نشرة الاخبار

السبت، نوفمبر 28، 2015

المماليك


محمد منير
قدر عسكر المماليك أن يحملوا مصير "سيزيف"، فما أن يصعدوا بالصخرة أعلى الجبل حتى يسقطوا بحملهم الى أسفل ليبدأوا الرحلة من البداية.

والأزمة القدرية للمماليك لا تنبع من مصدر خارجى، فهى نتاج ذاتى تنطلق من بينهم لتستهدفهم فهم يـتأمرون مجتمعين وينافقون ويكذبون ويحرقون وينهبون، وما أن يصعدوا ويستقروا حتى ينقلبوا على بعض ويبدأوا رحلة الانهيار. وهكذا تظل أزمتهم مابين الصعود والهبوط.

وللأسف مأساة المماليك لا تقف عند حدودهم فتمتد نيرانها وآثارها المدمرة فى الصعود والهبوط لتدمر وتسحق شعوب سلمت مصيرها للمماليك بفعل الانسحاق والدونية والجهل وربما بفعل الإرث التاريخى المنهار، وتمتد مأساة المماليك لتحرق شعوب وضعت مصيرها بين أياديهم.

جلب السلطان قلاوون المماليك ليكونوا له جندا وسلاحا فتاكا يحميه من منافسيه على السلطة. ومنذ بداية الاستعانة بالمماليك وعوامل المؤامرة تسرى بينهم فقد بدا المماليك منذ نشأتهم منقسمين فيما بينهم بسبب تفضيل السلطان لفصيل منهم على حساب فصيل آخر، وأقصد تفضيله للمماليك الشراكسة على حساب المماليك الأتراك، وهو ما جعل المؤامرة جزءاً من تكوينهم.

وتمر الأزمنة وبعد مائة عام يصعد أحد المماليك المقربين من السلطان إلى منصب "أتابك العسكر"، ويستغل فرصة الشيخوخة التى دبت فى الجسد الواهى للدولة وصغر سن وريث السلطان وضعفه ويستولى أتابك العسكر "برقوق" على الحكم ويكون أول المماليك الذين يصعدون لحكم الشعب المصرى والذى بارك صعوده منشداً الاستقرار والآمان، والذى لم يتحقق بشكله المثالى منذ ذلك التاريخ. ويظل المماليك فى صعود وهبوط على كرسى الحكم وتتحدد معاركهم على حكم الشعب المصرى بطبيعية المؤامرات بينهم، بينما المصريون يقفون فى موقع المشاهد، وأكثر مواقفهم الإيجابية لم تتعد التأييد والمباركة والتى وصلت فى أعلى مستوياتها فى عهد المملوك محمد على بعد أن ذاق المصريون طعم الجهاد ضد الفرنجة "الفرنسيين" ليطردوهم ويسلموا البلاد مرة أخرى للماليك!

ويحكم محمد على بنفس روح المؤامرة ويتخلص من منافسيه من المماليك، وبعدها من أصحاب الفضل عليه من القيادات الشعبية ليبدأ بعد وصوله الى نقطة القمة فى بدء رحلة الانهيار بفعل لعنة "سيزيف الأبدية " التى تلاحق المماليك، فتنقلب عليه مؤامرات القوى الدولية الاستعمارية الصاعدة مدعومة ببقايا مؤامرات المماليك السابقين. وينحصر حكم أسرة محمد على فى دائرة مغلقة تابعة للقوى الاستعمارية الجديدة.

 والشاهد أن الروح والمحدد الأول فى كل هذه الصراعات كان المؤامرة بين قيادات العسكر بينما لا وجود لأى أثر أو اعتبار للشعب، ولهذا فلا عجب أنه بعد انهيار المشروع الاستعمارى بعد الحرب العالمية الثانية وتحرر الدول المستعمرة، أن تظل ثقافة الحكم فى مصر تحت تأثير ثقافة المؤامرات المملوكية والانسحاق تحت أقدام حكم العسكر من أجل الحد الأدنى من الأمن والآمان.


ففى بلادنا لايوجد أى تراكم لثقافة الحكم الشعبى، وتتواتر حكومات وأنظمة العسكر المستمدة فلسفتها من حكم المماليك وتحمل معها أيضا مأساة المماليك التى تنعكس فى مؤامرات الصعود للحكم  لتبدأ بعدها رحلة الهبوط ، فيهبط مملوك ويصعد آخر ويخوض نفس الرحلة الحكم الملعونة التى تدمر المصريين فى صعودها وهبوطها ولتذكرهم دوما بذنبهم الأزلى الذى حملوه منذ أن قرروا الجلوس فى موقع المشاهد لمعارك  المتنافسين على حكمهم.  وما أبشع أن تكون مملوكاً لمملوك، إنها مأساة المصريين.