نشرة الاخبار

الأربعاء، يونيو 28، 2017

الديمقراطية وحكم العسكر


هذا المقال تم نشره على موقع الجزيرة مباشر بالرابط  :
 http://mubasher.aljazeera.net/opinion/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1
ونظرا لعدم قدرة البعض على الدخول على موقع الجزيرة من مصر لتدخل الحكومة المصرية وحجب بعض المواقع أعيد نشره على مدونة صحافة الجميع 

محمد منير

عندما بدأ الانجليز خطوات احتلال مصر عام 1882،وهو الهدف الذي استهدوا له منذ خروج الحملة الفرنسية من مصر عام 1802 ، كانت أول خطوة عملية هي إرسال مذكرة لحليفهم حاكم مصر الخديوي توفيق.
استاءوا في الرسالة من قيام نظام برلماني في مصر، وتضمنت المذكرة إشارة واضحة إلى أن هناك أحداثا توجب التدخل لحماية العرش الخديوي والمصالح الأجنبية في المحروسة .. فقد كانت الحياة البرلمانية في مصر آنذاك  انعكاسا قويا وواضحا للإرادة الوطنية للشعب المصري.
في عام 2017 عندما بدأت الصهيونية عبر حلفائها من بعض الحكام العرب مخططا للهيمنة على حدود مصر الشرقية قام حليفها حاكم مصر عبد الفتاح السيسي بوضع ضمانات استباقية قوية لتقويض الحياة البرلمانية في مصر وتحويل البرلمان إلى محلل شرعي لكل القرارات الخائنة بالتنازل عن السيادة عن أراضٍ مصرية لحساب المخطط الصهيوني الامبريالي.
وإذا كان المبرر عام 1882 للتدخل الأجنبي والتنازل عن السيادة على الأرض والخيانة هو حماية مصالح الأجانب وحماية عرش الخديوي من مخاطر محيطة به، فإن مبررات التفريط والتنازل عن السيادة على أراض مصرية  كانت هزيلة وممسوخة وضعيفة استندت على التشكيك التاريخي في تبعية الأراضي لمصر المرتكنة على مزاعم أمانة الحاكم السيسي الذي التزم بوصية أمه في إعادة الأمانات لأصحابها، فسلم الأرض للسعودية في إطار مشروع صهيوني موسع للسيطرة والهيمنة على حدود مصر الشرقية ولخدمة المشروع الصهيوني الكبير المتعلق بإسرائيل من النيل للفرات.
عسكري هزيل
"السيسي" ديكتاتور عسكري هزيل لم يستطع حتى أن يخرج الخيانة في مشهد تمثيلي رمزي كما فعل أنور السادات وقت اتفاقية كامب ديفيد، فهو أضعف من أن يشتبك حتى في دور تمثيلي لشوط ديمقراطي زائف. ففي 19 أبريل/نيسان 1979أجرى أنور السادات استفتاء مزدوجا حول موضوعين، هما معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية والتغييرات في النظام السياسي للبلاد، بما في ذلك إعادة التعددية الحزبية والتغيير إلى برلمان من مجلسين من خلال إنشاء مجلس الشورى، وتمت الموافقة على معاهدة السلام بنسبة 99.9% من الناخبين، بينما تمت الموافقة على الإصلاحات السياسية بنسبة 99.7% وكانت نسبة إقبال الناخبين 90.2%.
ورغم أن اسلوب الاستفتاء من الأساليب الديمقراطية سيئة السمعة، ورغم أن هذا الاستفتاء تحديدا كانت واضحة فيه التلاعبات والتدخلات إلى حد وصول نسبة المشاركة في الاستفتاء إلى 90.2%، ووصول نسبة الموافقة على البندين المستفتى عليهما إلى ما يزيد عن 99%، فإن المعنى الواضح هو أن السادات كان مدركا لأهمية الغطاء الجماهيري والشعبي ولو بشكل شكلي على عكس الجنرال عبد الفتاح السيسي الذى يحتقر الجماهير ويزدريها سواء من خلال تجاهلها تماما في قرارات مصيرية تخص الوطن ومستقبلة  أو من خلال انحيازه الواضح لفئات طبقية فاسدة ترتكن في طبيعتها على التعالي واحتقار الجماهير التي تقوم في نفس الوقت باستغلالها ومص دمائها ووصفهم بالرعاع لتعود مظاهر الحياة الطبقية والفروقات المعيشية المبالغ فيها إلى المشهد المصري مرة أخرى.
"كلاف الإسطبل"
المشاهد التي ارتبطت بأزمة جزيرتي تيران وصنافير المصريتين والتي ظهر فيها احتجاج جماهيري مصري كبير ومقاومة شديدة في مواجهة قمع سلطة استخدمت فيه كل الأدوات غير المشروعة وفي مقدمتها الإعلام الفاسد والبرلمانيين الهيكليين الذى تم إعدادهم من قبل لتمرير كل قرارات الخيانة والبيع للنظام العسكري الحاكم .. هذه المشاهد كان لها عدة دلالات وملامح من أبرزها :
· الأسلوب الحقير والفج الذى تم التعامل فيه مع قرار تسليم الجزيرتين للسعودية وضرب بأحكام القضاء عرض الحائط واحتقار الإرادة الشعبية لعدم قدرة النظام على السيطرة عليها والتلاعب فيها ولهذا لم يلجأ للاستفتاء على القرار .

· الهيمنة على البرلمان والذي من المفترض أنه بحكم تكوينه ساحة للممارسة الديمقراطية وفرض رئيس عليه مثل "كلاف الإسطبل" الذي يهيئ الخيول للباشا الجنرال.
· التوسع في استخدام البطش الأمني في الشارع المصري لقمع حق التعبير ومطاردة العناصر المعارضة في الشوارع لمنعها من حقها في الرفض وإبداء الرأي.
· الهيمنة والسيطرة على كل منابع وممرات التعبير عن الرأي سواء فضائيات أو صحف وتحويلها إلى  "إشلاقات " عسكرية لتدجين الصحفيين والإعلاميين وتحويلهم إلى مسوخ عسكرية تدور في فلك الجنرالات الحاكمة بقيادة إعلاميين من أصحاب التاريخ الأسود باعوا أنفسهم وضمائرهم .
· استخدام كل الأدوات المشروعة وغير المشروعة للسيطرة على النقابات المهنية مثل المحاميين والصحفيين، ووضع ممثلين لهذه الفئات من الشخصيات الممسوخة الضعيفة المهتزة، أو من أصحاب المصالح الشخصية في التبعية للنظام العسكري، وتحويل دورهم من مسؤولين على مظلة الحماية النقابية إلى مسئولين عن مكاتب فرعية للنظام داخل النقابات، وتقييد حريات المهنيين فى التعبير عن مصالحهم ومصالح الأمة التي يمثلونها، وتسهيل مهمة الأمن في تأديب كل من تسول له نفسه الخروج عن إرادة النظام الحاكم وهوى الحاكم، وأقرب دليل ما حدث في نقابة الصحفيين من اقتحام لسلمها المشهور والذي هو بمثابة مساحة منتزعة للتعبير عن الرأي والاعتداء على الصحفيين. وكان الاقتحام بشكل همجي لمجرد أنهم تجمعوا على السلم لإبداء رأيهم في اتفاقية ترسيم الحدود وتسليم تيران وصنافير للسعودية.

ومما سبق يتأكد أن الارتكان فقط على الوسائل الديمقراطية المشروعة في مواجهة الحكم العسكري والتخلص منه ، لا يكفي والمطلوب من هذا الشعب وقيادته الشعبية البحث عن أدوات ثورية مختلفة غير خاضعة لهيمنة وسيطرة النظام العسكري الباطش، للخروج بمصر من النفق المظلم الذي وضعت فيه مصر بإرادة الحكم العسكري وأتباعه من أشباه البشر وأصحاب المصالح الذاتية ومعدومي الضمائر، ومن أجل حماية استقلال هذا الوطن وأرضه التي فرط فيها العسكر والمسوخ المحيطة بهم والتي تحيا على مص الدماء.

الخميس، يونيو 22، 2017

مصر وأزمتها وأم حسن وسلامتها


هذا المقال تم نشره على موقع الجزيرة مباشر ونظراً لصعوبة تصفح هذا الموقع فى مصر لقيام النظام المصرى بحجب عشرات المواقع الإخبارية فأعيد نشره على مدونة صحافة الجميع ولمن يستطيع التصفح على موقع الجزيرة هذا هو الرابط :

http://mubasher.aljazeera.net/opinion/%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%88%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%AA%D9%87%D8%A7-%D9%88%D8%A3%D9%85-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D9%88%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%AA%D9%87%D8%A7


محمد منير

المشهد المصري على مسرح الحياة: مظاهرات في الشارع بسبب إقرار اتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية والتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير.. اعتقالات بالجملة، واعتداءات على المتظاهرين.. اشتباكات داخل البرلمان أثناء مناقشة الاتفاقية.. استقالة نواب.. اقتحام نقابة الصحفيين للمرة الثانية.. الاعتداء على رموز سياسية في الشارع.. الحكم بإعدام 31 شخصًا في قضية اغتيال النائب العام.. تفجير كمين شرطة في المعادي ومقتل ضابطين وإصابة جنود.
فجأة تدور خشبة المسرح ليحتكر مشهد واحد الجانب الآخر من الخشبة ويفرض نفسه على الجمهور تظهر فيه معركة داخل مطعم أم حسن، أطرافها "زبونات" منتقبات وأسرة من رجل وامرأة وطفلين، وربما بعض العاملين، والمشهد مدعوم بموسيقى تصويرية "وانقاباه.. واإسلاماه.. دافعوا عن دينكم!!"، وبدأت حروب تبادل الاتهامات بين المتدينين والمتعقلين والمتطرفين والعلمانيين والمدنيين، واختلفت الروايات وتعدد الحكي وتباينت الفتاوى.. واختفت تمامًا مشاهد انهيار الوطن أمام هذه الحرب المقدسة.
بالأمس غير البعيد تحرش شباب ببنات في الشارع، وخرجت أصوات تبرر ما حدث بأن البنات كن متبرجات، وتعالت الهتافات "الحجاب في زمن الذئاب يا أختاه"، وعندما قام البعض بتفسير ما حدث تفسيرًا اجتماعياً بأنه انعكاس للجهل والفقر وليس له علاقة بالحجاب، قامت حرب شعواء عليهم بوصفهم علمانيين كفارًا داعين للانحراف والرذيلة.
وأمس، وفى حادث أم حسن تحول الموضوع لدى فريق إلى أنه حرب على النقاب والإسلام، ودعوة للسفور وتشجيع الفجور، وعند فريق آخر إٍلى فرصة للدعاية السلبية ضد المنتقبات والمحجبات بوصف الحجاب أو النقاب مظهرًا يخفي مضمونًا فاسدًا ومحتوى فارغًا.
وتناسى الجميع أن العامل المشترك بين المجتمعات الآمنة من التحرشات والنزاعات ذات المظهر الطائفي، هو الاستقرار الاقتصادي والسياسي، وينطبق هذا على مجتمعات مسلمة ملتزمة بالمظهر الإسلامي في الملبس، ومجتمعات غير مسلمة ليس لها علاقة بمظاهر الزي الإسلامي.. وفي هذه المجتمعات تحديدًا نلاحظ حالة من الاستواء في المجتمع سواء في الثقافة أو التعليم أو الصحة أو الديمقراطية أو مستوى دخل الفرد.
الشاهد أن تعاظم هذه المشاهد وما يستتبعها من تفسيرات طائفية لا تظهر بوضوح إلا في المجتمعات التي ترزح تحت حكم فاسد أو خائن أو فاشل.
وللأسف، فإن الارتكان إلى هذه السلوكيات والتفاعل مع هذه المشاهد ليس مصدره النظام الحاكم المستفيد منها، وإنما مرجعية معظمها يعود إلى حالة التخلف الثقافي والحضاري التي تقدم الصراعات والمكائد الطائفية والعقائدية على مصالح الوطن والمجتمع، وهي حالة مثالية بالنسبة للأنظمة الفاسدة والخائنة، تُذْكيها وتشعلها وتنميها.
 في الوقت الذي يشهد فيه المجتمع المصري حالة شحن وطني تجاه أكبر عملية خيانة في تاريخ الوطن، وبدء ترسيخ مبدأ بيع أراضٍ مصرية، والتنازل عن السيادة على أرض الوطن لدول أخرى، والتشريع لتحويل مصر من دولة قائدة للدول المحيطة إلى دولة متقزمة تابعة تعيش على المنح والعطايا يقودها عصبة من الخونة والسماسرة والنخاسين.
وفي الوقت الذي يشهد فيه الوطن مؤامرات متعمدة للنيل من استقراره وإثارة الفزع والهلع بعمليات إرهابية مشبوهة، بهدف دفع المجتمع لقبول نظام الحكم الفاسد المستبد، بدعوى حمايته من الإرهاب والحفاظ على الاستقرار.
فى الوقت الذي ينتشر في الوطن المرض والفقر والجوع والجهل، ويعيش أبناؤه حالة فقدان أمل غير مسبوقة، الفقر والظلم والاستبداد من أمامهم، والسجون والتعذيب والتشريد والمطاردات من خلفهم إذا ما تجرأوا ورفضوا هذا الواقع المظلم.
في الوقت الذى يُعتقل فيه المعارضون ويُسحلون في الشوارع، وتُنتهك أعراض النساء وحرمات المنازل، وتدجن النقابات والأحزاب السياسية، ويتحول الإعلام إلى فرق من الغلمان الخلعاء القوادين، تزف الخائن وتروج لتفتيت الوطن وبيع أراضيه.
في ظل كل هذا تشعلون المعارك في داخل معسكر المظلومين المنتهكين الجوعى المرضى حول النقاب والحجاب والعلمانيين والملتزمين.. ارحمونا يرحكم الله.. لا مستقبل لعقيدة، ولا فرصة للإيمان، ولا قيمة للمبدأ في مجتمع أسير الظلم والفقر والجهل والخيانة.. الحرية والعدالة الاجتماعية أولاً.ٍ


الخميس، يونيو 15، 2017

الحوائط اكثر رحمة من أنظمة القمع.. " لا تطفئ الشمس "


" الحوائط أكثر رحمة من أنظمة القمع " مقالى على موقع الجزيرة مباشر ورابطه  http://mubasher.aljazeera.net/opinion/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%A6%D8%B7-%D8%A7%D9%83%D8%AB%D8%B1-%D8%B1%D8%AD%D9%85%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D9%86%D8%B8%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%85%D8%B9 
ولمن لم يستطع الدخول من مصر لحجب موقع الجزيرة يمكنه قرأته من هذه المدونة 


محمد منير  

الحوائط والأسوار لهم علاقة مباشرة بالإنسان، لا أدرى ما السبب إلا أن كل المؤشرات تؤكد أنها ملجأ ومتكأ للإنسان يستند عليها ويرمى عليها همومه، وأحيانا "يفك عليها زنقاته" العضوية والسياسية والاجتماعية.
وهناك حوائط ارتبطت بمدلولات سياسية وعقائدية، ففى عام 1887 قام أدموند دي روتشيلد، من يهود فرنسا، بمحاولة فاشلة لشراء حائط البراق فى فلسطين وجعله ممتلكات يهودية نكاية فى المسلمين الذى كان الحائط يمثل لهم أهمية دينية، حيث ربط الرسول صلى الله عليه وسلم البراق فى هذا حائط أثناء رحلته المقدسة (الإسراء والمعراج).
أما حائط برلين فقد كان شاهدًا على حالة الاستقطاب السياسي التى شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وفصل بين شرق المانيا وغربها وحولهما إلى دولتين منفصلتين، وكان هذا الحائط بطلاً لعديد من المشاهد الإنسانية، وتحولت أحجاره إلى مدونات سياسية وإنسانية وفنية.
هذا غير سور الصين العظيم الذى يعتبر أكبر مشروع دفاعى فى تاريخ البشرية.
ولم يكن حائط السيسى الذى ظهر فى مسلسل "لا تطفئ الشمس" هو الحائط الوحيد الذى أثار الجدل واللغط، ولم يكن أيضا الحائط الوحيد الذى تحول إلى وسيلة لعرض الأراء المكبوتة، والتى لم تجد مكانا يستوعبها إلا الحوائط.
والحوائط فى مصر يا سادة هى الملاذ لكل من لا يستطيع ممارسه حقه أو ممارسة حياته وحقوقه الاجتماعية والسياسية، وربما العضوية بشكل طبيعى، الحوائط فى مصر مظلة للفقراء الذى لا يجدون مظلة تحميهم، وزاوية للمشردين يركنون تحتها لحمايتهم من الأمطار والعواصف، ويعبرون عن أنفسهم بالكتابة عليها عندما يحرمون من حق إبداء الرأى والتعبير.
بعد نكبة 1948 وهزيمة الجيوش العربية فى فلسطين وفضيحة الأسلحة الفاسدة فى مصر، والتى تورط فيها رجال القصر الملكى وربما الملك نفسه، كان لدى المصريين الكثير يريدون قوله، وكانت هناك حالة انفعال وحزن وغضب يريد الشعب أن يعبروا عنها، وكانت قضية الأسلحة الفاسدة قد فُجرت إعلاميا القضية في أوائل عام 1950 بعد أن كتب ديوان المحاسبة تقريرا تضمن مخالفات مالية جسيمة شابت صفقات أسلحة للجيش تمت في عامي 1948 و 1949.
وكالعادة ومثلما يحدث فى زمننا بدلاً من أن تنفعل الحكومة وتهب للتحقيق فى هذه الجريمة ثأراً للشهداء الذين أريقت دماؤهم بسبب هذه الجريمة.. وردًا على جريمة الخيانة التى أدت إلى الهزيمة أمام الصهاينة حاولت الحكومة برئاسة مصطفي النحاس الضغط على رئيس الديوان لحذف ما يتعلق بهذه المخالفات من التقرير.
رفض رئيس ديوان المحاسبات حذف المخالفات من التقرير وقدم استقالته، فقام النائب البرلماني مصطفي مرعي بتقديم استجواب للحكومة عن أسباب الاستقالة، وفضح في جلسة مجلس الشعب يوم 29 مايو 1950 للمجلس كل الحقائق عن هذه المخالفات الجسيمة التي المتعلقة بصفقة هذه الأسلحة الفاسدة والتى أدت إلى كارثة 1948 .
وهنا ظهر دور الصحافة الوطنية والصحفيين الأشراف المعبرين عن ضمير الأمة من خلال حملة كبيرة تزعمها الصحفى إحسان عبد القدوس فى مجلة "روز اليوسف" فضح فيها كل ما يتعلق بهذه الجريمة ودور القصر وحاشية الملك فيها.
ونجحت "روزاليوسف" في تكوين ضغط شعبي كبير اضطر معه وزير الحربية مصطفي نصرت في ذلك الوقت إلى أن يقدم بلاغا للنائب العام لفتح تحقيق فيما نشر بصحيفة روزاليوسف عدد رقم 149 بتاريخ 20 يونيو 1950م عن صفقات الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين.
وتصادف فى هذ الفترة أن كانت الصحافة قد بدأت حملة عن فضائح أخلاقية لبعض أفراد العائلة الملكية فقامت حكومة الوفد برئاسة "النحاس بإستخدام" كل الوسائل الرسمية وغير الرسمية لمنع وصول المعلومات عن هذه الصفقة، وعن فضائح الأسرة الحاكمة وكان منها منع النشر والمصادرات والاعتقالات.
ولأن الشعب المصرى لا يخضع بسهولة، وربما لا يخضع أبدا لأى ضغوط تمنعه من التعبير عن نفسه والدفاع عن حقوقة استبدل أوراق الصحف بالحوائط، ووجه أكبر ضربة للملك فاروق وحكومته عندما استطاع عدد من الشباب الوصول لحائط قصر الملك فى عابدين والكتابة عليه عبارات مسئية جدا للعائلة المالكة، وبالطبع فإن سقف ما يكتب على الحوائط أعلى بكثير من سقف ما يكتب على أوراق الصحف وأقل التزاما بالمعايير الأخلاقية.
وللأسف استخدمت الحكومة الوفدية برئاسة مصطفي النحاس والملك فاروق كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لإسكات أصوات المعارضة التي أرادت فتح ملفات القضية للوصول إلى المتورطين فيها.
أثناء الحرب العالمية الثالثة استطاع هتلر بواسطة وزير إعلامه "جوبلز" أن يقضى على وسائل التعبير المحرضة على المقاومة والجهاد فى الدول التى أحتلها، ووجدت حركة المقاومة فى هذه البلدان المنكوبة بالاحتلال النازى البديل فى الحوائط وكانت نشرات المقاومة وكلماتها وأخبار العمليات ضد المحتل تكتب على حوائط المبانى التى دمرها النازى وتعلق عليها كل المنشورات الخاصة بتشكيلات المقاومة.
فى الانتخابات البرلمانية المصرية يعتبر بند الكتابة على الحوائط هو أهم بند دعائى، سواء كان من خلال الكتابة المباشرة عليه أو من خلال تعليق الملصقات.
إذاً الحوائط فى العالم عامة، وفى مصر خاصة، هى وسيلة التعبير الشعبية البديلة لقمع السلطة وكبت الحريات، ورغم أنها وسيلة بديلة إلا أن حدود سقف التعبير فيها يتجاوز بمراحل أسقف التعبير فى كل الوسائل الإعلامية، فالكتابة على الحوائط تحمل داخلها كل الرغبات المكبوتة والطاقة التواقة للتعبير لهذا فهى مندفعة بفعل الكبت لا تحمل حدودا أخلاقية ولا قواعد مهنية ولا وظيفية ولا اعتبارات شخصية تمنعها من كتابة ما يعبر عنها بأى لغة أو ألفاظ، وهذا هو الثمن الذى يدفعة سجانون الحريات.
فى مسلسل "لا تطفئ الشمس" ظهرت عبارة فى مشهد مكتوب عليه عبارة (CC خائن) وهو ما أثار حفيظة المتنطعين والصائدين لمناسبات التسلقن فقام محامٍ استمد شهرته من هذه الألاعيب القانونية الرخيصة لرفع قضية يتهم فيها المسئولين عن المسلسل بالإساءة لرئيس الجمهورية.
لا أعلم هل الاتهام موجه للعمل الفنى الذى ينقل مشاهد واقعية تعبر عن المجتمع؟ أم موجه لمن كتب هذه الكلمات على الحائط، والذى بالطبع اختزله المحامى فى جماعة الاخوان وهى الآن "الحيطة المايلة" التى يستسهل المتنطعون الارتكان عليها.
وقامت الشركة المنتجة بسحب العمل من موقع يوتيوب وحذف المشهد الذى تظهر به العبارة وتكلفت مبالغ طائلة من أجل هذا!

فى المبتدأ كلمة الخيانة ليست سبًا، وإنما هى وصف يجب أن يرتكن على مبررات وربما نعتبره سبة إذا ما أطلق على شخص دون بيان محتواه وأسبابه، فإذا تجاهلنا كل الأحوال المتردية والمنهارة التى تحيط بالأمة، وتوقفنا فقط عند أزمة التفريط فى الأرض من خلال أزمة تيران وصنافير ومن خلال الأداء الهزلى للنظام برئاسة "CC"، وتحدى الإرادة الشعبية والقوانين والمنطق والتفريط فى أمانة الحكم والقسم الرئاسي بالحفاظ على استقلال البلاد وعدم التفريط فى أراضيها، تصبح عبارة حائط مسلسل "لا تطفئ الشمس" صفة وتعبير دقيق عن واقع أليم وليست عبارة جوفاء خالية من المعنى، ولطالما منعتم الناس من التعبير عنها نفسها فى وسائل الإعلام، فالحوائط أرحم بهم منكم وفيها متسع لكل الأراء بلا حدود ولا أسقف ولاتوازنات .. حق التعبير لا يمكن سلبه .

الأربعاء، يونيو 07، 2017

الحداثة المكرمية فى عالم الأمنجية – حاكموا مكرم محمد أحمد

تم نشر هذا المقال على الجزيرة مباشر يوم الأربعاء 7 يونيه 2017 ، ونظراً لحجب الموقع اعيد نشره على مدونة صحافة الجميع .. للموجودين فى الخارج رابط الجزيرة :



http://www.proxyarab.com/browse.php?u=B5QmbF84Z8WaBvltWqEEDpIARwlKv1E%2FGtnKqAqXr4ks9Eta0IQzKbUEEgmiEJ4kHspuEiD4LXM10QT9h45%2FzXB8VTM%2BVrIZd46BBITT0XTKqrh44uPjtK12Z5QAoVEU&b=5

محمد منير

فى هذه الأيام المباركة يجب علينا إعطاء كل ذي حق حقه، فهذه شهادة سوف يحاسبنا عليها المولى في الآخرة. والشهادة لله أن نقيب الصحفيين الأسبق مكرم محمد أحمد والرئيس الحالى للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (البديل لوزارة الإعلام)، هو صاحب أقوى نقلة نوعية فى عالم المخبرين الإعلاميين، حيث ارتقى بهم من مستوى كتبة التقارير الأمنية إلى مستوى قيادي رفيع استلقوا فيه على مقاعد أصحاب القرار الأمني والسلطوي بمحاكمة ومحاسبة المعارضين للنظام.
من الروايات المعروفة في عالم الصحافة، ما يروى عن الحوار بين أحمد بهاء الدين نقيب الصحفيين الأسبق ووزير الداخلية، وكان فى ذلك الوقت ممدوح سالم، وخلال الحوار سأل "بهاء الدين" الوزير "سالم" عن سبب اختيار أحقر الشخصيات فى المجتمع الصحفي لتوظيفهم كمخبرين على زملائهم، وكان رد الوزير "سالم" رداً مفاجئًا عندما قال "وهل توافق الشخصيات المحترمة وأولاد الناس على القيام بهذه المهمة، ليس أمامنا غيرهم!".
ويبدو والله أعلم أن هذه الرواية أثرت فى نفسية الصحفي مكرم محمد أحمد آنذاك، فأقسم لنفسه أن يرتقي بطبيعة مهمة الأمنجي، وينقلها نقلة نوعية تضفي عليها مسحة من الوجاهة والرسمية، وبدأ باختراق مجلس نقابة الصحفيين وجلس على مقعد النقيب مدعوما بدفعات الأمن ورضاء السلطة، حتى انتهى إلى منصب رئيس المجلس لتنظيم الإعلام وقيامه بالنقلة النوعية لوظيفة الإعلاميين الأمنجية منذ أيام.
منذ أيام قليلة ومن خلال نشرة إخبارية متفاخرة ومغلفة بالاستقواء والفتوة، أعلن المجلس الأعلى للإعلام أن رئيسه مكرم محمد أحمد تقدم ببلاغ إلى النائب العام ضد إبرهيم عيسى رئيس تحرير جريدة «المقال»، يتهمه فيه بنشر 6 مقالات تثير الفتنة الطائفية. وأرسل رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام خطابًا إلى نقيب الصحافيين، يطالبه بالتحقيق مع إبراهيم عيسى لنشره 6 مقالات تثير الفتنة بين المسلمين والأقباط، وتؤكد للأقباط أن الدولة عاجزة عن حمايتهم، على حد ما جاء في الخطاب.
الشاهد أنه بمجرد أن وضع الكاتب إبراهيم عيسى يده على حقيقة لا ينكرها إلا مهطول أو مستهطل، وهي فشل الدولة فى حماية الأقباط (من وجهة نظري الشخصية هو فشل متعمد) حتى أعطت الأجهزة الأمنية الإشارة لقائد الفرق الإنشكارية الأمنية الصحفية للهجوم على الرجل، وكأنه يتحدث عن خيالات لا عن واقع يعيشه المصريون كل يوم، وتؤكده دماء أطفال الأقباط ونساؤهم ورجالهم العزل المسفوكة على أرض الوطن المرتبك حاله!!
والأمر هنا يتعلق بشقين، الشق الأول يختص بالضمير الإنسانى والمهني لدى إنكشارية السلطة، وهذا الأمر مفقود الأمل فيه، ومناقشته درب من العبث يتشابه مع مناقشة حدود شرف القواد.
الأمر الثانى يتعلق بالقواعد المؤسسية المنظمة لحدود العلاقات القانونية بين الصحفيين وبعضهم وبين الصحفيين والمؤسسات المسئولة عنهم والخبرات التاريخية فى التعامل معها.
تعالوا نستطلع سويا بعض مواد القانون المنظم لنقابة الصحفيين ..
تنص المادة 48 على أن مجلس النقابة يختص بتسوية المنازعات المهنية بين أعضاء النقابة. ويعين المجلس لهذا الغرض لجنة مؤلفة من ثلاثة أعضاء من بينهم النقيب أو أحد الوكيلين، تقوم بتحقيق أوجه الخلاف وتقدم تقريرا عنها إلى المجلس، ويكون قراراه فيها ملزما للأطراف المعنية.
وتعرض المنازعات على المجلس بناء على طلب أحد الطرفين أو كليهما، أو بناء على طلب أي عضو من أعضاء المجلس.
وتنص المادة 73 على أنه لا يجوز لعضو النقابة اتخاذ أي إجراءات قضائية ضد عضو آخر بسبب عمل من أعمال المهنة إلا بعد إبلاغ شكواه إلى مجلس النقابة وفقا لأحكام المادة 48 من هذا القانون ومضى شهر على الأقل من تاريخ إخطار مجلس النقابة ويجوز في حالة الاستعجال عرض الأمر على النقيب.
الشاهد من المادتين السابقتين أن عضو نقابة الصحفيين مكرم محمد أحمد خالف بوضوح قانون النقابة لقيامه ببلاغ قضائى ضد زميل دون الرجوع للنقابة، هذا مع اعتبار أيضا أن البلاغ لا يختص بمشكلة شخصية لدى المبلغ بقدر ما يتعلق بحالة تطوع أمنى وتماهى فى النظام الحاكم.
هذا غير المخالفات الخاصة بالقيم المهنية وميثاق الشرف الصحى الذى يضمن القانون الالتزام به على النحو التالى :
المادة 12 من ميثاق الشرف الصحى تنص على أنه لا يجوز أن يكون الرأي الذي يصدر عن الصحفي أو المعلومات الصحيحة التي ينشرها سببا للمساس بأمنه كما لا يجوز إجباره على إفشاء مصادر معلوماته وذلك كله في حدود القانون.
والشاهد أن البلاغ الذى تقدم به مكرم محمد أحمد ضد الصحفى إبراهيم عيسى يتعلق برأيه فى أن الدولة عاجزة عن حماية الأقباط فى مصر، وهو الرأى المستند على وقائع وأحداث مؤسفة نعيشها كل يوم ولا ينكرها، كما سبق وأن قلت إلا مهطول أو مستهطل، وهذا يعنى أن نقيب الصحفيين الأسبق الرئيس الحالى للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يدفع الدولة دفعا إلى التنكيل بصحفى بسبب أرائه وبالمخالفة للمادة 12 من ميثاق الشرف الصحفى.
المشهد يؤكد بوضوح على أهمية إحالة الصحفى مكرم للمساءلة النقابية والتأديب لمخالفته ميثاق الشرف الصحفى وقانون النقابة حيث جاء فى ميثاق الشرف الصحفى:
•           كل مخالفة لأحكام هذا الميثاق تعد انتهاكا لشرف مهنة الصحافة وإخلالا بالواجبات المنصوص عليها في قانون نقابة الصحفيين رقم 76 لسنة 1970 وقانون تنظيم الصحافة رقم 96 لسنة 1996.
•           يتولى مجلس نقابة الصحفيين النظر في الشكاوى التي ترد إليه بشأن مخالفة الصحفيين لميثاق الشرف الصحفي أو الواجبات المنصوص لعيها في قانون النقابة أو قانون تنظيم الصحافة ويطبق في شأنها الإجراءات والأحكام الخاصة بالتأديب المنصوص عليها في المواد من 75 إلى 88 من قانون النقابة.

وخارج حدود المواثيق والقوانين، فإن الأحداث تؤكد أن هناك فرقا واضحا فى أداء الأمنجية ورجالات الدولة طبقا لمستوى ذكائهم، ونذكر جميعا صفوت الشريف كبير السلطويين فى مجال الإعلام والمعلم الأكبر فى مجال السيطرة الإعلامية فى مصر، كان أداؤه يتسم بقدر من الدهاء والبعد عن الحماقة التى يتسم بها مكرم فى حوادث مشابهة، وأذكر عندما نشر الزميل عبد الحليم قنديل مقالا ضد حسنى مبارك، وكان مقالا عنيفا جدا اهتزت له الأوساط الحاكمة، لم يتدخل صفوت الشريف فى أى إجراء أمنى أو قضائي أو تأديبي سلطوي ضد "قنديل"، وكل مافعله أنه عقد اجتماعا للمجلس الأعلى للصحافة انتهى بإحالة الأمر لنقابة الصحفيين باعتبارها الجهة المسئولة عن محاسبة الصحفيين، ورغم أن النظام الحاكم في ذلك الوقت اتخذ إجراءات انتقامية ضد "قنديل"، إلا أن النقابة والهيئات الاعلامية كانت بعيدة عنها بل وأدانتها.. الفرق بين صفوت الشريف ومكرم محمد أحمد، هو الفرق فى مستوى التفكير بين الرتبة العليا والرتبة الدنيا فى المؤسسة الأمنية الواحدة.. حاكموا مكرم.