نشرة الاخبار

الأربعاء، يوليو 12، 2017

الإرهاب والإعلام والكيل بمكيالين


تم نشر هذا المقال على موقع الجزيرة مباشر الأربعاء 12 يوليه 2017 على هذا الرابط :
http://mubasher.aljazeera.net/opinion/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%8A%D9%84-%D8%A8%D9%85%D9%83%D9%8A%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%86
ونظرا لحجب موقع الجزيرة من قبل السلطات المصرية تم نشره على مدونة الصحافة الجميع

محمد منير 
ما أبشع أن يعيش وطن بأكمله فى مغالطة خادعة يدفع بسببها خيرة شبابه حياته ثمنا لوهم الأمن والأمان.. فالبلد الآمن لا يُقتل فيه الرجال، ولا يُسجن فيه الشباب، ولا يُيتم فيه الأطفال، ولا تُثكل فيه النساء. البلد الآمن هواؤه الحرية وصمام أمنه العدالة الاجتماعية والرحمة.
البلد الآمن الذى لا يكيل إعلاميوه بمكيالين ولا يستبدلون رسالتهم فى التعبير عن ضمير الأمة بالتبرير لجبروت الحاكم وظلمه، فتلوي كلماتهم الخادعة كل الحقائق ليصبح القاتل قاضياً والمقتول متهماً.
 أين الأمن يا إعلام الطاغوت؟!، وكل يوم تسيل دماء خيرة شباب مصر في معركة وهمية مع عدو وهمى، بينما العدو الحقيقي والمستفيد من كل هذه الجرائم يدير المشهد المأسوي باقتدار وتمكن، مستندًا على أوهام وأكاذيب يزرعها إعلاميون بلا ضمير لا يخشون حتى الله.
في عهد مرسي
منذ ما يقرب من أربع سنوات، وخلال فترة حكم الرئيس المنتخب محمد مرسي، تعرض جنود مصريون لعدة هجمات إرهابية، كان أبشعها ماحدث فى أغسطس/آب 2013 أى بعد أقل من شهرين على تولى "مرسى" الحكم، عندما امتدت يد الإرهاب المجهول لتغتال 16 جنديا مصريا أثناء تناولهم الإفطار فى رمضان، وما أحاط بها من حوادث متفرقة شملت اختطاف جنود وتصويرهم فى الأسر واغتيال بعضهم.
تلقف إعلام المؤامرة والدولة الأمنية العميقة هذه الحوادث، ليبث مفاهيم مغرضة توجه الشبهات إلى النظام الحاكم آنذاك باعتباره داعماً للإرهاب من ناحية ومن ناحية أخرى التأكيد على فشل هذا النظام فى حماية البلاد وتوفير الأمن والآمان والتمهيد لانقلاب "السيسي"، ووضع مبررات له لدى الشعب. خرج مرتزقة الإعلام يشيرون إلى ضعف النظام الحاكم في حماية البلاد من مخططات الصهيونية حتى إن الإعلامية لميس الحديدى طالبت الرئيس مرسى بما لم تطلبه من حاكم قبله ولا بعده، وهو أن يعيد النظر فى اتفاقية السلام مع إسرائيل؟؟!!! وهو المطلب الشعبي الذى تمناه الشعب المصري، ووقف أمامه دائما الإعلام المرتزق، ولهذا كان من الغريب أن يخرج هذا المطلب من فم لميس الحديدي أو مصطفى بكري أو غيرهم الذى تتغير مفردات الوطنية عندهم بتغير المصالح.
ما علينا.. أصبحت هذه الحوادث في فترة حكم مرسي هى القاعدة الخرسانية التى شيد عليها الإعلام المرتزق عقيدة الانقلاب ضد محمد مرسى وتنصيب وزير الدفاع الجنرال عبد الفتاح السيسى، بعد مذبحة راح ضحيتها الآلاف، معلنًا توفير الأمن والآمان وحماية شعب مصر وجنوده وضباطه من حوادث الإرهاب.. وخرج مصريون مذعورين بحكم الخدعة والوهم الذى بثة الإعلام المزيف يرقصون ويهتفون "تسلم الأيادى تسلم جيش بلادى"، فهل سلم جيش بلادى بعد أربع سنوات من حكم الجنرال عبد الفتاح السيسى؟؟؟
الثمن
من السذاجة أن أشغل سطور هذا المقال بإحصائيات حول أسماء الضحايا الذين دفعوا حياتهم ثمناً لتولى الجنرال الحكم وسيطرة طبقة فاسدة من رجال الأعمال والإعلام وبقايا البيروقراطية المخربة .. فمن الصعب رصد أسماء هؤلاء الضحايا ليس لعدم قدرة على الرصد ولكن لكثرتهم، سواء كانوا مدنيين وعسكريين، فجميعهم ضحايا لنظام حكم دموي مستغل وإعلام فاسد.. جميعهم ضحايا لوهم تم نسجه ببراعة شيطانية غضت النظر عن العدو الحقيقى الذى أصبح صديقا وشريكا للحكم وحوّلت الأشقاء إلى أعداء، وكما تقول الأمثلة المصرية "بلعت القطة" لسان بكرى ولميس وغيرهم تجاه إسرائيل والصهيونية، وسقطت اتفاقية السلام مع إسرائيل من ذاكرتهم، وتحول الخطاب الإعلامى من التحذير من المخطط الصهيوني الإمبريالي الأمريكي في المنطقة إلى الترويج لدور الصديق الأمريكي فى حفظ السلام والجار الإسرائيلي فى مطاردة الإرهابيين في سيناء، وبقدرة قادر أصبح العدو الإسرائيلي عدوا قطريا وتركيا وإيرانيا!! تستلزم مواجهته والالتفاف حول الحاكم "السيسي" ونظامه، وتنحية كل العوامل المحيطة من انهيار اقتصادي وجوع ونهب وسلب واستغلال، وغض النظر عن مشهد الفروقات الطبقية التى اتسعت فى العام الأخير، والتى من مشاهدها أثرياء يعيشون داخل "كمبوندات" يستوردون الطعام الطازج بالطائرات، وينعمون بالمسابح الخاصة، بينما خارج أسوار "الكمباوندات" جوعى ومرضى ينتظرون الفتات أمام مقاب الزبالة.
الإعلام السافل
الخدعة الكبرى التى بثها الإعلام السافل دفعت السذج وضحايا الفقر إلى تصديق أن الإرهاب أسبابه خارجية، وجعلتهم يغضون النظر عن كل الظواهر الداخلية التى تفرخ الحقد والضياع وفقدان الأمل المصدر الأول لكل التشكيلات الإرهابية.
عندما بدأت مظاهر الحوادث الإرهابية فى الازدياد فى التسعينيات، كان لدى النظام المصري قدر من العقل موروث، رغم الفساد الضارب فيه، فلم يدفن رأسه فى الرمال، ويلقي بالمسئولية على عدو خارجي، رغم وجود هذا العدو المتمثل فى إسرائيل، وأدرك أنه حتى لوكان هناك عدو خارجي يستغل الانهيار الداخلى، فلابد من تجفيف منابع الإرهاب فى الداخل وتحسين الظروف المعيشية والاجتماعية والثقافية المسببة فى تهيئة النفوس للوقوع فى براثن التشكيلات الإرهابية، وبدأت الدولة آنذاك إجراءات تسكينية شملت تطوير المناطق التى تعانى من ظروف معيشية صعبة والمصدرة للإرهاب مثل إمبابة فى الجيزة، والدفع بمشروعات تنموية ودولية في صعيد مصر وريف مصر، والارتقاء نسبيا ببعض المشروعات الثقافية والتعليمية، وسد بعض الفجوات الصحية، ورغم أنها كانت مسكنات لم تنف ظلم الحكم المباركي وفساده، إلا أن هذه السياسات حملت معنى أنه حكم يسترشد بمنطق سياسي، ولو ظالم، وليس منطقا عسكريا باطشا يتحكم فيه أصحاب المصالح الفاسدة داخليا وأصحاب المطامع خارجيا.
واكتفى النظام الحالي بالوقوف عند حدود الدعاية التي استخدمها للإطاحة بالرئيس المنتخب، والتى تستند لوجود عدو خارجي، يلزمنا، بغض النظر عن الظروف الداخلية لمواجهته.. ولم ينتقل الحاكم "السيسى" خطوة واحدة تجاه تغيير خطابه وخططه في الحكم لتحسين الوضع الداخلي، ولو على المستوى الشكلي، ليس فقط عن غباء، ولكن لأنه ما زال عسكريأ يدير البلاد بأسلوب إدارة المعسكر، ولم يصبح بعد حاكمًا يدير البلاد بأسلوب السياسي ولن يصبح.
قوة الجبهة الداخلية لا تكون بالالتفاف حول حاكم ظالم بحجة مواجهة الإرهاب، بل بالقضاء على الحاكم الظالم وتطبيق العدالة الاجتماعية لتجفيف منابع الإرهاب.

ليست هناك تعليقات: