نشرة الاخبار

الأربعاء، أكتوبر 19، 2011

لماذا يوافق بعض أعضاء مجلس نقابةالصحفيين على صرف مكافآت لقضاة وموظفين مقابل الإشراف على الانتخابات؟


تم نشره فى جريدة اليوم السابع وعلى موقعها الالكترونى الثلاثاء 2011/10/18
محمد منير
أسلوب تدثُّر المصالح الخبيثة وغير الشرعية بالقيم العليا والمعايير الأخلاقية هو أسلوب قديم، انتشر بشكل كبير فى مصر خلال الدولة الحديثة، وهو العصر الذى كان يستلزم من الحكام تبريرات أخلاقية أمام شعوبهم لتصرفاتهم اللاأخلاقية، وانتقل بعد ذلك إلى مجتمع السياسة والسياسيين وبالتدريج أصبح وسيلة معروفة يستخدمها العديد من الفئات لإخفاء مصالح غير شرعية.. فمثلا فى العصر الملكى عرفت مصر تهمة العيب فى الذات الملكية وبعباءة هذه التهمة أصبحت كل تصرفات الملك المنحرفة فى حماية من أى انتقاد، وبعد مظاهرات 1977 ضد ارتفاع الأسعار وارتفاع حدة الانتقاد للحكومة أصدر أنور السادات قانون حماية القيم من العيب والتى اتسعت مظلة الإدانة فيه لتشمل من يحبذ أو يعجب بأى أفكار معارضة للحكومة.. وفى عهد مبارك اتسعت مظلة الحماية لتشمل العديد من الفئات حتى وصلت إلى محاولة وضع قانون للصحافة يحمى رجال الأعمال الفاسدين من الانتقاد.. ومن الفئات التى تمتعت بحصانة حتى من الانتقاد فئة القضاة، والتبرير الذى ساقه النظام لفرض هذه الحصانة هو الحفاظ على هيبة القضاء!!
وأصبح القضاة داخل حصن حصين يحميهم حتى من الانتقاد ومناقشة أى تصرف لهم.

ما علينا «نخش فى الموضوع».. ضمن ترسانة القوانين الكثيرة التى ابتكرها النظام الأسبق للسيطرة على منظمات المجتمع المدنى والنقابات المهنية كان القانون 100 المنظم لانتخابات النقابات المهنية.. وكان هذا القانون يشترط الإشراف القضائى التام على الانتخابات المهنية بعد أن كانت النقابات المهنية تشرف بنفسها على الانتخابات الخاصة بها... وبالطبع وفى ظل الفقاعة الكبيرة لهيبة القضاء والقضاة، كان رفض الإشراف القضائى شبهة تحيط بمن يتبناه.. وكانت النتيجة أن سيطرت الحكومة لسنوات طويلة على معظم النقابات المهنية تحت مظلة الإشراف القضائى وهو ما لم تسطع فعله وقتما كانت الانتخابات تحت إشراف الجمعيات العمومية للنقابات المهنية، رغم إجهاض العديد من القضاة لخطط الحكومة فى كثير من المواقع لإصرارهم على التعامل بحيادية وشرف ونزاهة.. ولكن آلة التنظيم نفسها كانت تصب لصالح مرشحى الحكومة.. والملاحظ هنا أن الإشراف القضائى كان بموجب نص قانونى وليس عشوائيا.. وهذه نقطة مهمة.
فى يناير 2011 وفى ظل تصاعد حالة التمرد العامة على نظام مبارك أصدرت المحكمة الدستورية العليا قرارها بعدم دستورية القانون 100 وهو ما يعنى العودة إلى العمل بالقوانين السابقة المنظمة لانتخابات النقابات المهنية وحل كل مجالس النقابات التى تم انتخابها على أساس القانون 100، وكان ضمن هذه النقابات نقابة الصحفيين التى عانت الأمرَّين من هيمنة رجالات الدولة والأمن عليها فيما عدا بعض العناصر المعارضة التى استطاعت الولوج إلى مجلسها تحت ضغط إرادة الصحفيين، وكان لزاما على المجلس الحالى تقديم استقالته وإعادة الانتخابات على أساس القانون القديم 76 لسنة 1970 وبالفعل تقدم خمسة من أعضاء المجلس باستقالاتهم، وأصر بقية عناصر المجلس على الاستمرار بغير سند قانونى وكانت هذه العناصر تمثل عناصر حكومية وعناصر تابعة لجماعة الإخوان المسلمين ، وعندما حاول بعض أعضاء الجمعية العمومية إفهامهم عدم شرعية وجودهم، وما سيترتب عليه من عوار قانونى من الممكن أن يدخل النقابة فى مشكلات عديدة أصروا على موقفهم والاستقواء ببعضهم البعض «أقصد عناصر الإخوان وعناصر الحكومة السابقة».. وبعد ثورة 25 يناير كان لزاما على المجلس أن يطبق حكم القضاء والتنحى، ولكنه أصر على موقفه بل تحالفت العناصر التابعة للنظام السابق مع العناصر الإخوانية فى اتخاذ العديد من التدابير المريبة لإحداث حالة من الخلل والفوضى فى النقابة كان من نتائجها حالة مبالغ فيها من الانهيار الاقتصادى والإدارى.

وعندما أصبحت هناك ضرورة للانتخابات اضطر المجلس غير الشرعى إلى فتح باب الترشح وأصر على الإشراف القضائى مرة أخرى على طريقة النظام السابق رغم أن القانون 76 لسنة 1970 ينص على إجراء الانتخابات بدون أى إشراف قضائى.. واستند هؤلاء فى دعايتهم إلى نفس أسانيد الحكومة السابقة فى أن الإشراف القضائى هو ضمانة لنزاهة الانتخابات وتم انتداب 25 مستشارًا من مجلس الدولة و25 موظفاً إداريا للاستعداد للانتخابات والإشراف عليها بالمخالفة للقانون، وبدأ هؤلاء فى العمل تحت إشراف عضوين من المجلس السابق فى أسلوب يدعو للريبة وتحت حصانة هيبة القضاء والقضاة إلى أن تكشفت عدة أمور، وهى أن هؤلاء القضاة والموظفين يتقاضون مكافآت باهظة من أموال النقابة يحددها ويصرفها لهم أعضاء من المجلس السابق والبعض منهم مرشح فى الانتخابات الحالية.. فلمن سيكون انحيازهم؟!، الغريب أنه لدينا مستند وهو عبارة عن خطاب موجه لنقابة الصحفيين وموقع عليه وكيل مجلس الدولة يحدد فيه أسماء المستشارين والموظفين التابعين لمجلس الدولة والمطلوب لهم مكافآت مالية نقدية وكيفية صرف هذه المكافآت وطلب تكرارها فى حالة إعادة الانتخابات.. وكما لو كان هؤلاء المستشارون المنوط بهم الفصل فى منازعات النقابات يعملون بأجر خاص لدى هذه النقابات فى وقت الفراغ .. أى عدل هذا؟ وأى نزاهة هذه؟


وتحت هيبة القضاء والقضاة أصبح كل شىء مباحا، وكتابع لحالة الفساد والإفساد التى سادت الفترة السابقة ارتبكت مفاهيم بعض الصحفيين وتم تأسيسها على أساس طبيعية الفساد، وهذا ما حدث عندما صدر حكم من مجلس الدولة بوقف انتخابات نقابة الصحفيين، مستنداً إلى عدم شرعية المجلس الحالى بعد صدور الحكم بعدم دستورية القانون 100 « وهذا ما سبق وأن حذرنا منه.


وتصادف أن هذا الحكم صدر بعد يوم واحد من مشادة بين عدد من الصحفيين ومستشارى مجلس الدولة المنتدبين بمكافآت للإشراف على الانتخابات داخل مبنى النقابة احتجاجاً على بعض تصرفات المستشارين غير المفهومة أثناء الاستعداد للعملية الانتخابية وتجاوزهم مع بعض الصحفيين، فقام أصحاب المصلحة فيما يسمى بالإشراف القضائى المخالف للقانون بالترويج بأن هذه الأحكام جاءت انتقاماً من النقابة بعد أن اختلف معهم عدد من الصحفيين واعترضوا على حصولهم على مبالغ نقدية من نقابتهم التى تعانى من الديون، وكتبت إحدى الصحفيات خبراً بهذا المعنى فى صحيفة قومية، وكما لو كان الطبيعى أن يتقاضى المستشارون أموالا من النقابات وألا يعطلوا لهم الانتخابات، هذا إذا صدق ما يروج له النقابيون المنتفعون، وأتمنى ألا يصدق بل وأستبعده على القضاة.

أى هيبة هذه.. وأى عدل هذا.. وأى نزاهة هذه.. وأى مفاهيم مرتبكة يروج لها البعض من الزملاء الصحفيين؟! ارحمونا يرحمكم الله.. وأذكر القضاة بما سبق وأن ذكرتهم به فى مقال سابق وهو حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة، قاضيان فى النار وقاضٍ فى الجنة، قاضٍ قضى بالهوى، فهو فى النار، وقاضٍ قضى بغير علم، فهو فى النار، وقاضٍ قضى بالحق، فهو فى الجنة».. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزه القضاة عن الحساب بل أنذرهم بمضاعفة الحساب، أما الزملاء الصحفيون فأقول لهم احذروا خيانة ضمائركم فهى خيانة لكل الأمة التى أنتم ضميرها.

ليست هناك تعليقات: