل حقنها بالفرمونات.. شكلها الخارجى شديد الجمال والاحمرار وتحمل داخلها سموماً خطيرة من نصيب المساكين الذين يقدمون على التهامها بفعل جاذبيتها الخارجية.
آسف على بعترتكم معايا.. نرجع للموضوع تانى.. خطاب القيادات الإعلامية الفرمونية فى قضية خالد ركز على التساؤل: هل كان خالد مواطناً شريفاً أم منحرفاً وسوابق كما قالت الشرطة.. وهذا يعنى ضمنياً أن الحكم على الحدث مرتبط بالاستدلال.. والإجابة عن هذا السؤال، وبشكل غير مباشر مثلاً، يظهر مستند تأدية خالد للخدمة العسكرية فى مواجهة تصريح قيادات الشرطة بأنه متهرب من التجنيد.. وفى خطوة لاحقة يلاحظ القارئ، المتمعن فى مستندات القضية التى فرشها الإعلام أمامه، أن المذكور أنهى خدمته العسكرية بسبب الفصل الانضباطى، فترجح كفة الانحراف وتبرير الداخلية.
مذيعة فرمونية حسناء من خلال برنامج فرمونى تتساءل، بعد تنهيدة عميقة، هل خالد مواطن شريف أم أنه منحرف يستحق ما حدث له (معلش قلة خبرة معرفتش تخبى التوجيه اللى خدته).. ولكن غيرها من الزملاء الإعلاميين الفرمونيين كان أداؤهم أكثر براعة، وخاصة عندما اصطنعوا مباراة حبية بين فريقين أحدهما مؤيد مباشر للداخلية مستخدماً عبارات واضحة مثل شهيد البانجو.. والآخر فى ثوب معارض يرفض ويؤكد على أن الشاب كان من ذوى الأخلاق الحميدة وليس مجرماً أو مدمناً وأبيض وحلو وابن ناس. وكلاهما يؤكد ضمنيا أن من حق الشرطة أن تبهدل عرض أم أى شخص تراه منحرفاً أو مداناً، وسلم على أم القانون.
الخطورة هنا يا أصدقائى الحمولين الصابرين علىّ.. فى تحويل قضايا وهموم ومشاكل البسطاء والغلابة إلى مباريات حبية بين فريقين أحدهما يمثل الظلم والاستغلال، والآخر يلبس "فانلة" المظلومين الذين يقفون على هامش الملعب مشجعين إياه، حتى ترهقهم الهتافات وانفعالات المباراة، وربما تشعرهم للحظة بزهو انتصار مؤقت يلهيهم عن البحث عن أسباب أزمتهم أو حلول لها.
لكل هذا فلا عجب أن يزداد أعداد المفكرين والقادة السياسيين الذين يتحدثون كثيراً عن الشعب والخلاص والتغيير ضمن مباريات ودية منظمة مع الحكومة ومعسكر الحكم.. وتزداد أعداد البرامج والأدوات الإعلامية الفرمونية والإعلاميين المتضخمين مثل الخوخ الأحمر فى ثوب الجسارة للدفاع عن هموم البسطاء والمظاليم من أجل تأكيد الطريق السلمى فى الحصول على الحقوق المسلوبة التى اُغتصبت بأساليب غير سلمية.
شىء واحد مازال متحصناً محمياً من الفرمونيين المتضخمين..هوالوجدان الشعبى الذى لا يمكن خداعه أو تنظيمه وراء قيادات وهمية مخادعة.. فالبسطاء مدركون تماماً أن "مش كل قط يتقال له يا مشمش".

الخميس، يونيو 17، 2010

المواطن مضطر

تم نشره على موقع اليوم السابع فى 17/6/2010 ( أدخل للتعليق )
المواطنون، فى مصر، نوعان.. أقلية فاعلة.. وأغلبية مفعول بها، وأعضاء النوع الأخير يحملون جميعاً اسماً واحداً.. "المواطن مصرى".
المواطن مصرى سيماه فى وجهه كما تعلمنا من فلكلور جدودنا الحكماء.. طيب.. كريم.. جدع.. شهم. ولأن الحياة فى مصر فى صيرورة ما، فقد اكتسب صفة جديدة اختزلت كل الصفات السابقة داخلها.. هى "مواطن مضطر".
المواطن مصرى مضطر فى كل تفاصيل حياته.. يتخرج فى كلية الآداب أو الهندسة أو الطب، ومضطراً يعمل محاسباً فى مخبز، أو سايساً فى جراج.
المواطن مصرى يحب مواطنة مصرية، ومضطراً يتزوج بأخرى لاعتبارات اقتصادية خاصة بأى من الأطراف الثلاثة.
المواطن مصرى يرسل أبناءه للتعليم.. ومضطراً يستدين من أجل توفير قيمة دروس خصوصية لمدرس دوره الأساسى تدريب الطالب على مهارات الحصول على درجات مرتفعة فى اختبارات عملية تعليمية فاشلة، ثم يتحول مضطراً إلى معارض "أشوس" للامتحانات الصعبة، بصرف النظر عن عدم وجود عملية تعليمية من الأساس، وبصرف النظر عن قدرات أبنائه العلمية والثقافية.
المواطن مصرى يحمل كرامته الحرفية والمهنية والمهاراتية على أنفه متفاخراً بها فى حدود جغرافية لا يتجاوز أقصاها المقهى وسط زملاء أكثر قهراً.. ومضطراً يتنازل عنها أمام سخافة أو غباء أو نطاعة أو عقد رئيس أقل اضطرراً للحفاظ على بضعة جنيهات يُحصلها كل أول شهر، تغنيه أسبوعاً عن الاستدانة وتقلص مدة ضيق ذات يده من أربعة أسابيع إلى ثلاثة.
المواطن مصرى مضطراً يبيع جهده فى سوق العمل بعشر قيمته، ومضطراً أيضاً على تقديم أضعاف جهده مجاناً فوق البيعة للحفاظ على العمل.
المواطن مصرى صاحب ثقافة رفيعة وخبرة عتيقة فى نظافة المأكولات وصحتها، ومضطراً يلتهم مبيدات مسرطنة ومأكولات ملوثة مدفوعة بمقولة "موت بطىء بالسم خير من موت سريع بالجوع".
المواطن مصرى والمواطنة مصرية يتزوجان ليكتشفا اختلاف طباعهما، أو استحالة الحياة بين كل منهما، فيعصران على نفسيهما طن ليمون ويستمران فى الحياة، وينجبان مواطنين مصريين يرثون كل هذه الآلام، والسبب أن تكلفة الانفصال والحرية فى مصر أكثر من تكلفة الارتباط.
المواطن مصرى يقف بين يدى الله خاشعاً عابداً مصلياً باكياً داعياً بالستر وحسن الختام والاغتناء عن الرذائل، ومضطراً يقدم الرشوة لمرتشٍ مضطر للرشوة.
المواطن المصرى رومانسى.. حالم.. شاعر.. أديب فقط فى حدود العادة الذهنية التى تهرب به لحظات عن حياته المضطرة.
المواطن مصرى.. محروم من كل مقومات ممارسة حياته الطبيعية نفسياً وبيولوجياً.. ومضطراً يفعل ذلك على طريقة "العيان والميت" فلا العيان قادر ولا الميت حاسس بحاجة.
المواطن مصرى مضطر إلى الثورة.. فهل يا ترى سيثور.. متى وعلى من؟

الثلاثاء، يونيو 08، 2010