نشرة الاخبار

الاثنين، ديسمبر 08، 2014

الوادالرذل صاحب الكورة

video

محمد منير
فى طفولتى المتأخرة كنت لا أجيد لعبة كرة القدم فى الشارع والتى كانت تصيت أى حد فى الحى وتمثل المتعة الوحيدة لأطفال وشباب المنطقة ...
وجدت طريقة لفرض نفسى على فرق الكورة فى الشارع بل وتنافسهم على ارضائى وهى التميز بملكية الكورة التى كانوا يلعبون بها ، فقد كنت  اضغط على والدى ليشترى لى واحدة بسعر باهظ " 25 قرش "  ، وانزل بها الشارع وأنا اتمخطر واتخايل لأجد نفسى بقدرة قادر كابتن الكابتين وعملاق الملعب وعضوا اساسيا فى تشكيل الفرقة القوية ، وغالبا ما كنت اقف حارس مرمى ليتخلصوا من خيبتى فى الملعب ، وحتى لو دخل فيا جون من بين رجلى ( خاروقة )  كان الكابتن بتاع الفرقة يقول لى " برافو انت مالكش ذنب العيب على الدفاع الحمار " ، فقد كان يعلم جيداً أن  زعلى معناه انتهاء الماتش وجلوسهم على الرصيف .
ورغم إدراكى الفطرى لأهمية الملكية عن المهارة والكفاءة إلا أننى لم امارس نفس اللعبة فى الكبر بسبب لعنة السياسة والفكر الاشتراكى الذى دمر هذه الموهبة داخلى فدفعت الثمن غالياً .
رذالة صاحب الكورة وفرضه لنفسه على المجتمعات والفئات والمهن التى لايجيدها أصبحت أمراً شائعاً فى زمننا ، وتطورت اشكال ملكية الكورة الى أشكال جديدة ومهارات جديدة تجعل من صاحبها قيادة كبيرة فى حرفة يجهلها تماما .. فمن الممكن مثلاً أن يكون حلوانياً أو سباكاً أو سمكرياً  ومقرش بزيادة ويفتح جريدة وهنا الأمر قد يبدو طبيعى ، ولكن بمجرد تلامسه مع المجتمع الجديد وبفعل ملكيته لكورة القرشينات ربما يصبح كاتباً كبيراً أو مفكراً ملهماً ، وتصبح فجأة كل كلماته مأثورات وحكم
وفى الفن تكفيه كورة القرشينات ليتحول مثلا  من جزار الى منتج وناقد سينمائى مشهور تغلب كلماته ويغلب منطقه كل كلامات ومنطق الأدباء والفنانين.
وتطورت الفكرة وأصبح ابناء صاحب الكورة الرذل ورثة لهذه الثروة من الرذالة التى تجاوزت فائدتها حدود صاحبها وامتدت الى ابنائه ليصبحوا مفكرين أو أدباء أو حرفيين أو مهندسين أو اطباء متصيتين بحكم الانتماء لشجرة الملكية الرذلة .
وفى بلادنا يا سادة لا توجد قواعد مؤسسية واضحة تفصل بين المهارة والحرفية من جهة والملكية من جهة أخرى فى اطار من التواز والندية ،  فيختلط الحابل بالنابل وتصبح الامور كلها خط واحد ممتد ، تشغل مقدمته وقيادته الملكيه وفى ذيله  تقبع المهارة والحرفية، تتحكم فيها وفى مقدراتها قيادة المقدمة .  
وإحقاقاً للحق لا أنكر التطور والتوسع الذى حدث فى نظرية " الواد الرذل صاحب الكورة " فتطور شكله من الرذالة الى الدماثة وتوسع نشاطه من الفرقه الواحدة ليشمل اكثر من فرقه بل وتتطور نوع النشاط من الكرة الى انشطة أخرى واستنسخ من رذالته الاف الاراذل وكلاء عنه فى الانشطة المتعددة ليمارسوا سلطة قيادة المهارة والخبرة القابعة فى مؤخرة القاطرة .

ربما يتوقع البعض اننى اقصد بما كتبت تفسير انتشار ظاهرة التوريث فى مصر ، وربما يرى البعض اننى اقصد غلبة سلطة رأس المال على المؤسسية وانهيار فكرة التفوق المهنى والحرفى .. الحقيقة انه لا يعنينى جدا المقصد مما اكتبه اكثر من اهتمامى بكيفية استقبالك له وتفاعلك معه ، وخاصة واننى كنت فى فترة من حياتى من اصحاب القرار والأمر والنهى والتحكم بالمقدرات عندما كنت مالكاً للكورة ام 25 قرش .

ليست هناك تعليقات: