نشرة الاخبار

السبت، سبتمبر 19، 2015

أحلام سيادتك دساتير ياريس


محمد منير
الدستور هو مجموعة المبادئ العليا والقيم والأهداف السياسية التى يتفق ويتوافق عليها المجتمع والتى تصاغ فى شكل وثيقة دستورية تكون ملزمة  للجميع.
وفى تعريف آخر، الدستور هو القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة (بسيطة أم مركبة) ونظام الحكم (ملكي أم جمهوري) وشكل الحكومة (رئاسية أم برلمانية) وينظم السلطات العامة فيها من حيث التكوين والاختصاص والعلاقات التي بين السلطات وحدود كل سلطة والواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات ويضع الضمانات لها تجاه السلطة.
ما علينا .. قبل الدخول فى الموضوع أوضح أن الولايات المتحدة الأمريكية والتى تعد أكثر دول العالم استقراراً فى نظامها السياسى يستند نظام الحكم فيها على دستور مكتوب فى صفحات قليلة صدر عام 1791 أى من 224 سنة وتم  إجراء 27 تعديلا عليه حتى الآن  بمعدل تعديل كل 8 سنوات ونصف ، وظل الدستور الأصلى مفعل منذ 224 عاما .
وتستمد مواد الدستور الأمريكي مضمونها من نظريات الفلاسفة الإنجليزيين جون لوك توماس هوبز وإدوارد كوك، والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، وآمن هؤلاء المفكرون بأن قبول الأفراد بالالتزام السياسي تجاه المجتمع يتم على أساس المصلحة الذاتية والمنطق. ويستهدف الدستور صياغة مجتمع مدني تكون لأفراده حقوق وواجبات، كما أن الفقرة السادسة من الدستور الأمريكى تنص على أنه ليس من الوارد إجراء اختبار ديني لأي شخص يرغب في شغل أي وظيفة حكومية. كما نص أول تعديل أُدخل على الدستور على أن الكونجرس لن يقوم بأي حال من الأحوال بتشريع قانون قائم على أساس ديني ، والشعار الذى اتخذته الولايات المتحدة تعبيرا عنها " نثق بالله " بعيداً عن إختلاف الأديان وبالتالى اتسعت مظله الدستور لتشمل كل المواطنين على أرض البلاد  بصرف النظر عن اختلاف عقائدهم .
فى مصر ظهر أول دستور عام 1879 ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن تم تغيير الدستور كاملا 10 مرات أى دستور جديد للبلاد كل 13 عاما ونصف العام ! هذا غير التعديلات والفترات الطارئة التى  تعطل فيها العمل بالدستور وهى ليست قليلة ..
واذا كان الدستور الامريكى قد قوض صلاحيات رئيس الجمهورية بمشاركة واسعة للكونجرس ، فإن الدساتير المصرية قد تجنبت فكرة التقليص من السلطات المطلقة للحاكم وكثرت بها الاستثنائات من القواعد وخاصة لمؤسسة الجيش .
وهنا لنا وقفه ..فالدستور الأمريكى ثابت ولم يتم تغييره منذ  عام 1791, والشاهد هنا أن النظام الحاكم يتكون طبقا لدستور البلاد والتعديلات الدستورية تكون للضرورات العامة وبقرار من الكونجرس وليس من الحاكم ، وفى مصر تغير الدستور تماما عشر مرات منذ إعلانه عام 1897 والشاهد هنا أن الدستور يتم تعديله حسب توجه الحاكم الجديد والنظام الحاكم على عكس الطبيعة السياسية والتى تجبر الحاكم على الالتزام بالدستور وليس تغييره أو تعديله طبقا لتوجهاته .. .. وبعد ثورة 2011 لم يهتم الثوار أصحاب المصلحة فى التغيير بإقصاء أدوات النظام القديم وتغيرها بقدر إهتمامهم بتغيير الدستور ليتلائم مع توجهات النظام الحاكم الجديد والتى كانت ذات ملامح اسلامية وهو ما يخلق بعض المشكلات مع مبدأ المواطنة التى يقوم عليها مبادئ أى دستور ، وتم تغيير الدستور وسط حماس غير مسبوق وبعض المعارضات ، وبعد الانقلاب على الحكم فى 30 يونيه تم تغيير الدستور مرة اخرى بعد مرور أقل من عامين وتحديدا عام 2014 ، وشهدت هذه الفترة حالة من الحماس الانفعالى لدستور 2014 الجديد من أنصار النظام الحاكم الموجود الآن ، واعتبر نظام الانقلاب أن معركة الدستور هى معركته الأساسية فى مواجهة النظام السابق أو نظام الاخوان المسلمين ، وفى هذه الفترة لم يكن قائد الانقلاب الفريق عبد الفتاح السيسى قد نُصب بعد رئيسا للجمهورية ، وكان المناخ السياسى به قدر من الإرتباك ، ولهذا تضمن الدستور مادة غير مسبوقة فى أى دستور فى العالم وهى المادة (174)والتى أعطت لرئيس الجمهورية الحق في تعيين وزير الدفاع من بين ضباط القوات المسلحة لمدة دورتين رئاسيتين (ثماني سنوات)، بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة عليه، دون الإخلال بحق الرئيس في عزله.
والشاهد ان السيسى كان يهدف لتحصين منصب وزير الدفاع الذى كان يشغله آنذاك ، ولكن الواضح أكثر أن المقصود كان تعظيم دور المجلس الأعلى للقوات المسلحة لبقاء هيمنة الجيش على الحياة السياسية فى حالة وجود رئيس مدنى ..

وبعد ما يقرب من عام وتولى السيسى حكم البلاد وانتقاله من موقع وزير الدفاع الى موقع رئيس الدولة ، تغير منطقه السياسي وتغيرت رؤيته لبعض مواد الدستور الى كان يراها مهمة لوضعه وقتما كان وزيرا للدفاع ، وانتهى دورها بعد استقراره كرئيس للجمهورية والمح الى ضرورة تغيير الدستور الذى وصفه متهكما ب " دستور النوايا الحسنة " .. الغريب أن نفس الاصوات التى ارتفعت دفاعا عن دستور2014   وخرجت ترقص له فى الشوارع وتشنجت وتعصبت من أجله ، هى نفس الأصوات التى تسابقت بعد تلميح السيسى وطالبت بأهمية تغيير الدستور، بل وصل الأمر بالكاتب عاشق الرؤساء بأن يعلن أن عدم تغيير الدستور سيعرقل برنامج الرئيس ، ونسى العاشق الولهان فى غمرة حماسه أن الرئيس سبق وأن اعلن انه ليس لديه برنامج ...  وتحول الدستور فى مصر من مبادئ تحكم قواعد الحكم فى البلد الى مبادئ تعبر عن أهواء وتوجهات الحاكم بسند شعبى رسمى شعاره الوحيد " أحلام سيادتك دساتير ياريس

ليست هناك تعليقات: