نشرة الاخبار

الخميس، نوفمبر 27، 2014

الوطنية والوطنية البديلة

video
محمد منير
سألنى صديقى ونحن نتمشى على الكورنيش ، هى الأغانى الوطنية بقت ماسخة كده ليه ، لم أخذ كثير فى التفكير قبل أن أفتى بالاجابة قائلا" كل إناء بما فيه ينضح .. الأغانى الوطنية تعبير عن موقف من قضية وحسب صدق القضية يكون مستوى  الغناء  " ..
اجابة سريعة بها نوع من الافتاء واصطناع الحكمة ، ورغم ذلك أثارت داخلى عدة اسئلة تعدت موضوع الغناء الى سؤال " على من نطلق رصاصة الوطنية ؟..
البشر فى كل العالم يستنفرون كل روحهم ووجدانهم الوطنى فى حالة وجود خطر استعمارى يهدد استقلالهم ، وفى حالة السلم والاستقلال تتوجه هذه الطاقة الى النشاط التنموى للتفوق والتقدم والرقى فتتحول الوطنية من مرحلة الدفاع عن الوطن الى مرحلة الصعود به ..
وفى البلدان ذات القيادات سقيمة الوجدان عشوائية التعبير والتى تعانى شعوبها من الفقر والجهل والمرض والاستغلال تتحدد معالم الوطنية طبقا لرغبة الحكام ومصالحهم وليس طبقاً لمصلحة الأمة. وفى هذه الحالة تبحث الشعوب عن بديل للحالة الطبيعية التى كان يجب أن يكونوا عليها فيلجأوا الى ممارسة عادات بديلة عن المسار الطبيعى .
أتذكر أن الراحل جمال عبد الناصر اثار العديد من المشكلات والاختلافات مع دول عربية وحكام عرب اذكر منهم ملك السعودية وملك الأردن ، ورغم عشق الشعب المصرى آنذاك لناصر إلا أن البلاد لم تشهد أى خطاب شعبوى عدائى ضد هذه الدول ، ولم تتجه طاقة الوطنية الى وضعهم فى مصاف الأعداء ، وظلت اسرائيل هى الهدف والعدو الرئيسى أمام المصريين ، وضمنيا تعامل المصريين مع هذه الخلافات بين الحكومات العربية على انها خلافات داخل البيت الواحد وأن الجبهة الوحيدة التى يجب توجيه كل طاقة الشعب الوطنية تجاهها هى جبهة مواجهة اسرائيل وتحرير فلسطين ، وأن خلافات الحكام العرب لا يجب أن تكون عائقاً أمام هذه الاهداف  .. وهكذا كانت الشعوب هى القائد الفعلى والمحدد الرئيس لموضوع الوطنية بسبب وضوح الرؤية لديها .
تربيت فى هذا المناخ وهى التربية المسئولة عن اندهاشى من حالة العدائية المبالغ فيها تجاه فصيل مقاوم فلسطينى ( بصرف النظر عن اخطائه التى أقر بها ) فى مقابل حالة ميوعة فى الموقف تجاه العدو الاستراتيجى ، اسرائيل ، بل وصل الشطط الى دعوات بالتحالف مع اسرائيل للقضاء ليس فقط على الفصيل الفلسطينى وانما للقضاء على أهل غزة كلهم فى اعتراف واضح بالاحتلال الصهيونى بل والتعاون معه .. اندهشت من حالة التخوين لبعض الاقطار العربية لدعمها السياسى لجماعة الاخوان ووضعها فى مصاف الاعداء واعتبار المتعاملين معها من الخونة ، فى حين لم توجه نصف هذه الطاقة الانفعالية الشعبوية ضد الهيمنة الصهيونية فى المنطقة !!!
فى الستينيات اختلف الرئيس جمال عبد الناصر مع حاكم قطر بشأن استضافته الشيخ يوسف القرضاوى وطلب تسليمه لمصر وهو ما أعتبره حاكم قطر نوعاً من العيب والعار أن يسلم لاجئ لديه فمنحه الجنسية ورفض مطلب ناصر .. وبصرف النظر عن تحديد الطرف المخطئ إلا أن الرئيس جمال عبد الناصر لم يأخذ أى رد فعل عدائى تجاه هذا الحادث ، وظلت المصلحة القومية هى الأهم لديه وظل من أكثر الشخصيات المحبوبة فى هذا القطر .. الخلافات والاختلافات ستظل موجودة بين الدول والحكومات ، ولكن من المسئول ومن له المصلحة فى اخارجها عن إطارها وتحويلها الى عداء بديل عن العداء الحقيقى ومواجهة العدو الحقيقى ، ومن المسئول عن تحويل الروح الوطنية لدى الشباب المصرى من العداء لأسرائيل الى تخوين دول شقيقة بل و مواطنين مصريين لمجرد الاختلاف ..

خلال الثلاثين عام الماضية بل وربما قبلها بسنوات انعكست مصالح الصهيونية على المنطقة وحدث تمسيخ للروح الوطنية والحماس الوطنى وظلت مصر هكذا سنوات بعيدة عن هدف قومى واضح يحدد طبيعة القضية الوطنية للمصريين ، ونشأت اجيال فى ظل هذا المناخ ولم تعاصر أى مناخ واضح سابق ، ولهذا وفى أول منعطف تأثرت بما أملى عليها من عدائية وفرقة بين الدول العربية وتحويل الاختلاف الى خيانة وغض النظر عن العدو الحقيقى الذى لم يعرفوه بسبب سياسة التضليل المتعمدة .. ويبقى السؤال من المسئول ومن صاحب المصلحة ... ابحث عن المستفيد .

ليست هناك تعليقات: