نشرة الاخبار

السبت، يناير 08، 2011

تطرف

محمد منير

تم نشره على موقع اليوم السابع 8-1-2010( أدخل للتعليق)

كنت وأنا طفل أصاحب صديقا دائم الاستفزاز لى وللعالم المحيط به.. وكنت أنا دائم الاستنفار منه ومن العالم المحيط بى.. وعندما كبرت قليلاً علمت أن مشكلتى هى الأعمق، فالاستفزاز هو انطباع الآخر عن تصرفاتك وهو انطباع نسبى متغير من شخص لآخر طبقا لموقفه منك.. أما الاستنفار فهو موقف موحد منك تجاه كل العالم تكون نتيجته أن يتوحد عالمك المحيط كله ضدك كمتطرف.

الاستنفار هو بداية التطرف ودافعه الأول وليس المبدأ أو العقيدة فى ذاتهم كما يتصور الكثيرون.. فالمتطرف اليسارى مثلاً موقفه ليس ابناً للفكر اليسارى وكذلك المتطرف الإسلامى أو المسيحى، ولكنه ابناً لحالة الاستنفار الشخصية لصحابها.. فهو موقف نفسى فى الأساس فالشخص المُستنفر هو شخص متطرف سواء كان يسارياً أو مسلماً أو مسيحياَ أو أهلاوياً أو زملكاوياً.

وعلاج التطرف يبدأ بعلاج حالة الاستنفار المتفشية فى المجتمع، ولهذا فإن المنطق يلزمنا بألا نركن إلى سبب واحد فى تشخيص الأحداث المؤسفة السابقة باعتبارها وليدة عمل متطرف.

فريق يرجع الأمر إلى تفشى حالة التطرف الدينى.. وكأن هذا الفريق فسر الماء بالماء، فالتطرف الدينى والتطرف الكروى والتطرف السياسى والتطرف العاطفى كلها حالات استنفار مرضية.. فالتطرف الدينى شكل من أشكال التطرف فى المجتمع ولهذا فهو أحد الأسباب باعتباره نوعاً من أنواع التطرف.. وعلاجه لا يكون بالتعامل مع موضوع الدين، وإنما بالتعامل مع شخصية ونفسية المتطرف.

فريق يرجع الأمر إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية التى تدفع بالكثيرين إلى معسكر الفقر وضيق ذات اليد وما يتبعه من ترسيبات حقدية نتيجة الاتساع الشديد فى الفوارق الطبقية ومشاهدها المستفزة، وفقدان الأمل وحتى الخيال فى مستقبل مشرق.. تفسير وارد.

فريق يرى أن الأمر يرجع إلى فقدان الهوية القومية نتيجة انهيار المشروع الوطنى وسيطرة روح التبعية لدول كبرى وتحول الأعداء إلى أصدقاء دون مبرر منطقى.. تفسير وارد.

فريق يرجع الأمر إلى الفساد الذى فرضته أقلية مسيطرة على أغلبية محكومة وانهيار القيم المجتمعية الإيجابية.. واختفاء قيم وذوق الطبقة الوسطى وما استتبعه من انهيار فى الذوق العام فى كافة المجالات الاجتماعية والفنية والأدبية والمعيشية.. تفسير وارد.

فريق يرجع الأمر إلى التدهور الأمنى بسبب اقتصار دور الأمن على حماية الأقلية المسيطرة وتغير دوره القديم والذى كان يعبر عنه شعار "الشرطة فى خدمة الشعب" وانتشار الفساد فى مؤسساته أسوة بمؤسسات كثيرة.. تفسير وارد.

فريق يرى أن الأمر يرجع فى الأساس إلى تدهور مؤسسة التعليم والثقافة، مما أدى إلى زيادة الأمية وانتشار الجهل العلمى والثقافى.. تفسير وارد.

فريق يرى أن الأمر يعود لمؤامرات خارجية وتخطيطات أجنبية.. تفسير وارد

فى ظل كل التدهورات السابقة وفى دولة شاخت فيها الأسود وغُلت فيها الأشبال.

تفسيرات كلها واردة.. بل أرى أنها كلها صحيحة فبشاعة ما وصل إليه الحال لا يمكن أن يكون نتيجة لمشكلة واحدة.. ولهذا فحل مشكلة الاستنفار النفسى والتطرف لا يكون إلا بحل كل مشكلات الوطن بشكل جاد وعميق وليس بمظاهر مسرحية قشرية كصلاة المسلمين مع المسيحيين أو العكس مثل الرجل الذى يرتدى "جيبة" ليثبت صدق نواياه تجاه فكرة المساواة بين الرجل والمرأة.

ليست هناك تعليقات: