نشرة الاخبار

السبت، نوفمبر 15، 2014

فجر فى مسجد السيدة نفيسة

محمد منير 
عندما تضيق بك الدنيا وتنكمش نفسك فى بعضها ، تبحث ذاتك عن مخرج دنيوى ولو مؤقت للخروج من الهم والغم ، مخرج ربما غير تقليدى كشرب زجاجة بيرة مشبرة أو تقليدى كالجلوس امام التلفزيون لمشاهدة عمل درامى سخيف ..
فى صباح ذلك اليوم اخذنى ضيقى وانكماش نفسى الى الذهاب لصلاة الفجر فى مسجدة السيدة نفيسة ، وهو المكان الذى تجد فيه نفسى راحة وسكون ..
الرحلة فجراً للسيدة نفيسة قيمة فى ذاتها يبدأ جمالها بسكون المدينة الصاخبة وهدؤ واتساع الشوارع المزدحمة ورقة وهدؤ سكان الفجر ورائحة الهواء الجميلة التى تضيع نهارا وسط العرق وعوادم السيارات .. وعندما تصل لساحة مسجد نفيسة العلوم تستقبلك وجود مبتسمة ، حتى متسولين الليل أخلاقهم تختلف عن متسولين النهار فهم اقل شراسة واقل الحاحا فى طلب النفحة أو الصدقة أو النذر.
وعلى باب الدخول تقابل الحاج زينهم داخل بجانبك وهو يحيى كل الواقفين من عمالة ومتسولين ومصلين بصوت واثق يرن كالجرس ، فيقول له أحد العمال " ربنا يطول فى عمرك ياحاج زينهم " ، فيرد محتجا " لأ ياحبيبى خلى طولة العمر لك ، الحاج زينهم رايح للحبايب مش عايز الدنيا " ، وكأنه يطلب الآخرة ويستعجل لحظة الحساب بثقة المؤمنين فى الخالق المدركين بأن الغفور الكريم دائما عند حسن ظن عبده  به .
فى ذلك اليوم تصادف اصابة المسجد الكبير بعطل فى التيار الكهربائى ، وكان على غير عادتة مظلما ، ولكنه كان ظلاما غير موحشاً فقد كان المكان ذاته به درجة من السكينة والهدؤ والجمال أحالت الظلام الى نور ربانى داخل نفوس رواده ، وفى الداخل وعند باب المسجد يقابلك شخص مبتسم ليناولك فطيرة بالكمون تكسر بها ريقك نفحة يومية من أحد المقتدرين .. ، اعتذرت لأنى قررت  عدم الأكل قبل الصلاة  ، وأنا مطمئن أن وجبتى تنتظرنى بعد الصلاة امام المسجد.
جلس المصلون فى الظلام يذكرون الله سرأ وعلانية وسأل أحدهم عن راديو لسماع قرأن وشعائر الفجر ، فتذكرت موبايلى الجديد وقررت بإنتهازية ألا أفوت هذه الفرصة لمباركة الموبايل الجديد ووضعت السماعة وأدرت خاصية الراديو على محطة القران .. فأرتاح الجميع ، وجاء شيخ يدعونى بالراديو الى مقدمة المسجد أمام المنبر ليسمع الجميع ، وانتقلت الى المقدمة وسط رواد ومحبى وعشاق أهل البيت بوجوهم البشوشة المبتسمة ، يجلسون يذكرون الله فى اصوات هامسة غير مزعجة ويسمعون كلمات على لسان  شيخ يتلو القرأن انتقل من خلال الموبايل ..
واجتمعت همسات العاشقين لله ولأهل البيت وأدعيتهم مع صوت القرأن ورائحة الفجر وبركة نفيسة العلوم  ليحيلوا الظلام الى نور ربانى اضاء النفوس المشغولة عن هموم الدنيا بذكر الله .
وجاءت لحظة الصلاة وصلى بنا الامام واطال فى الصلاة بغير ملل وليته كان اطال أكثر بصوته الرخيم الرائع وفى لحظة الدعاء بكى الجميع تضرعاً ورهبة من الله فهى لحظة يشعر فيها الانسان انه أمام الخالق بلا أى حجاب .
وانتهت الصلاة وجاءت لحظة زيارة ضريح السيدة نفيسة ، ودخلت بخطوات هادئة وقرأت الفاتحة لها ولأهل البيت داعيا الله أن يفك الهم والكرب ويدخلنا جنته بشفاعة رسوله .
وقبل انصرافى من المسجد اصابتنى نفحة من أهل الخير عبارة عن ثمرة بلح زغلول ، واكتمل فطورى خارج المسجد عندما ناولنى الحاج زينهم ساندوتشين طعمية من داخل سيارته التى تقف كل يوم بعد صلاة الفجر توزع الفطار على المصلين ، وهى عادة لم يقطعها العم زينهم منذ سنوات بإصرار المحب الذى يرغب فى لقاء حبيبه بأجمل هيئة .. هيئة المحسنين المحبين ،
وانتقلت فى رحلة العودة مارا ببقية أهل البيت ، السيدة زينب والسيدة رقية والسيدة سكينة والحسين ، وساعدنى الطريق أن انطلق بسيارتى برشاقة غير معروفة أوقات النهار .

وعلى سريرى حاولت أن أتذكر همومى التى دفعتنى لهذه الرحلة فلم أتذكر سوى العم زينهم والوجوه البشوشة ورائحة الفجر ، فنمت فى هدؤ دون تعاطى قرص المنوم الليلى  .

ليست هناك تعليقات: