نشرة الاخبار

الأربعاء، يونيو 28، 2017

الديمقراطية وحكم العسكر


هذا المقال تم نشره على موقع الجزيرة مباشر بالرابط  :
 http://mubasher.aljazeera.net/opinion/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1
ونظرا لعدم قدرة البعض على الدخول على موقع الجزيرة من مصر لتدخل الحكومة المصرية وحجب بعض المواقع أعيد نشره على مدونة صحافة الجميع 

محمد منير

عندما بدأ الانجليز خطوات احتلال مصر عام 1882،وهو الهدف الذي استهدوا له منذ خروج الحملة الفرنسية من مصر عام 1802 ، كانت أول خطوة عملية هي إرسال مذكرة لحليفهم حاكم مصر الخديوي توفيق.
استاءوا في الرسالة من قيام نظام برلماني في مصر، وتضمنت المذكرة إشارة واضحة إلى أن هناك أحداثا توجب التدخل لحماية العرش الخديوي والمصالح الأجنبية في المحروسة .. فقد كانت الحياة البرلمانية في مصر آنذاك  انعكاسا قويا وواضحا للإرادة الوطنية للشعب المصري.
في عام 2017 عندما بدأت الصهيونية عبر حلفائها من بعض الحكام العرب مخططا للهيمنة على حدود مصر الشرقية قام حليفها حاكم مصر عبد الفتاح السيسي بوضع ضمانات استباقية قوية لتقويض الحياة البرلمانية في مصر وتحويل البرلمان إلى محلل شرعي لكل القرارات الخائنة بالتنازل عن السيادة عن أراضٍ مصرية لحساب المخطط الصهيوني الامبريالي.
وإذا كان المبرر عام 1882 للتدخل الأجنبي والتنازل عن السيادة على الأرض والخيانة هو حماية مصالح الأجانب وحماية عرش الخديوي من مخاطر محيطة به، فإن مبررات التفريط والتنازل عن السيادة على أراض مصرية  كانت هزيلة وممسوخة وضعيفة استندت على التشكيك التاريخي في تبعية الأراضي لمصر المرتكنة على مزاعم أمانة الحاكم السيسي الذي التزم بوصية أمه في إعادة الأمانات لأصحابها، فسلم الأرض للسعودية في إطار مشروع صهيوني موسع للسيطرة والهيمنة على حدود مصر الشرقية ولخدمة المشروع الصهيوني الكبير المتعلق بإسرائيل من النيل للفرات.
عسكري هزيل
"السيسي" ديكتاتور عسكري هزيل لم يستطع حتى أن يخرج الخيانة في مشهد تمثيلي رمزي كما فعل أنور السادات وقت اتفاقية كامب ديفيد، فهو أضعف من أن يشتبك حتى في دور تمثيلي لشوط ديمقراطي زائف. ففي 19 أبريل/نيسان 1979أجرى أنور السادات استفتاء مزدوجا حول موضوعين، هما معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية والتغييرات في النظام السياسي للبلاد، بما في ذلك إعادة التعددية الحزبية والتغيير إلى برلمان من مجلسين من خلال إنشاء مجلس الشورى، وتمت الموافقة على معاهدة السلام بنسبة 99.9% من الناخبين، بينما تمت الموافقة على الإصلاحات السياسية بنسبة 99.7% وكانت نسبة إقبال الناخبين 90.2%.
ورغم أن اسلوب الاستفتاء من الأساليب الديمقراطية سيئة السمعة، ورغم أن هذا الاستفتاء تحديدا كانت واضحة فيه التلاعبات والتدخلات إلى حد وصول نسبة المشاركة في الاستفتاء إلى 90.2%، ووصول نسبة الموافقة على البندين المستفتى عليهما إلى ما يزيد عن 99%، فإن المعنى الواضح هو أن السادات كان مدركا لأهمية الغطاء الجماهيري والشعبي ولو بشكل شكلي على عكس الجنرال عبد الفتاح السيسي الذى يحتقر الجماهير ويزدريها سواء من خلال تجاهلها تماما في قرارات مصيرية تخص الوطن ومستقبلة  أو من خلال انحيازه الواضح لفئات طبقية فاسدة ترتكن في طبيعتها على التعالي واحتقار الجماهير التي تقوم في نفس الوقت باستغلالها ومص دمائها ووصفهم بالرعاع لتعود مظاهر الحياة الطبقية والفروقات المعيشية المبالغ فيها إلى المشهد المصري مرة أخرى.
"كلاف الإسطبل"
المشاهد التي ارتبطت بأزمة جزيرتي تيران وصنافير المصريتين والتي ظهر فيها احتجاج جماهيري مصري كبير ومقاومة شديدة في مواجهة قمع سلطة استخدمت فيه كل الأدوات غير المشروعة وفي مقدمتها الإعلام الفاسد والبرلمانيين الهيكليين الذى تم إعدادهم من قبل لتمرير كل قرارات الخيانة والبيع للنظام العسكري الحاكم .. هذه المشاهد كان لها عدة دلالات وملامح من أبرزها :
· الأسلوب الحقير والفج الذى تم التعامل فيه مع قرار تسليم الجزيرتين للسعودية وضرب بأحكام القضاء عرض الحائط واحتقار الإرادة الشعبية لعدم قدرة النظام على السيطرة عليها والتلاعب فيها ولهذا لم يلجأ للاستفتاء على القرار .

· الهيمنة على البرلمان والذي من المفترض أنه بحكم تكوينه ساحة للممارسة الديمقراطية وفرض رئيس عليه مثل "كلاف الإسطبل" الذي يهيئ الخيول للباشا الجنرال.
· التوسع في استخدام البطش الأمني في الشارع المصري لقمع حق التعبير ومطاردة العناصر المعارضة في الشوارع لمنعها من حقها في الرفض وإبداء الرأي.
· الهيمنة والسيطرة على كل منابع وممرات التعبير عن الرأي سواء فضائيات أو صحف وتحويلها إلى  "إشلاقات " عسكرية لتدجين الصحفيين والإعلاميين وتحويلهم إلى مسوخ عسكرية تدور في فلك الجنرالات الحاكمة بقيادة إعلاميين من أصحاب التاريخ الأسود باعوا أنفسهم وضمائرهم .
· استخدام كل الأدوات المشروعة وغير المشروعة للسيطرة على النقابات المهنية مثل المحاميين والصحفيين، ووضع ممثلين لهذه الفئات من الشخصيات الممسوخة الضعيفة المهتزة، أو من أصحاب المصالح الشخصية في التبعية للنظام العسكري، وتحويل دورهم من مسؤولين على مظلة الحماية النقابية إلى مسئولين عن مكاتب فرعية للنظام داخل النقابات، وتقييد حريات المهنيين فى التعبير عن مصالحهم ومصالح الأمة التي يمثلونها، وتسهيل مهمة الأمن في تأديب كل من تسول له نفسه الخروج عن إرادة النظام الحاكم وهوى الحاكم، وأقرب دليل ما حدث في نقابة الصحفيين من اقتحام لسلمها المشهور والذي هو بمثابة مساحة منتزعة للتعبير عن الرأي والاعتداء على الصحفيين. وكان الاقتحام بشكل همجي لمجرد أنهم تجمعوا على السلم لإبداء رأيهم في اتفاقية ترسيم الحدود وتسليم تيران وصنافير للسعودية.

ومما سبق يتأكد أن الارتكان فقط على الوسائل الديمقراطية المشروعة في مواجهة الحكم العسكري والتخلص منه ، لا يكفي والمطلوب من هذا الشعب وقيادته الشعبية البحث عن أدوات ثورية مختلفة غير خاضعة لهيمنة وسيطرة النظام العسكري الباطش، للخروج بمصر من النفق المظلم الذي وضعت فيه مصر بإرادة الحكم العسكري وأتباعه من أشباه البشر وأصحاب المصالح الذاتية ومعدومي الضمائر، ومن أجل حماية استقلال هذا الوطن وأرضه التي فرط فيها العسكر والمسوخ المحيطة بهم والتي تحيا على مص الدماء.

ليست هناك تعليقات: