نشرة الاخبار

السبت، سبتمبر 26، 2015

ثلاثية الفساد والسياسة والإعلام فى المحروسة


محمد منير 
كعادة معظم المصريين ترقبت التغيير الوزارى الجديد وانتظرت بشغف الإعلان عن أسماء الوزارء الجدد ، مع أنى لا أتذكر أن وزيراً من الوزرات السابقة خلال العامين الماضيين علق بذاكرتى ، ولكنها عادة وربنا يكفيكم شر العادة! .
التغيير هذه المرة جاء عقب الإعلان عن قضية فساد المتهم الرئيسى فيها رجل أعمال ضليع فى الفساد منذ سنوات طويلة ووزير الزراعة الذى تم عزله من منصبه وإلقاء القبض عليه بتهمة التربح والفساد وآخرين ، وتناولت الشائعات المشفوعة بالأدلة أسماء آخرى من وزراء واعلاميين، وعندما تم الإعلان عن تغيير الوزارة كتم الجميع أنفاسهم متوقعين أن تتسع رقعة الإتهام فور التشكيل الجديد .
وجاء التشكيل الجديد ليتضمن من بين وزرائه وزراء ممن كانوا عرضة للشائعات والأقاويل وتأكد المتوجسون وأصحاب البطاحات أن رياح المخاطر قد مرت وهتفوا " يحيا العدل " .. ورجع كل منهم الى خندقه لتسير القافلة بينما الشعب يعوى بلا طائل .
المتهم الأول رجل الأعمال الفاسد كان من المهتمين بالاعلام ومدركا لأهميته كممر لرسالته التى تتلخص فى دعوة حق يراد بها باطل تحت شعار " تسهيل الإستثمار والتيسير للمستثمرين"، ولا عجب أن يتبنى محمد فودة المتهم الأول فى قضية الفساد هذه الدعوة الاعلامية بمحتوى يتفق مع فساده، وأقصد دفع الدولة لإتخاذ الاجراءات لرفع كافة أنواع الرقابة والضوابط عن البعض ممن يطلقون على أنفسهم رجال الأعمال ليحققوا أرباحا مبالغا فيها دون الالتزام بالقواعد أو بحق الدولة أو بحق الشعب عليهم، مثل تخفيض الضرائب والحصول على الخدمات بأسعار ميسرة ورفع الدولة يدها عن ضمان حقوق العاملين والحصول على أراضى الدول ومنشأتها بأسعار زهيدة .. كل هذا بدعوى تهيئة المناخ للاستثمار والتيسير على المستثمرين .
 وبالطبع لكل قطاع رجاله يحملون الدعوة لأهدافة ويزودون عنه ويروجون له ، وكان هذا دور بعض الاعلاميين الذين مهدوا للعلاقة بين هذا القطاع وكبار موظفى الدولة الفاسدين ، وشكلوا قوة ضغط على الدولة للترويج لأهداف الاستثمار الفاسد ..
وكما قلت ما أن مرت سحابة الخطر وتم الإعلان عن الوزارة الجديدة بطريقة أكدت لهؤلاء انهم مازالوا فى الجانب الآمن حتى عادت ريما لعادتها القديمة ، كما يقول المثل ، وعادت المقالات والضغوط ودعاوى الضغط على الحكومة لتسهيل الأمور للمستثمرين ، بل وصل الأمر لترويع الحكومة بأن عدم التسهيل للمستثمرين الجدد ورفع الضوابط والالتزامات عنهم هو نوعاً من الخيانة للوطن !!
 نعود للتغيير الوزارى.... الواضح أن هناك هدفا لدى النظام من التغيير الوزارى يبعد عن التوقعات الساذجة بأن التغيير جاء للتطهر من الفساد ، والواضح أيضا أن الدولة مازالت مشغولة بالتمكين عن انشغالها بالفاسدين .. والتمكين يا سادة هو السلعة السحرية التى يداعب بها أهل الفساد أهل الحكم ، وهو الأداة السحرية التى تحمى الفاسدين من بطش الدولة ورقابتها. فأهل الفساد يقدمون كل جهودهم لتمكين النظام والحفاظ على استقراره بصرف النظر عن مرجعيته الشعبية أو ادائه ، ليس بهدف استقرار الوطن وانما بهدف غض البصرعن فسادهم واستغلالهم للشعب ونهب خيراته .
 هذا هو جوهر التغيير الوزارى أو التعديل الوزارى الذى ابتعد بشدة عن الاستعانة بوزراء فنيين خبراء واتجه بقوة نحو أهل الثقة من الحكام المنعزلين عن الشعب وهو ما يفسر جلب أحد الوزراء من حكومة نظام مبارك حوله الكثير من الشبهات فيما يخص أدائه وتوجهاته ، هذا بالاضافة الى انه ينتمى لفكر الدولة التى ثار عليها الشعب 2011 ، ويتم تعينه وزيرا فى وزارة مختلفة عن الوزارة التى كان يرأسها وهى وزارة التنمية المحلية ، المسئولة بشكل مباشر عن المحافظين فى مصر  وهم رمانة الميزان فى الانتخابات البرلمانية وخاصة فى المحافظات غير الحضارية والقرى والنجوع .. ولخيالكم الباقى ..
ولا عجب أيضا أن يتم استجلاب وزيراً للتربية والتعليم ليس له أى مهارات أو مقومات سوى إعلانه الدائم لولائه للنظام والتهكم على المعارضين بأسوأ الطرق السوقية على طريقة " نايم مدفيها وغيرك بيحميها " !!!! ولا عجب .. ولا عجب ... ولاعجب ..

ومازالت مصر مطحونة بين شقى الرحى... أهل التمكين والقوم الفاسدين . 

السبت، سبتمبر 19، 2015

أحلام سيادتك دساتير ياريس


محمد منير
الدستور هو مجموعة المبادئ العليا والقيم والأهداف السياسية التى يتفق ويتوافق عليها المجتمع والتى تصاغ فى شكل وثيقة دستورية تكون ملزمة  للجميع.
وفى تعريف آخر، الدستور هو القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة (بسيطة أم مركبة) ونظام الحكم (ملكي أم جمهوري) وشكل الحكومة (رئاسية أم برلمانية) وينظم السلطات العامة فيها من حيث التكوين والاختصاص والعلاقات التي بين السلطات وحدود كل سلطة والواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات ويضع الضمانات لها تجاه السلطة.
ما علينا .. قبل الدخول فى الموضوع أوضح أن الولايات المتحدة الأمريكية والتى تعد أكثر دول العالم استقراراً فى نظامها السياسى يستند نظام الحكم فيها على دستور مكتوب فى صفحات قليلة صدر عام 1791 أى من 224 سنة وتم  إجراء 27 تعديلا عليه حتى الآن  بمعدل تعديل كل 8 سنوات ونصف ، وظل الدستور الأصلى مفعل منذ 224 عاما .
وتستمد مواد الدستور الأمريكي مضمونها من نظريات الفلاسفة الإنجليزيين جون لوك توماس هوبز وإدوارد كوك، والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، وآمن هؤلاء المفكرون بأن قبول الأفراد بالالتزام السياسي تجاه المجتمع يتم على أساس المصلحة الذاتية والمنطق. ويستهدف الدستور صياغة مجتمع مدني تكون لأفراده حقوق وواجبات، كما أن الفقرة السادسة من الدستور الأمريكى تنص على أنه ليس من الوارد إجراء اختبار ديني لأي شخص يرغب في شغل أي وظيفة حكومية. كما نص أول تعديل أُدخل على الدستور على أن الكونجرس لن يقوم بأي حال من الأحوال بتشريع قانون قائم على أساس ديني ، والشعار الذى اتخذته الولايات المتحدة تعبيرا عنها " نثق بالله " بعيداً عن إختلاف الأديان وبالتالى اتسعت مظله الدستور لتشمل كل المواطنين على أرض البلاد  بصرف النظر عن اختلاف عقائدهم .
فى مصر ظهر أول دستور عام 1879 ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن تم تغيير الدستور كاملا 10 مرات أى دستور جديد للبلاد كل 13 عاما ونصف العام ! هذا غير التعديلات والفترات الطارئة التى  تعطل فيها العمل بالدستور وهى ليست قليلة ..
واذا كان الدستور الامريكى قد قوض صلاحيات رئيس الجمهورية بمشاركة واسعة للكونجرس ، فإن الدساتير المصرية قد تجنبت فكرة التقليص من السلطات المطلقة للحاكم وكثرت بها الاستثنائات من القواعد وخاصة لمؤسسة الجيش .
وهنا لنا وقفه ..فالدستور الأمريكى ثابت ولم يتم تغييره منذ  عام 1791, والشاهد هنا أن النظام الحاكم يتكون طبقا لدستور البلاد والتعديلات الدستورية تكون للضرورات العامة وبقرار من الكونجرس وليس من الحاكم ، وفى مصر تغير الدستور تماما عشر مرات منذ إعلانه عام 1897 والشاهد هنا أن الدستور يتم تعديله حسب توجه الحاكم الجديد والنظام الحاكم على عكس الطبيعة السياسية والتى تجبر الحاكم على الالتزام بالدستور وليس تغييره أو تعديله طبقا لتوجهاته .. .. وبعد ثورة 2011 لم يهتم الثوار أصحاب المصلحة فى التغيير بإقصاء أدوات النظام القديم وتغيرها بقدر إهتمامهم بتغيير الدستور ليتلائم مع توجهات النظام الحاكم الجديد والتى كانت ذات ملامح اسلامية وهو ما يخلق بعض المشكلات مع مبدأ المواطنة التى يقوم عليها مبادئ أى دستور ، وتم تغيير الدستور وسط حماس غير مسبوق وبعض المعارضات ، وبعد الانقلاب على الحكم فى 30 يونيه تم تغيير الدستور مرة اخرى بعد مرور أقل من عامين وتحديدا عام 2014 ، وشهدت هذه الفترة حالة من الحماس الانفعالى لدستور 2014 الجديد من أنصار النظام الحاكم الموجود الآن ، واعتبر نظام الانقلاب أن معركة الدستور هى معركته الأساسية فى مواجهة النظام السابق أو نظام الاخوان المسلمين ، وفى هذه الفترة لم يكن قائد الانقلاب الفريق عبد الفتاح السيسى قد نُصب بعد رئيسا للجمهورية ، وكان المناخ السياسى به قدر من الإرتباك ، ولهذا تضمن الدستور مادة غير مسبوقة فى أى دستور فى العالم وهى المادة (174)والتى أعطت لرئيس الجمهورية الحق في تعيين وزير الدفاع من بين ضباط القوات المسلحة لمدة دورتين رئاسيتين (ثماني سنوات)، بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة عليه، دون الإخلال بحق الرئيس في عزله.
والشاهد ان السيسى كان يهدف لتحصين منصب وزير الدفاع الذى كان يشغله آنذاك ، ولكن الواضح أكثر أن المقصود كان تعظيم دور المجلس الأعلى للقوات المسلحة لبقاء هيمنة الجيش على الحياة السياسية فى حالة وجود رئيس مدنى ..

وبعد ما يقرب من عام وتولى السيسى حكم البلاد وانتقاله من موقع وزير الدفاع الى موقع رئيس الدولة ، تغير منطقه السياسي وتغيرت رؤيته لبعض مواد الدستور الى كان يراها مهمة لوضعه وقتما كان وزيرا للدفاع ، وانتهى دورها بعد استقراره كرئيس للجمهورية والمح الى ضرورة تغيير الدستور الذى وصفه متهكما ب " دستور النوايا الحسنة " .. الغريب أن نفس الاصوات التى ارتفعت دفاعا عن دستور2014   وخرجت ترقص له فى الشوارع وتشنجت وتعصبت من أجله ، هى نفس الأصوات التى تسابقت بعد تلميح السيسى وطالبت بأهمية تغيير الدستور، بل وصل الأمر بالكاتب عاشق الرؤساء بأن يعلن أن عدم تغيير الدستور سيعرقل برنامج الرئيس ، ونسى العاشق الولهان فى غمرة حماسه أن الرئيس سبق وأن اعلن انه ليس لديه برنامج ...  وتحول الدستور فى مصر من مبادئ تحكم قواعد الحكم فى البلد الى مبادئ تعبر عن أهواء وتوجهات الحاكم بسند شعبى رسمى شعاره الوحيد " أحلام سيادتك دساتير ياريس