نشرة الاخبار

السبت، يوليو 04، 2015

اغتيال النائب العام

محمد منير

     بشكل مجرد من فإن العقل البشرى السوى لا يقبل فكرة القتل وإزهاق الأرواح .. فالقتل هو أول سلوك بشرى جرمه الله سبحانه وتعالى عندما قتل قابيل أخاه هابيل.
بعيدًاعن التجرد فإن عوامل ومتغيرات تاريخية طرأت على الدنيا جعلت من القتل أنواعًا وأشكالاً، خرج البعض من هذه الأنواع من دائرة التأثيم الى نطاق الشرعية والحقوق، ولهذا أنزل الله الأديان لينظم العلاقات ومن بينها قواعد لحد القتل.
ما سبق مقدمة لا بد منها حتى أصل إلى تعقيبى على حادث اغتيال النائب العام المصرى المستشار هشام بركات. فالحادث يمثل مأساة إنسانية وكارثة تحيط بالوطن، ولكن السؤال هو هل اغتيال النائب العام نتيجة لمقدمات وأسباب أدت اليه أم هو مبرر مطلق غير منطقى لحالة العنف السائدة.
الاغتيال السياسى وسيلة متعارف عليها فى المجتمعات والدول ويمارسها أفراد وجماعات وحكومات، ولا أستطيع أن أجزم أنها حق أم باطل فالأمر يرتبط بطبيعة السبب الذى أدى للاغتيال . 
وقبل الخوض فى ملابسات الموضوع أود الإشارة إلى حقيقتين، الأولى أن هناك خصومة ثأرية بين النائب العام، وأهالى المئات من ضحايا حادثى فض اعتصامى رابعة والنهضة بسبب كثرة الضحايا فى هذين الحادثين، والعنف المبالغ فيه من قبل قوات الأمن؛ حيث كان "بركات" هو النائب العام الذى أصدر الإشارة القانونية لعملية الفض بصفته الوظيفية آنذاك، وذلك بصرف النظر عن شرعية القرار من عدم شرعيته.
الحقيقة الثانية أن استقبال أهالى الضحايا لخبر اغتيال "بركات" باستحسان أو حتى بشماتة لا يعنى أن هذه الفرقة هى الفاعلة لعملية الاغتيال، وإنما انفعالهم هذا هو سلوك إنسانى طبيعى من أشخاص فقدوا ذويهم فى عملية مواجهة عنيفة مع النظام، وأيضا بصرف النظر عن مدى صحة الرأى السياسى لأى فريق من الفرق .. فقط أتحدث عن أن هناك دم وثأر فى المشهد، خاصة وأن النائب العام هو المعبر والممثل القانونى الذى أعطى شرعية لعنف النظام فى مواجهة المعتصمين.
    والمفروض أن مقتضيات منصب النائب العام تحتم عليه فصل  ضميره ووجدانه عن مصالح الحكم والحكام، وأن تكون قرارته نابعة من ضمير قانونى مجرد ومنزه عن مصالح الحكم والخلافات السياسية؛ إلا أن ما حدث أن النائب العام فى مصر أصبح لسان حال النظام والمبرر لكل تصرفات النظام مع المعارضة، وهو ما جعله فى دائرة الاستهداف الثأرى والانتقامى.
 وأداء النائب العام كمحلل ومبرر لسياسات السلطة تجاوز حادثى رابعة والنهضة؛ فهو أيضا المسئول عن الإحالات القضائية لفريق مناهضى النظام إلى المحاكمة، وما استتبعه بعد ذلك من أحكام مغلظة معظمها إعدام ومؤبد.
أعود وأوكد أنه ليس بالضرورة أن يكون فاعل الواقعة من هذه الفرقة؛ ولكنى أرصد مشهد احتراب مجتمعى تسبب فيه النظام الحاكم، وهيأ المجتمع للعنف والمواجهات المسلحة والقتل والاغتيال وتفشى مشاعر الكراهية والعداء بين الافراد والفئات، وهو ما يمكن اللعب عليه وتزكيته من قبل أى جهات خارجية أو جماعات لها مصلحة فى زعزعة استقرار البلاد، وهو ما أميل إليه فى تفسيرى لحادث الاغتيال وحوادث كثيرة فى الفترة الأخيرة.
ولكن هناك علامات استفهام حول السلوك الثابت لرجالات النظام وأتباعه وأتباع التابعين له، حيث يقومون عقب كل حادث عنف بنشر خطاب إعلامى موحد يهدف إلى الهجوم على القوانين والديمقراطية؛ باعتبارهما أسباب غل يد السلطة عن مواجهة الإرهاب؟ بل أن هذا الخطاب يصل به الشطط إلى المطالبة بإجراءات استثنائية وتعطيل القوانين والحياة الديمقراطية وإعدام الخصوم وتخوينهم. 
الثابت فى السياسة أن الديمقراطية وتداول السلطة هما صمامى الأمان لاستقرار أى مجتمع، والتجارب تؤكد أن النظم التى تريد احتكار الحكم والانفراد به تلجأ دائما إلى محاولات الحصول على تفويضات شعبية بتعطيل القوانين والحياة الديمقراطية، تحت ادعاء درء المخاطر عن البلاد، وتجنيب الشعب ويلات إرهاب وعنف مجهول.
والحقيقة هنا أن الغرض الحقيقى من محاولة الحصول على هذه التفويضات هو ضمان استمرار النظام فى احتكاره للحكم بمباركة شعبية منتزعة، وخاصة أن القواعد السياسية الثابتة، والتجارب تؤكد أن الحكم غير المستند على قوانين ثابته وقواعد ديمقراطية يؤدى الى مزيد من التوتر والإرهاب والعنف فى المجتمع لا إلى الاستقرار كما يدعون .
 فدعونا نفكر بتجرد