نشرة الاخبار

الأحد، ديسمبر 06، 2015

عسكر وحراميه وشعب

محمد منير
بجانب العاب طفولتنا الشعبية "السيجا والسبع طوبات وعنكب وبلتج" ، تميزت لعبة " عسكر وحراميه " ، وكلها ألعاب استمدت فكرتها وأدواتها من الواقع المحيط .
     ومن خلال لعبة " عسكر وحراميه " كانت المشاهد متشابهة وشبه متكررة حيث تجرى القرعة على طريقة " كلوا بامية " ليتم تحديد فريقين فريق حراميه وفريق عسكر ، وبعدها تبدأ الحراميه فى الاختباء ويبحث عنهم العسكر حتى يمسكوا بهم وتنتهى اللعبة ، ومتعة هذه اللع
بة كانت إما فى براعة الحراميه فى الاختفاء وحيرة العسكر وإما فى ذكاء العسكر وقدرتهم على ضبط الحراميه فى أسرع وقت ، وكان هذا هو الانطباع السائد فى ذلك الوقت عن العسكر أو الشرطة والذى عبرت عنه حتى الأعمال الفنية فى المسلسلات مثل " القط الأسود " ، و " هارب من الأيام " ، ومثل المسلسلات الأجنبية التى كانت منتشرة فى مصر آنذاك مثل حلقات " هتشكوك " ، وأقصد أن ما كان شائع عن العسكر أو الشرطة فى الوجدان الشعبى فى ذلك الوقت  هو أن أدواتهم الرئيسية فى حفظ الأمن والتعامل مع الآخرين هى البراعة فى التحرى وحل الالغاز بعيداً عن أى عنف .
 وما حدث فى إحدى المرات التى كنا نلعب فيها " عسكر وحرامية " أن قام أحد زملائنا فى فريق العسكر وكان اسمه وحيد  بضرب زميلنا الآخر فى معسكر الحراميه  ضربا مبرحا وهو يخرجه من  مخبأه حتى سالت دمائه  ، واسرعنا بتخليص زميلنا " فار " ( وكان هذا هو اسمه ) من يد وحيد وسألناه لماذا فعل هذا فأجاب ببساطة " بألعب صح ما هو الحرامى لازم ينضرب جامد " ، ويبدو أن تحولا مجتمعيا قد حدث فى هذه الفترة لم ندركه نحن فى لعبتنا وأدركه وحيد الذى أصبح فيما بعد ضابط شرطة .
الشاهد أن ثقافة العنف لا تمثل ثقافة منفصلة عن طبيعة الشعب المصرى بل أصبحت جزءا من تكوينه ومن منطقه فى تفسير شذوذ العنف ، فتجد كثيرا من المصريين يتقبلون فكرة تعذيب مواطن حتى الموت بمجرد أن يعلموا انه تاجر مخدرات أو سارق أو منحرف بأى صورة ، وكأن التعذيب والموت هما العقوبة الوحيدة لمواجهة أى نوع من الانحراف .
والحقيقة أن المصريين لم يدركوا أن الأدوات تنتقل بحرفيتها مع حاملها لو تغير دوره وهدفه ، ومع تغير شعار الشرطة من " الشرطة فى خدمة الشعب " الى شعار " الشرطة فى خدمة القانون " ومع تغير الطبيعة الطبقية للشعب المصرى وانقسامه الى سادة أثرياء وعبيد فقراء أصبح الهدف الرئيسى للدولة هو توفير الحماية للأغنياء من تطلعات ومحاولات الفقراء الحصول على حقوقهم ، وبالتالى تحول القانون الى أداة فى يد الدولة لتنفيذ سياستها وهو ماترتب عليه تحول دور الشرطة التى تخدم القانون من حماية الشعب من المنحرفين الى حماية الأغنياء والسلطة من المعارضين لهم من الشعب ، وتم ذلك بالطبع بنفس أدوات العنف والتعذيب والقتل فشهدت الأقسام والسجون والشوارع مئات من حوادث العنف السلطوى ضد المعارضين للنظام وللطبقات المهيمنة .

توقع البعض بعد الانتفاضة المصرية فى 2011 أن يرتدع رجال الشرطة ويتوقفوا عن التعذيب ويطوروا أدواتهم ويعودوا لدورهم فى خدمة الشعب ،وربما حدث هذا فى فترة زمنية قليلة بعد 2011 وكان بمثابة هدنة أوالتقاط  انفاس وبعدها عادت الشرطة الى عادتها القديمة من تعذيب وسحل وقتل المعارضين ، ولا عجب فالإنتفاضة الشعبية فى 2011 ربما لقنت الشرطة درسا ولكنها أبقت عليها دون أن تدرك انه مهما كانت قوة هذا الدرس فإن هذا الجهاز الشرطى لن يتخلى عن أدواته وأهدافه التى نشأ من أجلها ، وأن الحل الوحيد أن يكون التغيير جذرى وليس قشرى .. ياترى المعنى وصل ؟ 

ليست هناك تعليقات: