نشرة الاخبار

السبت، أكتوبر 24، 2015

العقلاء وورثة الأغبياء


محمد منير
انتهت الجولة الأولى من المرحلة الأولى من انتخابات البرلمان المصرى 2015 على مشهد عزوف شديد من الناخبين عن الإدلاء بأصواتهم فى هذه الإنتخابات التى تعد بمثابة مسرحية رديئة الإخراج تشارك فيها مصر فى المهرجان العالمى للديمقراطية.
العازفون ليسوا سواء، فأبناء الشعب منهم مدفوعون باليأس وعدم الثقة وعدم الاقتناع واستسخاف بالنص المسرحى والاخراج والممثلين، أما عزوف قطاع من النخبة فسببه احتجاجهم على عدم إشراكهم فى هذه المسخرة السياسية وتجاهلهم، والجوهران يختلفان بالطبع.
تتداول مواقع التواصل الإجتماعى خبرا منسوباً لأحد المصادر رفيعة المستوى فى مؤسسة الرئاسة حول تلقى الرئيس عبد الفتاح السيسى تقريرا مطولاً حذر من تزايد درجة الغضب بين دوائر سياسية عديدة شاركت في تحالف 30 يونيو الذى أطاح بحكم جماعة الإخوان وفتح الباب أمام وصول السيسى إلى مقعد الرئاسة.
وأشار المصدر الرئاسى رفيع المستوى إلى وجود تيارات داخل معسكر 30 يونيو، تشمل من ساهم فى تمويل التحركات السياسية، التى مهدت للإطاحة بحكم جماعة الإخوان، ويرى أنه يستحق المشاركة فى صناعة القرار لأنه قام بمقامرة كبيرة. وهناك تيار الشباب الذى وجد على الأرض وتقدم الصفوف ويشعر اليوم أنه تم التغرير به، وبصرف النظر عن تشكيك البعض فى مواقع التواصل الاجتماعى كمصدر موثوق فيه للمعلومات، إلا أن التقرير يحمل صفة المنطقية لأنه يعكس حالة موجودة بالفعل لا يستطيع أحد اغفالها.
الغالبية من النخبة ومنهم المعارضون لسياسة الدولة يتعاملون دائما بقانون الالتزام بالحركة تحت مظلة الدولة، وإن شرعيتهم وشرعية وجودهم إنما هى محددة بسقف أزلى يرتفع وينخفض طبقا لمحددات النظام، وإذا عزفوا عن المشاركة فى أى فاعليات للنظام فإن جوهر اختلافهم ومحتواه يختلفان عن جوهر ومحتوى اختلاف البسطاء من الشعب، وعزوف هؤلاء عن المشاركة فى انتخابات البرلمان إنما هو نوع من الاحتجاج على عدم إشراكهم فى المسرحية وتفضيل ممثلين آخرين عليهم، وهو نوع من الاحتجاج الذى يحمل مرارة العبد الذى قدم الكثير لسيده ولم يوف الثمن.

بعض المتمنطقين يتساءلون "لماذا لاتعمل النخبة المعارضة لحسابها وتخرج من دائرة العمل لحساب السلطة إلى عالم المنافسة معها ؟"
الحقيقة أن النخبة المعارضة تعمل طبقا لقاعدة ورثتها عن السابقين وهى "هذا ما وجدنا عليه أباءنا "، وأصبح لديهم قيم وقواعد ثابته تلزمهم بالعمل تحت مظلة النظام. أما السلف الطالح فربما له أسبابه الذى جعلته يسن هذه السنة، ربما تعرض لضغوط أو قهر أو مغريات ألزمته بالخضوع لمظلة الأنظمة ووضع مبررات وقوانين لهذا الخضوع تحول بفعل الزمن لقوانين التزم بها شر خلف لأسوأ سلف، وهذا كله يتلخص فى كلمة واحدة هى " القطيع".
ولتوضيح كلمة القطيع أو معناها استرشد بتجربة القرود الخمسة، ومفادها أن علماء أحضروا خمسة قرود ووضعوهم فى قفص به صندوق معلق فوقه ثمر موز، فكان إن قفز قرد وأحضر الموز يقوم العلماء برش الأربعة قرود بماء بارد، وعندما كان أى قرد يكرر التصرف كان العلماء يرشون القرود الباقية بالماء البارد، حتى ربطت القرود بين الحصول على الموز والعقوبة، فبدأوا يضربون أى قرد يحاول الحصول على الموز، فقام العلماء بسحب قرد من الخمسة قرود ووضع قرد آخر لم يعاصر الأحداث وعندما حاول إحضار الموز ضربه الأربعة قرود فأذعن لرغبتهم، وعندما أدخل العلماء قرداً جديداً وكرر نفس التصرف ضربته القرود الأربعة واشترك معهم فى الضرب القرد الذى أذعن دون أن يعرف السبب وراء ذلك، ولما تم استبدال القرود كلها تباعا بقرود لم تعاصر تجربة رش الماء البارد، ظلت القرود الجديدة على سلوك ضرب أى قرد يحاول إحضار الموز دون معرفة سبب هذا السلوك العدوانى!

هذا هو الفرق بين من يعمل عقله وبين من يسير وراء قيم القطيع

السبت، أكتوبر 03، 2015

" قفا " الحسينى و"قبقاب" شجرة الدر و " حذاء" منتظر

محمد منير
ربما يضطرنا السلوك الإنسانى السوى إلى رفض التعبير بالاعتداء البدنى كما أن جزءاً من إدانة هذا الأسلوب يعكس مخاوف البشر من أن يتكرر استخدامه معهم فى مواضع أخرى .. إلا أن النفس البشرية لا ترتكن إلى زاوية واحدة بل إن معاييرها معقدة جدا ، ولهذا فبينما تجد لسان شخص ينطق بإدانة الاعتداء المتكرر على " قفا " يوسف الحسينى فى أمريكا تجد وجدانه مضروب بالسعادة الدفينة للحدث!!
هذا التناقض ليس تعبيراً عن عشوائية إنسانية أو عدم استواء نفسى إنما يحمل مبررات منطقية .
التداخل بين السياسة والحكم والاعتداء البدنى والإهانة أمور غير غريبة على التاريخ الانسانى .
قتلت أرملة "عز الدين أيبك" ضرتها "شجرة الدر التركمانية "  بالضرب بـ " القباقيب" الخشبية على رأسها وهى ليست عقوبة بالقتل فقط وانما عقوبة مهينة تعكس غل أرملة "أيبك" بسبب قيام "شجرة الدر" بقتل زوجها الذى كان قد اغتصب منها الحكم ، ولم تكن هذه جريمة شجرة الدر الأولى وإنما كانت "التركمانية" ضليعة فى العديد من المؤامرات وجرائم القتل فيشير التاريخ انها قتلت "توران شاه" ابن زوجها الأول سلطان مصر الراحل الصالح أيوب وقتلت المملوك "أقطاى" الذى استعانت به لقتل "توران شاه" .. والشاهد هنا أن موتة شجرة الدر إنما هى جني لثمرة بذرة الفتنة التى بذرتها فى حياتها  وبنفس الأدوات التى رسختها "التركمانية" فى علاقتها بدوائر الحكم والسياسة ، أما جمهور التاريخ فرغم كرههم للقتل إلا أن استقبالهم على مر السنوات الطويلة لسيرة قتل شجرة الدر بـ " القباقيب " كان ومازال استقبالا مريحا، تبريره افتراء شجرة الدر وجبروتها حتى لوكان هذا الافتراء والجبروت ضد المماليك المكروهين وبصرف النظر عن صحة موقفها من عدمه .
وفى عام 1960 تلقى العالم الغربى صفعة شديدة عندما وضع الرئيس السوفيتى "نيكيتا خروتشوف" حذاءه على منصة الامم المتحدة موجهاً رسالة للعالم الغربى  مفادها انه من لا يحترم الاتحاد السوفيتى الصاعد ليس له إلا الحذاء ، والحقيقة  أن " نيكيتا " لم يكن قليل التربية أو من "عيلة واطية" لا يدرى البرتوكول والأخلاق الرفيعة وإنما كان  " خروتشوف " قد فاض به الكيل من مؤامرات الغرب المبالغ فى خستها تجاه حركات التحرر العالمى بعد الحرب العالمية الثانية والتى كان يدعمها الاتحاد السوفيتى ، ورغم غرابة حادث رفع الحذاء أمام الهيئة الممثلة للعالم ، إلا أن العالم وخاصة دول العالم الثالث والدول المؤيدة لحركات التحرر من الاستعمار استقبلت الموقف الغريب براحة نفسية وتبرير ذلك بافتراء الغرب وجبروته فى مواجهة حركات الاستقلال ورغبته فى الحفاظ على مخططات تقسيم العالم واستمراره تحت سيطرة الدول الاستعمارية .
وفى عام 2003 تعرض وزير الخارجيه المصري أحمد ماهر للضرب بالأحذية داخل المسجد الاقصى بسبب اتهام الفلسطينيين له بالخيانة ، ورغم بشاعة الحدث بالنسبة للمصريين ، إلا أن جمهورا كبيرا من المصريين استقبلوه براحة نفسية  ، ولتبرير مدى بشاعة الجرائم الصهيونية ضد المدنيين الفلسطينين وغرابة الموقف المصرى الصامت صمتاً أقرب للتواطؤ .
وفى عام 2008  آثار استاذ بكلية الشريعة أزمة بسبب فتواه بجواز إرضاع الموظفة لزميلها لكى يصبح محرماً عليها وقالت "ملكة يوسف" استاذة الفقه في جامعة الازهر هذه مهاترات وقلة ادب ووصفت قائل هذه الفتوى بأنه غير محترم ولا يُرد عليه الا بضربه بالجزمة , ولم يصف أحد تصريح استاذه الفقه بأنه  غير حضارى .. وتبرير ذلك بتنطع الفتوى وغرابتها واهانتها للمشاعر الدينية للمسلمين .
وفى عام 2008 أيضا القى الزميل الصحفى العراقى " منتظر الزيدى " حذاءه فى وجه الرئيس الأمريكى " جورج بوش " ، ومن اللحظة الأولى استقبل العالم الحدث بتعاطف شديد ، ليس لأن العالم يفتقر للأدب والكياسة والاحترام وإنما بسبب تبجح الإدارة الأمريكية الواضح وبشاعة جرائم الجيوش الأمريكية فى العراق,  ومنها على سبيل المثال فقط وليس الحصر، اغتصاب العراقيين داخل معتقل أبوغريب وتعذيب الأم العراقية "هدى العزاوى" وأبنائها حتى الإغماء داخل سجن أبو غريب وقيام الأمريكيين بقتل أخيها الصغير أمام عينيها وتشويه جثته واغتصاب الفتاة العراقية نورا مع طفلة عمرها 14 عام فى نفس السجن وانتهاك أعراض الرجال؟ و استشهاد 150 الف أعزل عراقى معظمهم من الأطفال بسبب القنابل الأمريكية، بالإضافة الى البشاعات ضد العرب فى معتقل "غوانتيمالو".
وهذا العام شهدت مدينة نيويورك حفلة أقامها المصريون المعارضون للنظام المصرى على " قفا " الإعلامى المصرى " يوسف الحسينى" ، والحقيقة أنه رغم استياء المصريين من إهانة " قفوات " البشر واعتباره سلوكا مُجّرما لمساواة " القفا"  عندهم بالعرض وأنه لا ينبغى  انتهاكه ، إلا أن كثيراً من المصريين استقبلوا الحدث بقبول حسن ، ليس لأنهم فقدوا قيمهم وأخلاقهم ، وإنما كان لديهم المبرر الوجداني ، فالحدث تكرر مع دائرة ضيقة من الإعلاميين وأكثر من مرة رغم وجود شخصيات كثيرة موجودة فى نفس المكان من المؤيدين للنظام الحاكم المصرى ولم يحدث معهم مثل هذا ، وانما حدث فى مجموعة إعلامية ضيقة إذا ما تابعنا خطابها الإعلامى بطل تعجبنا من استقبال بعض المصريين للحفلة على " قفا " الحسينى بارتياح . هذه المجموعة كان خطابها منذ البداية يحمل استعداءاً تحاربياً مع المعارضين للنظام المصرى وخاصة فى الخارج وصل الى حد التحريض على قتلهم ونفيهم وسحب الجنسية منهم ووضعهم فى السجون ، وهو ما يضع الطرف المواجه فى زواية ضيقة لا مجال فيها للحركة إلا بالرد البدنى العنيف .

 ودون إطالة فإن طبائع الأمور تؤكد انه من يبذر بذرة يجني ثمارها حتى لوكانت شديدة المرار ، ولا يوجد سلوك مجرَماً فى ذاته أو على الإطلاق وإنما كل حادث يؤخذ فى سياقه .. هكذا يفهم العالم والتاريخ الأحداث فى سياقها