نشرة الاخبار

السبت، أكتوبر 03، 2015

" قفا " الحسينى و"قبقاب" شجرة الدر و " حذاء" منتظر

محمد منير
ربما يضطرنا السلوك الإنسانى السوى إلى رفض التعبير بالاعتداء البدنى كما أن جزءاً من إدانة هذا الأسلوب يعكس مخاوف البشر من أن يتكرر استخدامه معهم فى مواضع أخرى .. إلا أن النفس البشرية لا ترتكن إلى زاوية واحدة بل إن معاييرها معقدة جدا ، ولهذا فبينما تجد لسان شخص ينطق بإدانة الاعتداء المتكرر على " قفا " يوسف الحسينى فى أمريكا تجد وجدانه مضروب بالسعادة الدفينة للحدث!!
هذا التناقض ليس تعبيراً عن عشوائية إنسانية أو عدم استواء نفسى إنما يحمل مبررات منطقية .
التداخل بين السياسة والحكم والاعتداء البدنى والإهانة أمور غير غريبة على التاريخ الانسانى .
قتلت أرملة "عز الدين أيبك" ضرتها "شجرة الدر التركمانية "  بالضرب بـ " القباقيب" الخشبية على رأسها وهى ليست عقوبة بالقتل فقط وانما عقوبة مهينة تعكس غل أرملة "أيبك" بسبب قيام "شجرة الدر" بقتل زوجها الذى كان قد اغتصب منها الحكم ، ولم تكن هذه جريمة شجرة الدر الأولى وإنما كانت "التركمانية" ضليعة فى العديد من المؤامرات وجرائم القتل فيشير التاريخ انها قتلت "توران شاه" ابن زوجها الأول سلطان مصر الراحل الصالح أيوب وقتلت المملوك "أقطاى" الذى استعانت به لقتل "توران شاه" .. والشاهد هنا أن موتة شجرة الدر إنما هى جني لثمرة بذرة الفتنة التى بذرتها فى حياتها  وبنفس الأدوات التى رسختها "التركمانية" فى علاقتها بدوائر الحكم والسياسة ، أما جمهور التاريخ فرغم كرههم للقتل إلا أن استقبالهم على مر السنوات الطويلة لسيرة قتل شجرة الدر بـ " القباقيب " كان ومازال استقبالا مريحا، تبريره افتراء شجرة الدر وجبروتها حتى لوكان هذا الافتراء والجبروت ضد المماليك المكروهين وبصرف النظر عن صحة موقفها من عدمه .
وفى عام 1960 تلقى العالم الغربى صفعة شديدة عندما وضع الرئيس السوفيتى "نيكيتا خروتشوف" حذاءه على منصة الامم المتحدة موجهاً رسالة للعالم الغربى  مفادها انه من لا يحترم الاتحاد السوفيتى الصاعد ليس له إلا الحذاء ، والحقيقة  أن " نيكيتا " لم يكن قليل التربية أو من "عيلة واطية" لا يدرى البرتوكول والأخلاق الرفيعة وإنما كان  " خروتشوف " قد فاض به الكيل من مؤامرات الغرب المبالغ فى خستها تجاه حركات التحرر العالمى بعد الحرب العالمية الثانية والتى كان يدعمها الاتحاد السوفيتى ، ورغم غرابة حادث رفع الحذاء أمام الهيئة الممثلة للعالم ، إلا أن العالم وخاصة دول العالم الثالث والدول المؤيدة لحركات التحرر من الاستعمار استقبلت الموقف الغريب براحة نفسية وتبرير ذلك بافتراء الغرب وجبروته فى مواجهة حركات الاستقلال ورغبته فى الحفاظ على مخططات تقسيم العالم واستمراره تحت سيطرة الدول الاستعمارية .
وفى عام 2003 تعرض وزير الخارجيه المصري أحمد ماهر للضرب بالأحذية داخل المسجد الاقصى بسبب اتهام الفلسطينيين له بالخيانة ، ورغم بشاعة الحدث بالنسبة للمصريين ، إلا أن جمهورا كبيرا من المصريين استقبلوه براحة نفسية  ، ولتبرير مدى بشاعة الجرائم الصهيونية ضد المدنيين الفلسطينين وغرابة الموقف المصرى الصامت صمتاً أقرب للتواطؤ .
وفى عام 2008  آثار استاذ بكلية الشريعة أزمة بسبب فتواه بجواز إرضاع الموظفة لزميلها لكى يصبح محرماً عليها وقالت "ملكة يوسف" استاذة الفقه في جامعة الازهر هذه مهاترات وقلة ادب ووصفت قائل هذه الفتوى بأنه غير محترم ولا يُرد عليه الا بضربه بالجزمة , ولم يصف أحد تصريح استاذه الفقه بأنه  غير حضارى .. وتبرير ذلك بتنطع الفتوى وغرابتها واهانتها للمشاعر الدينية للمسلمين .
وفى عام 2008 أيضا القى الزميل الصحفى العراقى " منتظر الزيدى " حذاءه فى وجه الرئيس الأمريكى " جورج بوش " ، ومن اللحظة الأولى استقبل العالم الحدث بتعاطف شديد ، ليس لأن العالم يفتقر للأدب والكياسة والاحترام وإنما بسبب تبجح الإدارة الأمريكية الواضح وبشاعة جرائم الجيوش الأمريكية فى العراق,  ومنها على سبيل المثال فقط وليس الحصر، اغتصاب العراقيين داخل معتقل أبوغريب وتعذيب الأم العراقية "هدى العزاوى" وأبنائها حتى الإغماء داخل سجن أبو غريب وقيام الأمريكيين بقتل أخيها الصغير أمام عينيها وتشويه جثته واغتصاب الفتاة العراقية نورا مع طفلة عمرها 14 عام فى نفس السجن وانتهاك أعراض الرجال؟ و استشهاد 150 الف أعزل عراقى معظمهم من الأطفال بسبب القنابل الأمريكية، بالإضافة الى البشاعات ضد العرب فى معتقل "غوانتيمالو".
وهذا العام شهدت مدينة نيويورك حفلة أقامها المصريون المعارضون للنظام المصرى على " قفا " الإعلامى المصرى " يوسف الحسينى" ، والحقيقة أنه رغم استياء المصريين من إهانة " قفوات " البشر واعتباره سلوكا مُجّرما لمساواة " القفا"  عندهم بالعرض وأنه لا ينبغى  انتهاكه ، إلا أن كثيراً من المصريين استقبلوا الحدث بقبول حسن ، ليس لأنهم فقدوا قيمهم وأخلاقهم ، وإنما كان لديهم المبرر الوجداني ، فالحدث تكرر مع دائرة ضيقة من الإعلاميين وأكثر من مرة رغم وجود شخصيات كثيرة موجودة فى نفس المكان من المؤيدين للنظام الحاكم المصرى ولم يحدث معهم مثل هذا ، وانما حدث فى مجموعة إعلامية ضيقة إذا ما تابعنا خطابها الإعلامى بطل تعجبنا من استقبال بعض المصريين للحفلة على " قفا " الحسينى بارتياح . هذه المجموعة كان خطابها منذ البداية يحمل استعداءاً تحاربياً مع المعارضين للنظام المصرى وخاصة فى الخارج وصل الى حد التحريض على قتلهم ونفيهم وسحب الجنسية منهم ووضعهم فى السجون ، وهو ما يضع الطرف المواجه فى زواية ضيقة لا مجال فيها للحركة إلا بالرد البدنى العنيف .

 ودون إطالة فإن طبائع الأمور تؤكد انه من يبذر بذرة يجني ثمارها حتى لوكانت شديدة المرار ، ولا يوجد سلوك مجرَماً فى ذاته أو على الإطلاق وإنما كل حادث يؤخذ فى سياقه .. هكذا يفهم العالم والتاريخ الأحداث فى سياقها