نشرة الاخبار

الأربعاء، سبتمبر 28، 2016

وفى اختلاف المظلومين رحمة للظالمين (2)



محمد منير
فى المقال السابق تناولت الواقع المعاكس للمنطق فى مصر، وكيف وأن المظلومين والمقهورين يقدمون خلافاتهم فيما بينهم على الخلافات مع المستبد والظالم والناهب، وهى الحالة التى تشكل سياجا من الأمن والأمان لكل ظالم ومستبد، وقدمت نماذج لأدلة تاريخية على هذه الحالة خلال فترات تاريخية منذ بداية القرن الماضى حتى فترة حكم حسنى مبارك .

وفى النصف الثانى من الحقبة المباركية، زادت حدة المعارضة فى الشارع المصرى بفعل ضغط الشارع الذى عانى ويلات الفساد والاستغلال والانهيار الاقتصادى الذى لم تطل آثاره سوى الفقراء، بالإضافة إلى الانهيار الصحى والثقافى.. ورغم ذلك سبقت الخلافات بين نخب المعارضة وبعضها الخلافات مع النظام، وأصبحت مصالح الفقراء وهمومهم أدوات لا يدار بها الخلاف مع النظام بقدر ما تستخدم كذرائع وتبريرات للخلافات بين المعارضة، والتى وصلت إلى حد نفي كل منهم للآخر، والتحالف مع النظام الفاسد لتحقيق انتصار على الفرق الأخرى!! .
وعلى سبيل المثال لا الحصر، الخلاف بين بعض فرق اليسار بسبب تقسيمه إلى يسار ينتمى للمعارضة الشرعية، وتزعمها آنذاك حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدى، ويسار معارض غير شرعى، وفى مقدمته بعض الاتجاهات الشيوعية، ووصل حد الخلاف إلى أن اليسار الشرعى كان يتولى عن السلطة مهمة الهجوم على كل تحركات اليسار غير السلطوي (أو غير الشرعى من وجهة نظرة)، والتى وصلت إلى حد المساهمة فى إجهاض أنشطته الجماهيرية فى الشارع وأى فعاليات يقومون بها، وحصارهم على المستوى العام والخاص، بل وصل أحيانا إلى حد الوشاية بهم عند السلطة. وظهرت هذه الحالة العدائية بوضوح ضد الاتجاهات اليسارية الشبابية التى كانت تحاول جاهدة تعديل المسار، وتوجيه الصراع إلى صراع مع النظام الفاسد، والتعبير عن هموم الفقراء والمقهورين، ولم تقف هذه الحالة عند اليسار فقط، بل امتدت إلى بعض الأحزاب اليمينية والليبرالية، ولعل أبرزها الخلاف الذى حدث فى حزب الوفد، وأسفر عن اشتباكات مسلحة بين أعضائه وحرق مقر الحزب.
كما أن الاتجاهات السياسية ذات الصبغة الدينية لم تكن بعيدة عن هذه الحالة، رغم التماسك النسبى فى تشكيلاتها، وكان أوضحها الخلاف بين جماعة الإخوان وبعض الجماعات الإسلامية الأخرى، والتى كانت جماعة الإخوان ترى فيها نوعًا من التطرف والمبالغة والمغالاة فى مشهد مشابه للخلاف بين اليسار الشرعى التجمعى واليسار الرديكالى الشيوعى .

أما فى الإطار العام فاتسعت هوة الخلاف بشكل مبالغ فيه بين المعارضة المدنية والمعارضة ذات المرجعية الدينية، وبلغت حالة العدائية بينهما إلى حد استخدام العلاقات مع السلطة فى الصراع، وهو ما دفع الجوانب ذات الملمح المتوازن من كل الاتجاهات إلى محاولة التقرب من السلطة. وأتذكر أنه فى كثير من الفعاليات التى كانت تنظم لمواجهة قرار اقتصادى ظالم أو قرار ضد الحريات، كان تأثير هذه الفعاليات ينهار بسبب الخلافات بين قوى المعارضة على رفع شعاراتها الخاصة، وينتهى الأمر بمرور قرارات النظام الفساد من بين الخلافات بين المعارضة.
ووصل الخلاف بين المعارضة إلى حد التنظير للعداء بينهم، والذى وصل بأحد قيادات اليسار الرسمى إلى تبرير التحالف مع السلطة وتقديم الخلاف مع الاتجاهات ذات المرجعية الدينية بمبرر أن الأول سارق، والثانى قاتل، والتحالف مع السارق ضد القاتل أمر مشروع!!!

ما علينا.. امتدت هذه الحالة إلى ما بعد الهبة الثورية عام 2011، والتى قادها الشعب لعدة أيام متجاوزًا كل القيادات النخبوية، وعندما استقر الأمر، وبدأت التشكيلات السياسية السابقة فى محاولة اللحاق بركاب الثورة أو القفز عليه، انتقلت هذه الأمراض برمتها إلى الدائرة الثورية، فأصابتها بعطب وعطل أعاد النظام السابق إلى مركزه، وألحق الضرر الشديد بالشعب الآمل فى الثورة، والذى دفع الثمن حياة ودماء الآلاف من الحالمين بالحرية، والذين ذبحوا بفعل الخلاف فيما بينهم .

بعد تنحى مبارك مباشرة، بدأت خطة الدولة العميقة لتدمير الحالة الثورية، وتحول ميدان التحرير الذى كان ساحة للتوحد الشعبى إلى ساحة للصراع بين الاتجاهات المختلفة، سواء بفعل الموروث السابق، أو بفعل مظاهر الصراع والفرقة الجديدة التى بثتها أجهزة الدولة العميقة من تقسيم الثورة إلى فئات عمرية، وخلق صراع بين جيل الشباب والأجيال الأخرى. وفى هذه الفترة شهد ميدان التحرير حالة من العشوائية والغوغائية، وتعرض الكثير من الرموز السياسية من كل الاتجاهات إلى الطرد والإهانة، بينما كان عملاء الدولة العميقة منتشرين فى الشارع، بحجة دعم الثورة والمشاركة فيها، وفى الواقع كانوا يبثون كل دوافع الخلاف والوقيعة والفرقة، وأتذكر أحد القيادات الصحفية وثيقة الصالة بأقوى الأجهزة الأمنية فى مصر لم يترك مقاهى الميدان ووسط البلد للحظة، وظل يلتقى مع الشباب، ويحرضهم على رفض كل الاتجاهات السياسية وزيادة الفعاليات فى الشارع من أجل الثأر للشهداء، وتأجيل أى مطالب سياسية من المجلس العسكرى، الذى كان يدير المرحلة، لبعد الثأر!
وكان هذا الشخص واحدًا من أهم المتسببين فى الشكل المرتبك فى أحداث محمد محمود وماسبيرو، والتى راح ضحيتها عشرات من الشباب، ونجحت خطة الدولة العميقة، وقسمت الشارع إلى فرق متناحرة تختلف فيما بينها على الموقف من القتل والغشم مقابل غض النظر عن القاتل الحقيقى، والذى زاد بطشه وعنفه بشكل مبالغ فيه فى هذه الفترة .

وبحركة مناورة شديدة المرونة، لعبت أجهزة الدولة العميقة بالأحداث، مستخدمة حالة الخلل بين الفرق المتناحرة، واستولت على السلطة تحت غطاء شعبى مخدوع بفعل الخوف من الفوضى والحرب الأهلية التى لوحت بها الدولة العميقة، ونجحت فى إيهام الشعب بإمكانية حدوثها، واستولى العسكر على الحكم بإجراءات دموية ذات ديكور شعبى، فى رابعة والنهضة، وهى الدموية التى امتدت من محمد محمود والتحرير وماسبيرو إلى رابعة والنهضة. واستمرت سياسة تكسير رموز المعارضة برموز المعارضة بمعنى ضرب المعارضة بالمعارضة لتخرج السلطة الغاشمة الباطشة الفاسدة سالمة .

العجيب أن الشعب الذى يدفع الثمن الآن، يقف وسط ساحة محاطة بالفقر والجوع والمرض وانهيار الأمل، ويناقش الخلافات حول المذابح، ويكيل الاتهامات بعضه لبعض، ويغض النظر بشكل كامل عن مواجهة الفاعل والقاتل والناهب والمستبد..

ولهذا فالنظام الفاسد مستمر ليس بفعل قوته، ولكن بفعل الخلاف والفرقة بين المحكومين بالحديد والنار، وتقديم الثانوى على الأساسى.. فى اختلافنا رحمة بالفاسدين والقتلة.