نشرة الاخبار

الثلاثاء، نوفمبر 29، 2016

الوطنية الكاذبة وحروب السيوف الخشبية



تم نشره على موقع الجزيرة نت فى 28 نوفمبر 2016

محمد منير
الديماجوجية هى أسلوب للاستحواذ على قناعة الآخرين من خلال استنفار مخاوفهم وهواجسهم، وأدواتها التقليدية والمستدامة هى كل ما يتيح استثارة مشاعر المواطنين ومخاوفهم وقلقهم سواء كانت هذه الأدوات تتعلق بالخطاب أو الحماسة أو بالدعاية المستندة على المبالغة فى النعرات القومية والفلكلورية.
هذا تماما ما يحيط بالمشهد السياسى فى مصر والذى يقوده نظام يحترف عملية النصب الديماجوجى على شعبه، من خلال خلق معارك وهمية خيالية وتمثيلية يجذب حولها المشاعر والأحاسيس الوطنية، ويستنفر كل حواس المواطنين ليستحوذ عليها، ويوجهها بعيدًا عن كل المشكلات الحقيقية المحيطة بهم، والناجمة عن استغلال النظام الحاكم وعزوفة عن تطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية، وانحيازه إلى الفئات المستظلة بمظلة الفساد والاستغلال والقمع.
المجتمع المصرى محاط بمشكلات اقتصادية مبالغ فيها، حيث زاد معدل الفقر زيادة مبالغ فيها، وانتشر المرض، وارتفعت تكاليف العلاج، وانتشر الجهل والأامية فى جانب واحد، وهو الفريق الذى يضم الطبقات الشعبية التى تعيش بعيدا عن دوائر السلطة والإعلام والمال، وفى الوقت الذى تتسع فيه دائرة الفقر وتزداد جيوش الفقراء، تتسع بشكل مبالغ فيه دائرة الثراء الفاحش وتنحصر فى دائرة ضيقة تحتوى على فريق رجال المال والاستثمار الوهمى والفساد والإعلام الموجه والسلطة بكل أنواعها، ولكى يضمن المستغلون استمرارهم فى احتكار مصادر الثراء من دماء وعرق الفريق الأول لابد من ضمان تخدير كل مواطن السخط والتمرد والرفض لهذا الوضع المختل، وهذا لا يكون إلا بعمليتى سلب وتوليد.
 سلب كل القيم الإنسانية التى تقف إلى جانب العدل والمساواة والرحمة والتمرد على الظلم والثورة، ولهذا تتجه الرموز المفروضة على الإعلام والمعبرة عن فريق الاستغلال إلى الاستهزاء والتسخيف من كل ما يحمل فكرا أو أيدولوجية أو قيما إنسانية جماعية أو نقابية، وهذا ما يفسر الانقضاض المنظم على النقابات المهنية فى مصر، وفى مقدمتها نقابتى الصحفيين والأطباء، بعد تدمير النقابات العمالية، وحجب الموضوعات الجادة من الظهور الإعلامى سواء بالنشر أو البث الفضائى، والانقضاض على المواهب المتميزة فى مجال الثقافة والأدب والعلم والإعلاء من أصحاب الإمكانيات الرديئة، وإبرازهم فى وسائل الإعلام.
ثم تأتى مرحلة التوليد بخلق مناخ تطلعى للشباب من خلال الإعلام الذى يركز على عوالم الأثرياء وجنات النعيم التى يعيشون فيها والموائد الفاخرة وعروض الأزياء وكل مظاهر الترف والأبهة، وربطها بالقيم العملية بهدف تحقيق حلم الثراء السريع، وتوليد قيم وطنية وهمية تستنفر مشاعر المواطنين وأحداث مصطنعة لجذب عواطف أصحاب المعاناة فى الفريق الأول، وتحويل سخطهم وآلامهم وتمردهم إلى حالة ثانوية بجانب المخاطر "المصطنعة" التى تحيط بالوطن.. فتجد الصحف تنفرد مناشيتاتها بعبارات وطنية دفاعا عن جيش مصر ضد فيلم وثائقى يكشف فساد المؤسسة العسكرية، فى حين يسقط الجنود شهداء بالعشرات فى سيناء دون أن تتناول الصحف والوسائل الإعلامية أسباب هذه المأساة التى لايدفع ثمنها إلا الجنود البسطاء .. انهيار اقتصادى غير خفى وانهيار صحى وارتفاع فى الأسعار واختلالات أمنية وفوضى فى حين ينتفض الإعلام ضد الشعارات الوهمية حول الوحدة الوطنية من أجل درء مخاطر وهمية على الوطن ومؤامرات دولية غير معلومة المصدر!!

وهذه الحالة من النظام الديماجوجى، والذى يتخذ من الوطن والوطنية راية يستتر بها أثناء تجريفه لخيرات الوطن تستلزم التخلص من المثقفين والنخب الواعية لمؤامراتها بتشوهيهم أو حصارهم وكما قال جوزيف جوبلز وزير الدعاية السياسية فى حكومة هتلر وأبرع ديماجوجى فى العصر الحديث "كلما سمعت كلمة مثقف أو ثقافة تحسست مسدسي"، وكانت نهايته ونهاية قائده النازى "هتلر" الموت منتحرين، فإرادة الشعوب لا تهزمها الديماجوجية والمشاعر الوطنية خالية المحتوى.

ليست هناك تعليقات: